القلم النقدي

 

على أجنحة الأفكار

أحمد بلخيري



على أجنحة الأفكار

أحمد بلخيري
باحث مسرحي / المغرب

  تحت عنوان شاعري هو "على أجنحة أفكارهم"1، نشر أحمد طايل، المصري الجنسية، كتابا، تضمن حوارات أجراها مع عدد من المثقفين هم : ابراهيم أصلان، جار النبي الحلو، عايد الرباط، أحمد الخميسي  عن أبيه المتوفى عبد الرحمن الخميسي، يوسف القعيد؛ وكلهم مصريون. هذا إضافة إلى الشاعرة العراقية المقيمة بلندن وفاء عبدا لرازق.
  كانت الأسئلة متعلقة، في عمومها، بالبدايات الثقافية بالنسبة للأشخاص المحاورين (بفتح الراء)، وقضايا الواقع، والكتابة. على أن أطول حوار في الكتاب هو ذلك الذي كان مع الروائي يوسف القعيد. إن هذا الحوار الأخير بالخصوص يعد وثيقة مهمة لمعرفة آراء يوسف القعيد في عدد من القضايا. كما أنه، أي الحوار، يساعد في معرفة عالم يوسف القعيد الروائي. وليس في هذا الحكم أي تبخيس لباقي الحوارات، ولكن طول هذا الحوار جعله أكثر غنى بالمقارنة مع باقي الحوارات الأخرى، التي لاتخفى فائدتها  هي الأخرى.
  في بداية كل حوار كانت هناك جملة، يمكن اعتبارها مفتاحا لعالم الكتابة عند كل واحد على حدة. وهكذا نجد بالنسبة لإبراهيم أصلان الجملة التالية: "شاعر القصة القصيرة"، ولجار النبي الحلو: "وشاطئ الحكايات"، ولعايد الرباط: "والدراما التاريخية"، ولعبد الرحمن الخميسي: "جان كوكتو العرب"، وليوسف القعيد: "المواطن المصري". لكن الجملة التي خصصت للشاعرة العراقية لم تكن مفتاحا لإبداعها، وإنما كانت "إطلالة عربية مع الشاعرة العراقية وفاء عبد الرازق". قد يكون سبب الفرق بين الجملة المخصصة لهذه الأخيرة، والجمل/المفاتيح المخصصة لأولئك راجعا إلى كون صاحب الحوارات أكثر إطلاعا على مجالات الكتابة والإبداع لدى مواطنيه المصريين، بالمقارنة مع إطلاعه على إبداع الشاعرة العراقية المذكورة.
  بين ابراهيم أصلان في الحوار الذي أجراه معه أحمد طايل كيف أن الطموحات والأهداف كانت في مرحلة الشباب ضخمة وكبيرة، ولم تقل مع تقدم العمر، ولكن مع هذا الأخير ازداد الوعي. هذا الأخير هو الذي جعل ابراهيم أصلان يتخلص من بعض الأحلام أمام صخرة الواقع. في طليعة هذه الأحلام المجهضة حلم "الوحدة العربية". يقول أصلان في هذا الصدد وهو يشير إلى أحلام جيله جيل الستينيات من القرن العشرين: ".. وفي ظل ظروف كتلك التي تربي عليها جيلي وفي ظل انهيار المشاريع الضخمة مثل الحديث عن القومية العربية التي يعتبر الحديث عنها خروجا من أي منطق! كنا نعيش في ظل مجموعة من الأحلام القومية الضخمة وإحساس بكبرياء ضخم جدا انهار تماما عام  1967 ". لكن هذا الحلم، وانكساره خصوصا، لايعود إلى الجيل المقصود، أي جيل الستينيات. ذلك أن هذا الجيل "عاش أحلاما وخيبات أمل كبيرة أيضا دون أن يكون له دخل في هذه أو تلك!!". لكن من هي أو ماهي الجهة بالضبط المسئولة عن هذا الانكسار وهذه الخيبات؟. لم يفصخ ابراهيم أصلان عنها مباشرة في الحوار.
