قصة

 

أكذوبة الشتاء

أسماء شاكر



يمكنك أن تضرب سيل الماء بحذائك كالأطفال ، سيتناثر الوحل علي ثيابك ، معطفك ، و حتي وجهك !
تبتسم ، تشعر بفرح طفولي يجتاحك للحظات و يختفي ، ثم تنظر للشارع الصخب خلفك ، للمطر المتساقط ، للسماء ، تبحث عن طفولتك .
تتنهد بعمق ، يحترق الهواء بأنفاسك و تسرقك الذكريات ، رعشة باردة ، تسري في جسدك ، ترفع ياقة المعطف ، تغمس وجهك فيه . . وتتذكر .
تتذكر توبيخ أمك حين كنت تعود من المدرسة مبتلا ، تتذكر احمرار وجهها الغاضب ، شعرها المتهدل ، كفها الحانية حين تنزع الحقيبة عن ظهرك .
لكنك . . .
كنت تتعمد القفز في برك الماء الصغيرة بعد المطر ، تتخبط بلا مبالاة ، تركض ، تلعب . . . كنت طفلا عنيدا !
تذكر المظلة المرقطة التي اشترتها أمك حتي لا تبلل ثيابك و تغدو في الفراش طيلة الشتاء ، كانت جميلة ، وتمنيت أن تكسرها ، تدوس بقدميك فوقها ، كنت تتمني لو . .
تذكر يوم خطفها أولئك الصبية جيدا ، تذكره . . ، لم تقاوم يومها ، لم تدافع ، بل أرخيت أناملك و تركتهم يهربون .
تهوي المطر منذ صغرك ، تستيقظ علي وقعه ، ثم تتسلل خارج فراشك الدافئ بهدوء و تفتح النافذة ، لتعانق حبات المطر بذراعيك ، تمدها و تغفو . . لتغرق بأحلامك البريئة ، المضحكة أحيانا .
تعرف أن السنة أربعة فصول ، تتمني لو أن جميعها شتاء!
هي تدرك بأنه خطأك و ليس خطأ السائق الأبله الذي رشق الماء علي ثيابك ، لم تنجح أكذوبتك الصغيرة .
تراقبك بصمت ، بعينين بارقتين ، و أنت تلوح بيديك ، كيف كان السائق الأبله مسرعا بسيارته الصدئة ، و كيف أنه لم يرك لقصر قامتك ، قلت يومها أنه كان من المفترض أن يلبس نظاراته . . . كي يراك !
لم تدرك من قبل أنك ممثل بارع .
أخفضت رأسك وقطبت حاجبيك في تكشيرة عذبة ، ثم أمسكت طرف بنطالك المتسخ و أطرقت في جدية و مرجلة صغيرة . . " أمي . . أنا سأغسله "
نظرت اليك في لوم ، تحاول أن تتماسك ، أن تتمالك نفسها قبل أن تنفجر ضاحكة .
ضحكت طويلا ، ثم غسلت قامتك الصغيرة بنظراتها ، للحظة شعرت بأنك كبرت ، أصبحت تملك ساقين قويتين ، و صدرا متسعا ، جذبتك اليها ، ضمتك بقوة ، أمسكت أذنك بدعابة . . " أيها الكاذب الكبير ! " .




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home