مقال

 

الموت هكذا أراه !

عبد الجواد خفاجى



الموت هكذا أراه !

عبد الجواد خفاجى

 

أحياناً أستشعر أنني حي عندما أطرح معان جديدة للموت .. لكأنني – ضمنياً – أعبر بطريقة سلبية عن الحياة ، لا لشيء إلا لأنني عاجز حقيقة عن التعبير عما أفتقده في الواقع .. هكذا يتساوى لدى كل ما هو واقعي مع كل ما هو موتىٌّ ، و هكذا أجد نفسي أمام مفارقة أن أحيا لأعبر عن معاني الموت ، ومن دون أن أتبني هذه المعاني كسلوك ومن دون أن أمجدها أو حتى أدافع عنها ، لأنني حقيقة معنى بالحياة ، وربما لهذا أعتبر أن تعبيري عن معانى الموت أو طرح المفاهيم حوله هما – بشكل أو بآخر – دليل حياة .

***

ثمة كتابات للموتى ، أقرأها لأدباء معزولين ، يمجدون قيم الثبات والانفلاق ، خاضعون بحكم النشأة لقيم الجماعة المعزولة وأعرافها السخيفة واصلاحاتهم البالية ونمطهم القَبَلي ، متعصبون بالضرورة لجماعاتهم ، يتمتعون بقدر كبير من أخلاقيات العزلة التي تشيع في المجتمعات المعزولة . هذه الأخلاقيات تفرض عليهم رؤية كل من هو خارج الجماعة وكل من لا يتبع منظومة قيمهم السائدة بصفته ( آخر ) مستبعد ، وعدو يجب محاربته ، والخلاص منه باعتباره جرثومة مهددة . في مثل هذه الكتابات ذات الرؤية اللاإنسانية يصبح الخضوع لقيم الأجداد الموتى فضيلة عظمى ، كما تصبح أو تمسي قيمة الفرد في درجة إخلاصه لمن في القبور ، ولماضيهم البائد ، وحركة الفرد فوق الأرض خاضعة بالضرورة لسيرة الموتى ، ونهجهم الذي كان ، وحياته في قدرته علي أن يكونهم لا قدرته علي أن يكون ذاته ، كما أن قيمة الفرد تصبح في قدرته علي المحافظة علي قيم الثبات والانفلاق وفى استعداده للدفاع عن هذه القيم .

ومن ثم – حسب وجهة نظري – يستوي الإبداع وعدمه ، لأن الخضوع لقيم الثبات والامتثال للنمط التليد ضد معاني الإبداع بمعني الخلق علي غير مثال سابق . كما أن الانكفاء علي الذات الفردية أو الجمعية والتعبير عنها والانفلاق عليها بدعوى التعبير عن الحياة هو نوع من ضيق الأفق ، والمبدع حقيقة هو صاحب الأفق المتسع باتساع الحياة والكون ، كما أن الانكفاء علي الذات علي طول الطريق قد يكون دليل مرض أكثر من كونه دليل إبداع .

وربما أنا أسمى هذه الكتابات – حسب وجهة نظر نقدية – كتابات الموتى ، وأصف أمثال هؤلاء الكتابات بالميتين ، لأن الحياة شيء آخر ، حتى وإن كنا نفتقدها ولم نعشها حقيقة ، سيظل التعبير عنها ممكناً ولو بطريقة سلبية عندما نعبر عما نراه حقيقة متمثلاً في قيم الموت ونعاينه .

المسألة – إذن – ليست وجهات نظر وحسب ، وليست نوعاً من الخضوع لرغبة التفلسف المجردة .. إنها تعبير حقيقي عما نستشعره ونحن نتنفس ، ربما لأن ممارسة التنفس أو الاستمرار فيه شيء ، وممارسة الحياة أو الشعور بها شيء آخر ، هو نفسه الفارق – إذن – بين أن نحس وأن نشعر . أو بالمعنى : الإحساس شيء والشعور شيء آخر وبينهما تكمن معاني الحياة .

***

الحياة الحقيقية هي التمرد علي الواقع ، والسخرية من قيم الموات التي أرصدها وأترصدها في الواقع ، وربما أن الحياة هي الثورة علي هذه القيم الموتية ، ولهذا يعتبر نقد الواقع بما يحويه من قيم الموات ، ومسخرتها بمعني ممارسة السخرية منه ، يعتبر هذا بالنسبة لى لونًا من الحياة التي أمارسها حقيقة لحظة الكتابة ، وربما لهذا أنا حي حقيقة فقط عندما أكتب .