  وقد شمل الحوار معه أيضا معضلة حقيقية تتعلق بالواقع الثقافي العربي الراهن. ذلك أن استهلاك الثقافة "ليس جزءا من الممارسة الحياتية للمواطن"، خلافا "للمواطن في دول أكثر تقدما"، الذي تعتبر الثقافة ركنا أساسيا من حياته اليومية حسب أصلان. لكن إذا كان الوضع هو على هذه الحال، فما هو الدافع إلى الكتابة؟. يجيب هذا الأخير قائلا :" إنني عندما أكتب أعبر عن نقاط فيما هو مشترك وإنساني بيني وبين الناس، وإنني إن كنت لاأستطيع أن أتبنى رؤية سائدة في أن أحقق تكاملا مع الآخرين من خلال أن أعيش برؤاهم السائدة فإنني أدعوهم من خلال عمل أن يشاركوني رؤية العالم فأحقق التوازن أو التكامل". تحقق الكتابة إذن التكامل والتوازن النفسي بالنسبة للكاتب، كما أنها- عنده- دعوة للأخرين لمشاركته رؤيته التي تختلف عن رؤية سائدة.
  وبعد أن أشار إلى مرحلة الستينات وجيلها، أقر بأن المرحلة المقصودة كانت "مفصلا أساسيا ليس بالنسبة لمصر فقط بل لشباب العالم كله، نحن نتذكر-يقول أصلان- مظاهرات الطلاب في فرنسا وفي اليابان والثورة الثقافية في الصين، كان العالم بأكمله يعيد طرح رؤى مغايرة بحساسية مغايرة". والملمح والسمة الأساسيان التي تخص الكتابة عند هذا الجيل في مصر هي "أن الكتابة السابقة عليه كانت تبدأ من معنى معين أو ايديولوجية محددة ثم تبرهن الكتابة عبر العمل على ذلك، حيث كان العمل الأدبي أو الفني يحمل رسالة من أجل القارئ، وقد أصبحت هذه الرسائل مكررة ولاتعبر عن مجمل الناس، وجيل الستينات لم يأت كي يحمل رسالة، لم يأت ليعبر عن معنى شائع أو متداول أو مفهوم بالنسبة للعالم من حوله، لكننا رحنا نسعى من خلال العمل الأدبي والإبداعي للتوصل إلى معنى للتوصل إلى حقيقة" حسب رأيه. هذا الجيل كانت "الهموم الاجتماعية هي الأساس في عملهم". ومن السماء التي تنتمي إليه أمل دنقل وبهاء الطاهر والعديد من الأسماء.
  وبعد أن تحدث عن مفهوم الشخصية في كتابته، التي تنمو وتتحرك في علاقاتها مع باقي الشخصيات الورقية، ولذلك هي ليست جثة كما يرى، وبعد أن تحدث عن مفهوم  التراث الذي هو مرتبط بالحياة الاجتماعية من خلال التقاليد والقيم والأعراف، جوابا عن سؤال في الموضوع، أبرز أن مصادرة الكتب أمر مسيء (وأنا أكتب هذه المقالة قرأت خبرا عن منع مسرحية "خمسون" لفاضل الجعايبي التونسي من قبل السلطات التونسية بعد عرضها في باريس!!. أ. بلخيري). وقد اعتبر أن الرقيب لايمثل مصر، ولا الحكومة تمثل مصر كلها، "لأن مصر أكبر جدا من أي فرد أو جماعة".
 إضافة إلى ماسبق، تضمن الحوار إشارات إلى تأثير الحي الشعبي الذي يعيش فيه في كتابته. وهنا قسم السرد إلى سرد اجتماعي وسرد سياسي وسرد جنسي. وعادة ما يهيمن السرد الذي "تقوم به مؤسسات عبر قرون ومؤسسات سياسية دينية واجتماعية". لكن خطورة هذا السرد الأخير تكمن في كونه "يقوم على التفكير بدلا من الناس والتخيل بدلا منهم". ولذلك فهو ذو "منطق تديجني". لكن منطق "السرد الشعبي أو السرد الشفاهي منطق مختلف فهو مختلف جدا".
  وقد استفاد ابراهيم أصلان من عمله الوظيفي في التلغراف كما يقول. إن التلغراف "جعلني أزداد يقينا ببعض الأشياء فأنا أومن بأن كل ما يمكن استبعاده من النص يستبعد"، و"عدم اللجوء إلا لكتابة كل ماهو مفيد و ضروري". إن الأمر يتعلق باختصار بتشذيب الكتابة وحذف الزوائد فيها. ورغم سيادة المجاملة في النقد، حسب رأيه، بحثا عن "المنافع الصغيرة" التي "تدر ربحا ولكنه ضار"، فإن "هذا لايمنع من وجود أصوات مازالت تتمتع بالنزاهة".
