مقال

 

الاستشراق... إلى أين وصل؟؟؟

حسن محمد نجيب



الاستشراق... إلى أين وصل؟؟؟

حسن محمد نجيب


لا شك أن الاستشراق كان ولا يزال يشكل الجذور الحقيقية ، التي تقدم المدد للتنصير والاستعمار ، والعمالة الثقافية ، ويغذي عملية الصراع الفكري ، ويشكل المناخ الملائم لفرض السيطرة الاستعمارية على الشرق الاسلامي ، واخضاع شعوبه ، فالاستشراق هو المنجم ، والمصنع الفكري ، الذي يمد المنصرين والمستعمرين وأدوات الغزو الفكري بالمواد التي يسوقونها في العالم العربي ، لتحطيم عقيدته ، وتحريب عالم أفكاره .


لقد تطورت الوسائل ، وتعدت طرق المواجهة الثقافية الحديثة ، ويكفي أن نشير إلى أن مراكز البحوث والدراسات ، سواء أكانت مستقلة ، أم أقساماً للدراسات الشرقية في الجامعات العلمية ، تمثل الصور الأحدث في تطور الاستشراق ، حيث تمكن أصحاب القرار من الاطلاع والرصد لما يجري في العالم يومياً .
لقد اكتفينا نحن العرب اليوم بمواقف الرفض والإدانة للاستشراق والتنصير ، اكتفينا بالانحياز العاطفي للاسلام ،
وخطبنا كثيرا ، وانفعلنا أكثر ، ولم تعل إلاٌ أصواتنا ، ولا نزال نحذر من الغارة على العالم العربي ، القادمة من الغرب ، ومن المخططات الصهيونية الماكرة والصليبية الحاقدة ..

 

إننا لا نزال في مرحلة العجز عن تمثيل تراثنا بشكل صحيح ، ومن ثم القدرة على غربلته وفحصه ، والإفادة من العقلية المنهجية التي أنتجته ، والقدرة على إنتاج فكري معاصر يوازيه .

والمظهر الآخر للعجز نفسه يتمثل في فريق آخر ، يحاول القفز من فوق الفهوم السابقة ، والتراث الفكري والفقهي ، ضاربا عرض الحائط هكذا بحكم عام ، وعامي في الوقت نفسه ، بكل الانتاج الفكري ، والحضاري ، دون امتلاك القدرة على ذلك . فكيف يمكننا _ وهذا موقعنا وواقعنا _ أن نمتلك الشوكة الفكرية ، التي تمكننا من النزول إلى معركة الصراع الحضاري والفكري ، ونأمل أن نحقق فيها انتصارات للعرب أجمعين ؟؟

 

لقد دخلنا المعارك القديمة ، ولا نزال ندخلها ، ونشغل بها ، على حساب الحاضر وما يدور فيه ، والمستقبل وما يخطط له ، ويمكننا هنا أن نقول : بأننا سوّقنا لأفكار المستشرقين عن حسن نية ، وعملقنا أشخاصهم ، دون حسابات دقيقة للآثار السلبية على أكثر من صعيد ، لما يترتب على ذلك ، وكأننا لكثرة ما نبدي ونعيد في هذه الموضوعات ، ونكتب ونخطب ، نوحي أننا ما زلنا دون مرحلة النصر ، أو على أحسن الأحوال ، لا نزال نعاني من آثار الهزيمة الفكرية التي تعيش في أعماقنا ، إلى جانب ما يمكن أن تورثه تلك المعارك من قدرة الخصم على التحكم بمسار تفكيرنا ، ونشاطنا العقلي ، لأنه يكفي أن يلقي إلينا ببعض التشكيكات ، ليستثيرنا ويحول جهودنا وطاقاتنا إلى تلك المواقف الدفاعية ، فينفرد هو بالتخطيط لتحقيق أهدافه ، وكلما حاولنا أن ننتبه ، ينتقل بنا من مشكلة إلى أخرى ، فنبقى دائما في مجال رد الفعل ، ونعجز دائما عن الفعل ، ذلك أن رد الفعل يملكنا ، بينما نحن الذين نملك الفعل ..

 

صحيح أن الماضي هو الذي يدعم التماسك الثقافي ، ويشكل الجذور التي تحول دون الاقتلاع ، إلاّ أن هذا الماضي بالرغم ما قدم في إطار تحقيق الذات ، وضمان تماسكها ، كاد ينقلب الاقتصار عليه إلى ظاهرة مرضية

تحبس الانسان في ملاجئها ، وتحول بينه وبين النهوض ، وذلك عندما يصبح الاستغراق في التشبث بالماضي صارفا للانسان عن صناعة حاضره ومعالجة مشكلاته ، والتفكير في مستقبله ..

 

وحتى نكون في مستوى الحوار الفكري ، والتبادل المعرفي ، ونوقف فعلا الغزو الفكري ، والإغراق الاستشراقي ، لابد لنا بدل البكاء على الأطلال ، والإكتفاء بجرعات الفخر والاعتزاز بالماضي ، أن نكون أيضا قادرين على امتلاك الشوكة الفكرية ، أن نكون قادرين على الانتاج الفعلي ، لمواد ثقافية تمثل ثقافتنا ، وتأتي استجابة لها ، وتغري الناس بها ، وبذلك وحده نكون في مستوى الحوار ، والتبادل المعرفي ..

فالمواجهة لا تكون بإدانة الآخرين ، والنظر إلى الخارج دائما ، وإنما تبدأ حقيقة من النظر إلى الداخل ..أولاً
لملئ الفراغ ، بعمل بنائي مستمر ، وتحصين الذات ، وتسليحها بالمقاييس الثقافية السليمة ، وإنتاج مناهج ، وآليات للفهم ، تأتي وليدا شرعيا لثقافتنا .

 

ذلك أن المناهج وآليات الفهم ، التي تحكم الكثير من جامعاتنا ، ومعاهدنا ، لا تزال من صناعة الفكر الغربي ,

انتهت إلينا بسبب التخاذل الفكري الذي نعيشه .. وتلك المناهج هي ثمرة لتشكيل ثقافي معين ، تصنعه وتُصنع به،

غير منفكة عنه .. لذلك فمن الصعب نقلها واستخدامها في إنتاج ثقافي آخر ، والاطمئنان عندها إلى نتائج الفكر ..

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home