هكذا تصبح الحياة كتابة حتى الموت ، والموت خضوع لما اعتاده الناس حياة . ولهذا فإن حرمانى من حق الكتابة والتعبير هو حرمان من حق الحياة .

في الكتابة يصبح المستحيل ممكناً باللغة ، وتزول الحواجز بين فواصل الزمن ومراحله ، وهكذا نجد أنفسنا أحراراً بلا نهاية ، وبلا حدود ونحن نصنع عالمنا الذي ننشره فوق الورق ، أو نمسخر الواقع الذي نرفضه ، ونهدم عالمه فوق رؤوس ساكنيه ، لا لشيء إلا لأنه لم يعد معبراً حقيقة عن الحياة في معانيها الحقيقية .

.. في الكتابة نحن نعانق الحلم لحظة أن نفر من مؤرقات الروح ، ولحظة أن نتسامى فوق الزفير أو بالمعني فوق البيولوجيا التي تخضعنا للموت بمعني الخضوع لما هو مُلِح وضروري لمواصلة الزفير ، وهذا هو عين الخضوع للاعتيادي الذي يربطنا بالموت أو يفضي إلي موت ، ومن ثم فإنني ككاتب روائي وممارس للنقد الأدبي استشعر موتى لحظة خضوعى لكل ما هو اعتيادي أو لحظة تآلفي معه .

***

قد يربط البعض بين الحزن والموت .. والحقيقة أنني ما سمعت عن ميت يحزن .. الحزن عندي دليل حياة لا دليل موت .. أما الفرح بمعني السرور فهو تعبير عن التآلف والتكُّيف مع الاعتيادي ، ومن ثم فهو دليل موت بالنسبة لى ، وربما لهذا أفهم قول الله تعالي : "إن الله لا يحب الفرحين" فهماً خاصاً ، لأن الله أرادهم أحياءً فأماتوا أنفسهم عندما فرحوا .

وربما أن كثرة الضحك عندما تكون تعبيراً عن كثرة الفرح هي دليل موت لا دليل حياة ، وربما أنني أفهم قول الرسول (صلى الله عليه وسلم) : "كثرة الضحك تميت القلب " في هذا الإطار .

قلبي ليس ميتاً ، ولا أريد أن أميته ، ومن ثم فإن لحظات الضحك عندي نادرة ، كما هي لحظات الفرح .

أنا أستشعر أنني حى عندما أمارس حزنى بمعني حياتى ، كل ما ينقضي الآن بشكل ملح هو مكان هادئ أمارس فيه الحزن بمعني حياتي.. وساعة أن أظفر بهذا المكان سيكون حتماً هنالك موتى ، ليس لأنني عثرت علي المكان الذي أمارس فيه حزنى بمعنى حياتى ، ولكن لأننى حتماً سأفرح بما ظفرت به ؛ لهذا يأخذ الموت عندى معنى آخر هو أن أظفر بكل ما أصبو إليه ، لأن ذلك سيقودنى – حتماً – إلي فرحى بمعنى موتى .

ومن ثم فإن الحياة حقيقة ستظل في استمرار الصراع من أجل تحقيق الأمنيات ، كما تظل في الحرمان من الأمنيات ، ومن ثم أيضاً فإن الأموات من البشر هم من يعيشون حياة بلا صراع ، ومن يعيشون حياة الرفاهية والدعة ، أولئك المترفون الذين لا يعرفون الحرمان .

***

منذ أن كتبت روايتي الأولى "الراقصة والعجوز" التي صدرت عام 86 كان الموت يعنى بالنسبة لي شيئاً مختلفاً ، فقد كان معظم شخوص الرواية من الشباب الضائعين في مجتمع الكبار الانفتاحي الذي حمل رياح التغيير ، وتغـيُّر النظرة إلي القيمة الحقيقية للإنسان ، وفى وقت شهدنا فيه نوعاً جديداً من الصراع الرأسمالي الذي يدهس القيم في الطريق .