  هذه هي أبرز القضايا التي تضمنها الحوار الذي أجراه أحمد طايل مع إبراهيم أصلان. أما حواره مع جار النبي الحلو فكانت العلامة /المفتاح هي "شاطئ الحكايات". وهي علامة لغوية تحيل على "بستان الحكايات" وأدب الطفل. لكن جار النبي الحلو ليس كاتبا للأطفال فقط ولكنه كاتب قصصي وروائي. وحسب تقديم أحمد طايل فإن الحلو "قام بكتابة سيناريوهات" و"تحولت معظم أعماله الأدبية إلى أعمال درامية..ليس في مصر فحسب..بل الوطن العربي.. وتمت أيضا دبلجة بعض أعماله إلى اللغة الصينية والألمانية".
  بدأ جار النبي الحلو حواره، جوابا عن سؤال، بالتأكيد على فرادة وخصوصية كل كاتب للقصة القصيرة. هذه الأخيرة تعبر عن "آلام المهمشين" وتحمل على عاتقها "عبء التنوير". وهو يعتبر يوسف إدريس أول كاتب للقصة القصيرة في مصر من الناحية التاريخية من خلال مجموعته القصصية "أرخص ليالي"، حيث "قدم قصصا مصرية". أما قبله فالموجود "كان مجرد ترجمات" و"محاكاة للترجمات". كانت بدايته الأدبية إذن في القصة القصيرة، ومنها إلى الرواية فقصص الأطفال فمسرح الأطفال ثم كتابة السيناريوهات للتلفزيون. هذا الترتيب قد يكون مطابقا للواقع وقد لايكون؛ ولكنه هو الموجود في الحوار. وقد يبدو للوهلة الأولى أن وصف القصة بكونها قصيرة يفيد أنها سهلة حين كتابتها، ولذلك ينبه الحلو إلى أنها "أصعب الفنون في الكتابة وإن تصورت نفسك تسبح في نهر القصة القصيرة وأنت غير ممسك بأدواتها جيدا، الأدوات الفنية.. الثقافية..الخبرة..الوعي، سوف تكتشف أنك في النهاية تسبح في مكان ضيق للغاية..!! ". وهو رأي يبدو أنه صادر عن خبرة ومراس. ومثلما نبه إلى صعوبة كتابة القصة القصيرة، نبه كذلك إلى أن "الكتابة للطفل من أصعب الأشكال الفنية الأدبية الإبداعية". وعلى هذا الأساس وانطلاقا من هذا الإدراك فقد قال: "عندما أكتب إلى الطفل مسلسلات بالتلفزيون فإنني أخاطبه كرجل محترم ..وعقل محترم. كتبتله "الجبرتي".. كتبت له مسلسل "حكايات منسية" من تاريخنا العربي كانت من أهم المسلسلات التي حازت على جوائز عدة وتمت دبلجتها إلى الصينية..كتبت له حوادث الشعوب..".
  نترك جار الني الحلو وحكاياته، ومنها "حكايات جار النبي الحلو"، التي اعتبرها رواية وليست مجموعة قصص قصيرة، إلى عايد الرباط. هذا الأخير قدمه أحمد طايل بكونه "من أشهر كتاب الإذاعة والتلفزيون". كما أنه ترجم العديد من الكتب المتعلقة بالأنظمة السياسية. إن اطلاعه على الثقافة الغربية ناتج عن كونه خريج قسم اللغة الإنجليزية بجامعة عين شمس. وقد كانت بداية التعارف بينهما لما علم أحمد طايل بأن عايد الرباط بصدد إنجاز مسلسل تلفزيوني عن الشيخ محمد عبده، فتحركت رغبة طايل في اللقاء معه قصد إثبات معلومة تتعلق بمكان ولادة الشيخ وهي قرية" حصة شبشير مركز طنطا "، وهي القرية التي ولد فيها أيضا أحمد طايل، وليس "محلة نصر" التي هي مسقط رأس والد الشيخ واسمه عبده خير الله. إنه الوفاء لمكان الولادة. ويبدو من خلال الحوار أن عايد الرباط كاتب صاحب رأي ومبدأ يدافع عنه، "لذلك فصل من الإتحاد الإشتراكي بقرار جمهوري". ولأن الأمر كذلك فقد تضمن الحوار مواقف كان يتم تمريرها أحيانا عن طريق الإبداع التلفزيوني. "ففي الفترة التي انتشر فيها الإرهاب وساد المفهوم الضيق للدين وانتشرت التفسيرات الخاطئة بدأت تنفيذ فكرة المكتبة الإسلامية المتلفزة وهي محاولة لفهم القرآن والسنة فهما صحيحا" كما يقول عايد. وقد شن هجوما في الحوار على الوصوليين من النقاد وأشباه النقاد، إلا أن الساحة النقدية لحسن الحظ يوجد فيها نقاد فعليون، ومنهم في رأيه عبد العزيز حمودة وسامي خشبة...وهو بحكم خبرته في مجال الدراما التلفزيونية فقد شخص مكامن الإسفاف الذي يمكن أن يعتري هده الأخيرة. إن الإسفاف قد يكون في الحوار أو في الفكرة أو في الحركة. وبتعبيره "إن الإسفاف هو إسفاف في الحوار-إخراج لفظ غير لائق- وفي الفكرة- تقديم فكرة غير محترمة- وفي الحركة تقديم حركات لاتناسب أن تدخل البيت المصري" .
