مقال

 

قريش والأنباط

طه الفيتاني



 قريش والأنباط

طه الفتياني

 أعشق التاريخ وأستمتع كثيراً بقراءته، لكن لم يسبق لي الكتابة فيه؛ لم أتجرأ  مطلقاً الخوض في هذا المجال، لأن الكتابة التاريخية ليست كالكتابة في المواضيع الأخرى، فالتأريخ له شروطه وله متخصصيه، مع أنني استندت إليه في كتابة عدد لا بأس به من مسرحياتي المنشورة.

أحببت التاريخ القديم، وقرأت كثيراً من الكتب فيه، وقد جذبني الأنباط  وسحروني، دون أن أحدد سبباً منطقياً لذلك. وجدت نفسي أغوص في الكتب، أتتبع كل  كلمة كتبت عنهم، وكل صورةٍ أو نقشٍ لهم ظهر في صحيفةٍ أو مجلةٍ أو كتاب،
وأستطيع القول بثقةٍ أنني قرأت بتمعنٍ كل ماتوفر لي من كتبٍ عنهم، في معظم  المكتبات العامة الكبيرة في الأردن.
 
لقد لفت انتباهي مقولة لابن عباس رضي الله عنهما، يقول فيها "نحن معاشر قريش  من النبط". لقد صاحبتني هذه المقولة في كل سطرٍ قرأته عن هؤلاء القوم، وفي  مقدوري الآن إثبات أن مقولة هذا الصحابي الجليل تحظي بمصداقيةٍ عالية، وأن  هنالك جملة من الأدلة الواضحة التي تؤكدها.
 
أولاً: أسماء الأنباط الشائعة لاتختلف عن الأسماء المعروفة عند القرشيين والمسلمين بعد ذلك مثل: علي وأحمد ومحمد وحبيب وخالد وسكينة وجميلة ووهب  والحارث وعبادة ومالك وخديجة.
 
ثانياً: آلهة الأنباط هي نفسها آلهة قريش، فقد عبدوا اللات والعزة ومناة،  وكانت مراسيم عبادتهم متشابهة إلى حدٍ كبير مع ما كان يقوم به أهل مكة؛ لقد  كانوا يدورون حول الكعبة وأصنامها عراة يصفّقون ويصفّرون، ويشبه هذا ماكان  يقوم به اليونانييون والرومان والأنباط فيما بعد في طقوس عبادة الاله  ديونِسيوس.
 
 ثالثاً: لغة الأنباط الأصلية كانت العربية، مع أنهم استخدموا الآرامية في  معاملاتهم التجارية، فقد كانت هي اللغة الرسمية في العالم القديم، وقد كانت  لغتهم قريبة من لغة القرآن الكريم، وهي لغة قريش، ولهذا فهم وقريش يشتركون في  لغةٍ عربيةٍ واحدة، أما بالنسبة للكتابة فقد انتقلت من مدين إلى الحجاز بواسطة الأنباط، وقد تطور الخط العربي عن الخط النبطي، والكتابة التي نكتبها  اليوم هي شكل مطور من الخط النبطي، الذي تطور عن الخط الآرامي.
 
رابعاً: التشابه لدرجة التطابق تقريباً في الموقع الجغرافي بين البتراء عاصمة الأنباط القديمة ومكة المكرمة، حيث كان الأنباط يفضلون السكن في مدن يبنوها  في نهاية أودية (وادٍ ليس ذي زرع)، ويكون ذلك على سفح جبل ليسهل عليهم الدفاع  عن أموالهم ونسائهم وأبنائهم، فقد كانوا تجّار أغنياء لم يكونوا مقاتلين  أشداء.
 
 خامساً: العمل الذي كان يمارسه أهل مكة هو نفسه الذي كان يقوم به الأنباط؛  الوساطة التجارية في رحلات بين بلاد الشام ومصر وأوروبا من جهة، واليمن  والخليج العربي والهند والصين من جهة أخرى، أي أنهم كانوا تجار العالم القديم، وكان ميناءهم الرئيسي على البحر الأبيض المتوسط مدينة غزة، التي مات فيها هاشم القرشي جد الرسول صلى الله عليه وسلم الأول.

سادساً: نظام الحكم الذي كان يمارس في مكة يشبه إلى حد كبير النظام الذي كان  يسود المدن اليونانية القديمة، حيث كانت "دار الندوة" ومجلسها، أقرب إلى  المجلس المنتخب لأثينا وسبارطة، الذي كان يقوم بتصريف الأمور فيهما. فكيف عرف  أهل مكة هذا النظام من الحكم، من المحتمل أن الأنباط إقتبسوه من اليونانيين،  الذين كانت لهم علاقات وثيقة معهم منذ القرن الرابع قبل الميلاد.
 
 سابعاً: هنالك حادثة وقعت في القرن الرابع قبل الميلاد؛ هاجم القائد اليوناني  انتيجونوس البتراء بجيش كبير، خاف الأنباط وتراجعوا عن المواجهة، أخذوا  نساءهم وأبناءهم وأموالهم وصعدوا إلى الجبال التي يصعب الوصول إليها. وهذا  مافعله بالضبط عبد المطلب جد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، عندما هاجم أبرهة الأشرم مكة المكرمة، فهل تكون هذه مجرد مصادفة.
 
ثامناً: لن أتطرف في رأيي لأقول بأن الأنباط هم من تحدث عنهم القرآن من قوم إبراهيم الحنفاء، فالقرآن يقول (ماكان إبراهيم يهودياً ولانصرانياً ولكن  حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين)، ولا يدل على ذلك إلا أسمائهم، فقد كان  إسم "مسلم" شائعاً بينهم وكذلك أحمد ومحمد وعبد الله وسعد الله، وكانت دور  العبادة التي يمارسون شعائرهم فيها تسمى "مساجد"؛ من المحتمل أنهم كانوا موحدين كما كان أهل مكة ودخلت عليهم عبادة الأصنام فانحرفوا في دينهم وأشركوا.
  لا أدري لماذا لدي إحساس بأن تاريخ الأنباط مليءٌ بالمفاجآت، وأنا على يقين  بأن أي مؤرخ مبتدىء يستطيع أن يخرج بصيد ثمين من الإكتشافات لو بذل جهداً  معقولاً في البحث والدراسة، فكيف سيكون الأمر لو تناوله مؤرخ محترف.

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home