وكان أن عايشنا منذ أواسط السبعينيات بوادر انسخاط القيم وانهيار المبادئ العظمى التي تربينا عليها التي تعطي للإنسان قيمته متى ما كان منتمياً لمرجعيات قومية وحضارية عروبية وإسلامية .. هكذا وجدنا أنفسنا ـ كجيل ـ وسط قيم الاستغلال والاستهلاك ، وبوادر انقسام عربي سياسي وانشطار بين جبهة الصمود والتصدي وجبهة التطبيع مع العدو الإسرائيلي .. كان كل ما يحدث حولنا يمثل بالنسبة لنا انهياراً كبيراً ، لم نكن ندرك وقتها أنه مجرد بوادر لانهيار أعظم نعيشه الآن .

لم يكن غريباً – إذن – أن يكون كل أبطال الرواية من الشباب بين قوسي فقدان الهوية والاستغلال الرأسمالي والسياسي الذي يقودهم إلي اللامعنى .. وهكذا كان شعورهم بالموات .. لقد وضع بعضهم نهاية لحياته بيده ، بينما استمر الآخرون مدفونين فوق الأرض ، وكان الموت يعني بالنسبة لهم أن تصبح الحياة بلا معني ، ومن ثم لا فرق أن يموت فينا الجسد أو تموت فينا القيمة ، والحلم بالمستقبل المشرق .

لم يكن في مقدور الشخوص أن يتمردوا على واقعهم وهم يسيرون بلا إرادة ، نحو هوة الفقد والضياع لذلك كانوا معبرين ضمنياً عن الموات الذي يعني السكون والاستسلام ، وكان معني هذا الاستسلام حقيقة هو الخضوع لنزوات الآخر المستغِل ورغباته اللاإنسانية ، في الوقت الذي كان المجتمع بقوانينه العمياء ينظر إليهم كبضاعة بلا روح ، أو كمتطرفين تجب محاكمتهم ، وهكذا صار المجتمع نحو إدانة الأداة التي بيدها أن تصنع المستقبل أو تتمرد علي فساد الواقع ، وربما أن الواقع المسيَّج بالعسس وقوانين الطوارئ ساهم إلي حد كبير في قتل الذات والحلم والرغبة في التغيير ؛ لهذا كان الموت يعني الخضوع المذل لإرادة الواقع الأعمى ، وهكذا أيضاً كانت شخصية البطل في روايتي "الحذاء" التي صدرت عام 2002 .. كان البطل قادراً ـ فقط ـ علي ممارسة عرض الواقع من خلال الاستمرار في السرد ، في الوقت الذي كان الواقع ينزلق به نحو هوة الفقد والضياع الأكبر وذلك عندما تفقد الذات أية رغبة في البقاء في واقع مجاف لا يري في الإنسان أية قيمة ، ولا يحترم أية خصوصية ، فيما كان محتوي الشخصية الذي تنضح به من داخلها ينم عن إيمان عميق بمعاني الحياة والحرية وبقيمة العلم والثقافة والأخلاق والمبادئ الإنسانية ، في مقابل فردة الحذاء التي يحرزها البوليس علي ذمة قضية جنائية .. كانوا يحرصون علي نظافة فردة الحذاء ولمعانها وصيانتها من الأتربة أو التلف في خزانة آمنة ، وفي الوقت ذاته يعاملون شخصية المتهم ( معلم لغة عربية وتربية إسلامية ) باحتقار شديد واستتفاه بالغ ، وغير ذلك تعذيبه بدنياً . الاتجاه البوليسي في المعاملة لكل من المعلم المتهم وفردة الحذاء كان يتجه نحو تشييء الإنسان ، وأنسنة الحذاء (الأشياء) . في مثل هذا الطقس اللاإنسانى وجد المعلم (العريان)نفسه بين يدي أدلة عمياء تقول إنه متهم ، بمجرد أن البوليس عثر علي فردة حذائه في موقع الجريمة ، ولعجزه عن إثبات براءته ، ولأن البوليس يصر علي إدانته وتعذيبه كان لابد أن يستسلم .. لم يكن يفعل أكثر من الاستسلام بأيادي آسريه ومعذبيه ، ثم ومن بعد لقضاته الذين انشغلوا بتقنين موته .. كل شيء كان يقوده إلي الإعدام ، في الوقت الذي كان يتساءل فيه : وما جدوى أن نبقي فوق الأرض والموت بداخلنا ؟! .