  إذا كان المجال الذي يبدع فيه عايد الرباط هو "الدراما التاريخية" و"الدراما التلفزيونية"، فإن مجال الإبداع عند عبد الرحمن الخميسي بصفة خاصة هو المسرح فضلا عن القصة القصيرة وإنتاج وإخراج الأفلام السينمائية والكتابة للموسيقى. لكن "الحوار" مع هذا الأخير هو في الحقيقة  "حوار" افتراضي وليس حقيقيا. ذلك أن كل الحوارات التي تضمنها الكتاب كانت مع مبدعين أحياء إلا حوارا كان عن مبدع ميت من خلال ابنه. وعليه، فإن المبدع الراحل عبد الرحمن الخميسي لم يكن طرفا مباشرا في الحوار وإنما كان موضوعه، حيث كان الحوار مع ابنه الدكتور أحمد الخميسي.
  هناك آراء هي في الحقيقة للابن وليست للأب. مثال ذلك مايلي: " إن الخميسي أول وآخر من عرب الأوبريت الأجنبي وهذه التجربة بالفعل لم تتكرر..وكانت الدولة في حينها تريد أن تحيي المسرح الغنائي الذي انتهى فعليا بوفاة سيد درويش.. وقد يقول البعض إن هناك محاولات الموسيقار "محمد عبد الوهاب" ولكني أقول إن عبد الوهاب قام بمحاولات تأليف مشاهد حوارية غنائية ولكنه لم يستطع الدخول إلى هذا البيت الضخم..من هنا كان أوبريت "الأرملة الطروب" تجربة رائدة بالفعل..لأن التعريب بالفعل مسألة صعبة والصعوبة هنا تكمن في أن تأخذ عملا مغنى بلغة مختلفة عن لغتك وتحوله إلى اللغة المصرية أو اللهجة المصرية". نحن إذن أمام رأي للابن وليس للأب المبدع. لكن مع ذلك، في هذا الحوار تعريف بإبداعات عبد الرحمن الخميسي، الذي اعتبره محمد مندور-حسب ابنه- شاعرا بالدرجة الأولى. فالشعر وفق هذا الرأي موجود حتى في الكتابة القصصية عند هذا المبدع.
  لكن إذا كانت مجالات الإبداع عند الخميسي متعددة ، فإن مجال الإبداع كان كذلك عند الشاعرة العراقية المقيمة بلندن وفاء عبد الرازق، التي قدمت نفسها للقراء من خلال الحوار كما يلي:"عرفت من خلال ديواني (هذا المساء لا يعرفني) ومجموعتي القصصية (إذن الليل بخير) ثم روايتي الشعرية (تفاصيل لا تعرف الذاكرة) إنها رواية مختلفة تعتني بالتوثيق للأماكن والعادات والتقاليد في البصرة إضافة إلى الأهازيج الشعبية أي بمعنى ذاكرة الناس والشارع، كتبت الرواية هنا بروح الشاعرة فكانت المدينة هي موسيقاي إذ هي البطلة الأولى وأنا والشاعر بدر شاكر السياب البطلان المرافقان لها". لماذا البصرة بالضبط؟ لأنها من مواليدها. وهي شاعرة بالدرجة الأولى، لذلك اكتسح الشعر الرواية في كتابتها الروائية، وليس العكس، حسب قولها، تماما مثل عبد الرحمن الخميسي الذي تسلل الشعر إلى كتابته القصصية حسب الرأي السابق الذكر.
