قصة

 

عتبة الصمت

رضوان احمد بسداون



على عتبة الباب ، كان دائما يستأنس بها ليتمرد على طول الإنتظار، وبين لحظة وأخرى يحرك شفتيه و يردد اشعارا مسجوعة لا تكاد تسمع غير دندنة الأصوات، مرفوقة بأصابع بريئة لو تكلمت لنطقت بالزمن الغابر، أصابع أبت الا ان تشارك الحاج "العربي" مداعبته للأوراد في سكون ووقار، وصمت قاتل يخيم على العتبة. وفي لحظة استنارة الطريق، توقفت أصابع الحاج "العربي" عن الحراك واستكانت معه دورة الحياة. الحاج العربي شاخص بعينيه الى السماء، شفتان مطبقتان لا تدع له المجال للكلام، وأصابع باردة فقدت دوقها في مداعبة الأوراد. خرجت حفيدته السعدية الى العتبة قبلت يده الباردة ، فابتسمت له وراحت تلعب بدميتها لم يظهر عليها اثر الانزعاج لأن جدها لم يكلمها بقدر ما أحست بسعادة غامرة لأنه يشاركها متعة الجلوس في العتبة ،كما كانت تردد دائما " جدي عزيز علي" ، مضت لحظات ليست باليسيرة، وراحت شمس الضحى تتقلب بحلتها لتصبح شمسا تلوك المرض في شعاعها،ومن شدة حرها استسلمت سعدية للأمر و تركت العتبة للجد دون ان تطمع فيه، أذن المؤدن لصلاة الظهر ، والحاج العربي كعادته عينان شاخصتان و انامل باردة،وشفتان مطبقتان، وسكون قاتل تخاف منه الغربان. خرجت الحاجة "عائشة" و هي تنادي بأعلى صوتها

"الحاج و الحاج نسخن ليك ما ديال لوضو"

 لم يحمل إليها الجواب فتقبلت الأمر ولم تنزعج لأن من عاداته الا يتكلم وهو يسبح الله على اوراده، مضت لحظات ولم يسمع فيها ازيز او نزيز ، ولم يسمع فيها تنحنح الحاج وسعاله المتكرر، هذا ما اثار حفيظة الحاجة وراحت تطلبه

" الحاج و الحاج راه الناس كيصلو "

لم يجبه

ا" الله ايهديك الحاج نوض"

 لم يجبها ، خرجت الحاجة الى العتبة ، ووجدت الحاج على صورته السابقة ومن شدة استغرابها و خوفها ارتمت عليه و هي تصرخ

 " الحاج والحاج متخلنيش وحدي الحاج..."

 وهي تدرف الدمع الغزير وكأن عينيها تنتظر هذه اللحظة لتجود به، خرجت الى الزقاق وهي تصرخ

 " وامحمد والحسن ...راه الحاج مشى وخلاني.."

 فاغمي عليها من شدة التعب ومن وقع الصدمة عليها . دخل محمد و الحسن الى الدار ووجدوا الحاج على العتبة

 " انا لله وانا اليه راجعون.. يلاه نمشو انعيطوا للفقيه..لا حول ولا قوة الا بالله.." الحاج العربي فارق الحياة على عتبة الدار في صمت فاظهر هذه الحياة واستعفف منها ، فلم يبقى له سوى عمله و أذكاره ، ووقبلة طبعتها سعدية على يده. تخلص الحاج من ماضيه الأليم و تخلص من مراتع الأيام ومتاعبها ، فجاءه الموت و أنهى الإنتظار. اختصرت حياته في كلمات، لأنني عانية معه الأمرين ، موت لم يترك له المجال ليكلمنا عن حياته، ونظام رباه على الصمت،المهم الحاج العربي ولد في صمت ومات في الصمت وما قبلة السعدية الا ولاء لذلك الصمت الذي ولدنا وتربينا عليه،فبقي ولاؤنا للعتبة وصرنا على نهج الحاج العربي تسابيح في زمن الصمت وعلى عتبة الصمت.

 رضوان بن احمد بسداون




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home