في الوقت نفسه كانت المحكمة تعكس غباء الواقع وموت العدالة وموت التمييز أو القدرة علي التمييز وموت النبالة .. وهي نفسها القيم الحية التي يؤمن بها (العريان ) ، لقد كان نبيلاً بالفعل ، ذو قدرة عالية علي التمييز ، فيما كان ذكياً ومثقفاً موسوعياً ، بدأ حياته متخماً بأحلام عظام من زمن طفولة ، لم يكن الزمن أعمي فيها أعمىإلي الدرجة التي انحدر إليها الآن .

وثمة ما صنعه البطل داخل محبسه حينما أقام مجتمعاً ديمقراطيًا داخل السجن، أفراده من سجناء ينتظرون محاكمتهم أو إعدامهم .. لكأنهم يحققون معاً رغبتهم الكبرى في اللحظات الأخيرة داخل السجن ؟! ؛ لتصبح المفارقة بين الأسر والظلم والديمقراطية والعدالة هي المتحكمة في معاني الحياة .. المفارقة التي نصنعها نحن ولا تصنعها الحياة .. نعم الحياة مليئة بالمفارقات ، لكننا أحياناً نصنع مفارقات أخري أفدح نسميها واقعاً ، بيد أن ما نحلم به يظل واقعاً آخر قائماً بالفعل، ولكن في مخيلتنا ، وبين ما نسميه واقعاً وما نحلم به صدام حقيقي وتنافر قد يدفعان إلي الرغبة في الخلاص من الحياة برمتها ، وقد تلتقي معاني الموت الإكلينيكي مع موات القيمة والحلم في لحظة صدام حقيقية مع الواقع .

ومن ثم فإن لا فرق بين أن يموت منا الجسد أو تموت فينا القيمة والحلم .. (العريان) لم يمت لأن قضاة مجتمعه حكموا عليه بالخنق أو الشنق .. هذا الحكم الأخير مهدت له الرواية لكنها لم تعرضه كحدث ، وقد أصبح عرضه تحصيلاً لحاصل .. الحقيقة أن العريان ميت منذ زمن طويل ، منذ بداية الرواية بأحداثها حيث الطفولة البائسة والفقر المدقع والغفلة المجتمعية عن الفرد ، وضياع قيم الأبوية والأمومة ، فيما كانت القيمة الوحيدة التي يتمسك بها والتي أتاحتها له مجانية التعليم هي العلم .. وكان يظن أن في العلم حياة ، إلي أن أكتشف أنه واهم في مجتمع لا يحترم العلم ولا العلماء ، وأن المعلم أحقر بكثير من رجل البوليس السلطوي .. هنالك اكتشف العريان أنه ترس عاجز في آلة كبري تخدع أبناءها بالقول : "اقرأ " ثم تخدعهم أكثر بالقول : "اقرأ باسم ربك الذي خلق .." ثم ليكتشف أن اللافتة المثبتة فوق واجهة المدرسة تعكس الحقيقة كاملة .. لقد تآكلت حروف اللافتة بسبب عوامل الطقس ، ولم يبق من حروفها غير "وزر" فيما سقطت بقية حروف "وزارة التربية والتعليم" لندخل في حيز آخر من الضياع الذي تعكسه الرواية من داخل جهاز التربية والتعليم نفسه ، ضياع النظام وفساده علي مستوى الأدوات والمناهج والمعلمين والطلاب والأبنية والخطة وما إلي ذلك . الإشكالية أن الجميع كانوا يستمرئون هذا الضياع وذاك الفساد ، بداية من وزير التعليم وحتى رجل الشارع . علي مستوي آخر كان الجميع يستمرئون فساد الجهاز البوليسي وضياع قيمته ومبررات وجوده يتضافر مع ذلك عماء القانون والقضاة .. الجميع كانوا واهمين وهم يقودون (العريان) إلي الإعدام ، دون أن يدروا أنهم إنما بذلك يحققون رغبة العريان في الخلاص من هذه الحياة أو بالمعني الخلاص منهم بخلاصه من الحياة التي تربطه به .

وهكذا بضياع القيم العظمي وفساد الواقع يستشعر الإنسان موته بداخله ، ومن ثم يبدأ في الاستسلام لرغبة الموت الجسدي أو مفارقة الروح للجسد .