  لقد شن عابد الرباط هجوما على النقاد إلا قلة قليلة منهم؛ أما وفاء عبد الرازق فقد هاجمت النقاد (مع تصنيفهم) والمبدعين على حد سواء، وبطبيعة الحال ليس كل النقاد وكل المبدعين. ويبدو أنه من المفيد نقل تصنيفها للنقاد بلغتها. تقول هذه الأخيرة جوابا عن سؤال يتعلق بأدعياء الأدب والنقد:" هو من وضع نفسه بهذا المأزق لأنه يتعامل مع النص بفوقية عالية، فأغلب النقاد في الصحف أو المجلات الثقافية نقودهم غير مجدية لأن الناقد يتحدث عن نفسه وعن نظريته التي تصبح كالسيف لقطع رقبة المبدع وإنتاجاته، هذا إذا تجرد من الخصوصيات والمحسوبيات، النقد الذي يتبنى فكرة بناء الحياة في العمل والذي يكون تلك الشحنة من الطاقات التي رافقت المبدع أثناء مخاض الكتابة قليل، والنقاد المبدعون يعدون على الأصابع، والوضع يحرضني على قول إن الساحة لاتخلو من مدعين سواء على الصعيد الإبداعي أو النقدي وللأسف الشديد هناك من تأتيهم الأعمال كاملة وتسجل بأسمائهم، إني أتساءل كيف يكتب الإنسان على نفسه، ويأتي ناقد كاتب ليكمل الدورة.
  أصنف النقاد إلى ثلاثة أنواع، ناقد يبحث عن المبدع الاسم الذي يضيف إليه ولا يبحث عن النص ويتعب نفسه في الوصول إليه، يغربل ويبحث للحصول على انتاجات لم يتعرف عليها النقاد للأسباب ذاتها، وناقد ينتظر منة دولار أو أية خصوصية نفعية ليرفع النص إلى السماء ويمارس علمه التنظيري وكأن النص وصاحبه أية قرآنية وعلى الجميع أن يحفظها غيبا كما حفظ هو ثمنها في الجيب، وناقد مبدع يملك الأمانة الفنية، بمعنى أنه ينحاز للعمل لا لهوية صاحب العمل أو مركزه، أما النوع الرابع والذي لم أعده ضمن الثلاثة السابقين فهو الناقد الهدام وكأن مهمته التشريح ولو كتب هو مرة ستجد نصوصه خاوية والمصيبة هي أنهم يتكلمون بنرجسية".
  حين قرأت رأيها هذا في كتاب "على أجنحة أفكارهم"، حسبت أنها تتابع الوضع الإبداعي والنقدي المغربيين عن كثب، لكنني استنتجت أننا في البلاد العربية في الهم سواء؛ لا فرق، من هذه الناحية، بين المغرب والعراق وسواهما من الأقطار العربية.
  لم تقتصر آراء وفاء عبد الرازق في الحوار على المجالين الإبداعي والنقدي، ولكنها عبرت عن آرائها حول العلاقة بين الثقافة والسياسة أو المثقف والسياسي. وفي هذا السياق، لاحظت أن المثقف الحقيقي مستهدف من السياسي. فهذا الأخير يخاف من صوت الأول ومن فعاليته في المجتمع. كما لاحظت أيضا ظهور ثقافة غير نظيفة حسب وصفها لها. هذه الثقافة "تفتقر إلى النزاهة وخاصة من القائمين على المهرجانات أو المؤسسات الثقافية، فيؤدي ذلك إلى انعزال المبدع الرافض للمساومة وتقوقعه على نفسه. إضافة إلى أن المثقف لا يستطيع المشاركة في القرار السياسي بينما السياسي هو صاحب القرار الأول والأخير في الشأن الثقافي. وعلى هذا الأساس ارتفعت أصوات عاليا وانخفضت أصوات وأسماء لها قيمتها الثقافية والإبداعية لكنها عزلت بسبب تخلي السياسة عن ما يمكن أن يرفع المستوى العام للفرد برقي الكلمة الحرة والرأي الحر". هذا فضلا عن "الثقافة الحزبية والتي تؤدي بدورها إلى إلغاء الآخر وإبعاده عن تكتلاتهم". مرة أخرى، كما لو أنها تتابع راهن الشأن الثقافي المغربي. ولكنها مأساة الرأي الحر والفكر النقدي الحر في البلدان العربية.