****

أحياناً يصبح معني الموت هو عدم القدرة علي صنع أسباب الحياة أو تستحيل عند الإنسان القدرة ، لا لشيء إلا لأن الموت أصبح صيغة حية ، عندما يجد المرء نفسه فرداً في مجتمع ميت لا حراك فيه ولا نماء .. هذا المجتمع الميت معطل بالضرورة ، ومقاوم للتغيير ، وخامد بفعل الكساد الاقتصادي و الفقر وندرة الموارد الطبيعية وغيرها .

كثيراً ما تتضافر عوامل تاريخية للموات الجمعي كما هو الحال في صعيد مصر ، وحيث تصر الحكومات المتعاقبة علي مصر علي نفي وإهمال هذا الجزء (الذيل) .. إنه الحال في ثلاث روايات انتهيت منهم مؤخراً هي "بغل المجلى" و "عودة الفلٌّوص" و "أرض الخرابة" .. ثمة أسباب تاريخية أدت إلي كساد الحياة وخمود الحراك الاجتماعي ، ومن ضمنها الإهمال الخدمي وانعدام مشاريع التنمية وتزايد عدد السكان ، وانحصار الرقعة الزراعية ، وهنالك تبدو الحياة خامدة ساكنة سكون القبور ، حتى لأن كل شخوص الروايات ألفوا حياة الموت هذه ، وأصبح وعيهم بالحياة الحقيقية معدومة ورغبتهم في الحياة تعني استمرارهم فيما هم عليه ، فيما تملكهم الخوف من التغيير ومن المستقبل ، وقد أصبح نهجهم المتبع " اللي تعرفه أحسن من اللي متعرفهوش" .

****

قد يتضافر معني الموت هذا في الروايات الثلاث مع معنى آخر هو الخضوع لسلطة مَن في القبور ، وسلطة مَن في القبور تُمَارَس حقيقة في المجتمعات القَبَلية والبدائية والمتخلفة والمغلقة علي السواء ، حيث يكتسب الفرد قيمته في جماعته بانتمائه لهذا الجد أو ذاك من المقبورين ، ودرجة انفتاح الفرد علي الآخر رهن بالعلاقة التي كان قد صنعها الأجداد في الماضي بين قبيلتيهما إن كانا من قبيلتين مختلفتين ، ورهن للوضعية التي موضعها الأجداد للبطون والأفخاذ إن كانا من نفس القبلية ، أما إن كان الفرد غريباً أو مقيماً وسط أفراد هذه الجماعة أو كان أحد أبويه من خارج القبيلة فلا شك أنه سيعيش بغير اعتبارات أو حيثيات .

هو مجتمع تتحدد فيه صلاحية الفرد للحياة باعتبارات العرق والدماء ، والأعراف الماضوية ، لا بقيمة ما يصنع أو يقدم للمجتمع النفع .

في مثل هذه المجتمعات يولي الجميع وجوههم شطر القبور ، فيما تصبح الحياة حقيقية خلف ظهورهم .

في مثل هذا الطقس أيضاً قد تصبح للأضرحة قيمة عظمي ، لا لشيء إلا لأنها تحوى أجداث من يتبارك الأحياء بهم ، ويتلمسون منهم العون والمدد في الحياة . وهكذا قد نجد سلطة للأموات علي الأحياء ، وتصبح القيمة الحقيقة للماضي ، ولمن ماتوا ، أو باختصار تصبح القيمة لما تحت الأرض لا لما في فوقها ، ولمن فارقته الحياة لا لمن ينبض بها .

في مثل هذا الطقس أيضاً تحيا الخرافة ويشيع الدجل ، وتتراكم حول العقيدة مزاحمات أسطورية تلبس ثوب الحياة .. لا أقول الواقع المؤسطر ، ولكن أقول الأسطورة التي سطت علي الحياة ، ومن ثم نجد مساحة واسعة للخزعبيلات فيما تضيق المساحة أمام العقل ، حتى تنعدم تماماً ، وهنالك قد يصبح للجن وجود وفعل وقوة ، ويصبح الإنسان حقيقة مجرد كائن لا يعرف غير الاحتراز من الغيبي والسحري والغائب والميت ، وهم جميعاً يمثلون القيمة الحية التي يفتقدها أحياء الميتون فوق الأرض .




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home