  تختلف هذه البلدان جغرافيا، ولكنها تتوحد في عزل وتهميش ومحاربة هذا النوع من الفكر. إن"الثقافة دائما هي ضحية استغلال السلطة الرسمية، والمثقف العربي يجد نفسه متأخرا لا يستطيع اللحاق بركب الثقافة العالمية وإن أراد الوصول عليه أن يترك عالمه العربي هاربا إلى أحضان الثقافات الأخرى باحثا عن مساحة من الحرية". وهو كذلك ضحية "سماسرة الكتاب". هذه بعض الآراء التي عبرت عنها الشاعرة العراقية المقيمة بلندن وفاء عبد الرازق في الحوار. وهي لا تؤمن بمقولة الأدب النسائي، لأن الأدب إنساني لا يتحدد بالجنس.
  كان الحوار الأخير في الكتاب مع الروائي يوسف القعيد. تم التطرق أيضا  في هذا الحوار إلى علاقة المثقف بالسياسي والعلاقة بين الأدب والسياسة. فبالنسبة للعلاقة الأولى يرى يوسف القعيد أنه "برحيل عبد الناصر ومجيء السادات بدأ تراجع المشهد الثقافي المصري  ووصل إلى غيابه التام وهو الحاصل الآن منذ أن بدأ السادات هجومه على الأفنديات ابتداء من منتصف السبعينات وحتى الآن. وهو يقصد بالأفنديات جماعة المثقفين". يبسط القعيد آراءه ومواقفه بكل وضوح. وهو يرى أن علاقة السياسي بالثقافة اليوم في مصر استمرار لعهد السادات، ذلك أن "مبارك فعل مع الثقافة ما فعله السادات من قبله. هذا الأخير لم يضيق الخناق على الثقافة والمثقفين فقط ، حسب رأي يوسف القعيد، ف"ليت دور السادات توقف عند هذه الحدود. لكنه مكن الإسلام السياسي من مصر لتصوره القاصر أن الخطر عليه سيأتي من الناصريين أو اليساريين، مع أن اغتياله قد جاء بيد واحد من الذين فتح لهم أبواب العمل والقتل والاغتيال". لماذا يستشعر الحاكم الخطر محدقا به؟. لسبب بسيط ولكنه جوهري: إنه انعدام الديمقراطية.
  كان من نتائج التقارب المصلحي بين نظام السادت والإسلام السياسي، انفراد ممثلي هذا الأخير "بالساحة العامة من عام 1975 وحتى الآن أي أكثر من 30 سنة". "في هذا الزمن اغتيل فرج فودة. وجرت محاولة لاغتيال نجيب محفوظ. ومنع سيد القمني من الكتابة. وهدد كاتب سيناريو شرع في كتابة سيناريو عن العبارة الغارقة، إن استمر في الكتابة. وهدد أسامة أنور عكاشة بالقتل لمجرد أنه انتقد حجاب الفنانة حنان ترك. إن شعار هذا الزمن سواء بساداته أو بمباركه هو نفس شعار جوبلز وزير إعلام هتلر: كلما سمعت كلمة مثقف تحسست مسدسي". إنها هيمنة السياسي على الثقافة خوفا منها؛ وهو خوف من النقد والحقيقة وإن كانت نسبية. خوف يجعل من السياسي مستبدا. وقد سبق لعبد الرحمن الكواكبي أن كشف عن هذا الاستبداد وطبائعه في كتابه القيم "طبائع الاستبداد".
  لكن يوسف القعيد دقق أكثر بخصوص هذا الموضوع. ذلك أن النظام يرحب ببعض المثقفين ليس "عن اقتناع ولكن من باب الرغبة في الاحتواء". وفي إطار هذه الرغبة يقول القعيد: "إنهم يدعونني كثيرا من أجل الظهور في تلفزيونهم ولكن ليس من أجل الكلام عن رواية جديدة لي. أيضا من المستحيل أن أقول عكس ما أقتنع به من أجل إرضائهم لأنني أحب أن يكون كلامي مع كتابتي في خندق واحد". إنه درس بليغ بالنسبة للمثقفين المصابين بالإزدواجية والمقنعين، لأسباب يعلمونها في نفوسهم قبل غيرهم.
  أما عن علاقة الأدب بالسياسة فيرى القعيد أن "في كل أدب سياسة حتى لو كانت قصيدة حب فإن فيها قدرا من السياسة. من الخطإ تصور السياسة على أنها العمل السياسي المباشر. وكلما كان تناول هذه السياسة بعيدا عن المباشرة والظهور المباشر للكاتب لكان ذلك أفضل". ولما كان الأمر كذلك، فإن مشروع القعيد الأدبي يقوم على وجود خلل في الواقع، يحاول هو من خلال الكتابة تحريض القارئ " لحل هذه المشكلة".
  تحدث في هذا الحوار أيضا يوسف القعيد، انطلاقا من أسئلة محددة، عن قرية الضهرية، القرية التي ولد فيها القعيد، وعلاقته بمحمد حسنين هيكل، وقد أعجب به القعيد؛ وعلاقته بنجيب محفوظ الذي تعرف عليه منذ النصف الأول من ستينيات القرن الماضي. وحسب القعيد، فإن نجيب محفوظ كان مخلصا للكتابة محافظا على استقلاليته. و رغم أنه يمكن أن تختلف معه فإنه "لا يكرهك ولا تكرهه أبدا".
     كما تحدث أيضا عن كتابته بالعامية، حيث كتب نصا وحيدا بها لحد الآن هو:"لبن العصفور". وتحدث كذلك عن تحويل روايته "الحرب في بر مصر" إلى فيلم سينمائي ، ورغبة صلاح أبي سيف في تحويل رواية "يحدث في مصر الآن" إلى فيلم سينمائي، التي تحولت فعلا إلى فيلم سينمائي عنوانه"المواطن المصري"، والظروف المحيطة بتحويلهما إلى فيلين سينمائيين، لاسيما ما يتعلق بالرقابة.
  وقد استعمل يوسف القعيد في هذا الحوار مصطلح "النص المفتوح". وهو "النص الذي يحتوي بداخله على الشعر والقصة والرواية والمشهد المسرحي وربما الدراسة". وهو مصطلح يناقض ماسماه القعيد "الفروق القديمة"، أو بتعبير آخر شائع نقاء النوع. والفضل في ظهور هذا النص، الذي "يحتوي كل الأشكال الأدبية"، يعود إلى الأدباء، فلم " يبشر به نقاد أو باحثون" حسب رأيه. لكن متى ظهر ومن أين أتى هذا النص؟. يعتقد يوسف القعيد أنه لم يأت من الغرب، "ولكنه موجود في بعض كتابات تراثنا الأدبي إن كتابات النفري فيها كل الأشكال الأدبية التي عرفناها من قبل. أيضا فإن كتابات الحلاج -على قلتها- فيها أنفاس من الشعر ومحاولات للحكي والقص". لكن هل المصطلح في حد ذاته إبداع عربي؟.
   يلاحظ قارئ الحوار الذي أجري مع يوسف القعيد أن هناك حنينا إلى ستينيات القرن الماضي، أي إلى المرحلة الناصرية. وبالمقابل، هناك تبرم من الحاضر. إنه الحاضر/ العصر الأمريكي، الذي أثر على دور مصر الثقافي بالنسبة للبلدان العربية. لكن مع ذلك، هناك أمل معقود على دور المثقف المتحالف مع المواطن، رغم الإكراهات والظروف. ألم يضع أحمد طايل في بداية الحوار تحت اسم يوسف القعيد عنوانا فرعيا دالا هو: "المواطن المصري"؟ بلى.  
  كانت تلك بعض القضايا والآراء المنتقاة، التي وردت في كتاب "على أجنحة أفكارهم" لأحمد طايل. لقد كانت أسئلة هذا الأخير متنوعة، تمكن من خلالها من إبراز جوانب تتعلق أحيانا بشخصية المحاور (بفتح الواو)، وأحيانا أخرى تتعلق بآرائه ومواقفه ومنظوره للكتابة والإبداع. ومن هذه الناحية، فالكتاب وثيقة مهمة للدارسين والباحثين والنقاد، الذين يعنيهم إبداع   المبدعين الذين أجري الحوار معهم، كل على حدة. 
 
  1 أحمد طايل. على أجنحة أفكارهم إطلالات ثقافية.القاصد للطباعة والنشر. ط/1. 2006.

 




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home