القلم النقدي

 

مدخل إلى الأدب العجائبي

صابر محمود الحباشة



مدخل إلى الأدب العجائبي

صابر محمود الحباشة


انتشر مصطلح "الأدب العجائبي" في السنوات الأخيرة مرادفا للفظ الأعجميّ littérature fantastique وقد تصدّى لبيان أوجه انطباقه على أنماط من السرد العربي عدد من الباحثين يعسر أن نحصيهم عدّا، والجامع بين جُلهم رغبة جامحة في استثمار مقولة هذا الجنس الأدبيّ وهي غربية المنشأ لا شك في ذلك لتأصيل استتباعاتها الإجرائية في النصوص والمتون العربية سواء منها القديمة أو الحديثة وفي ذلك جهد لا ينكر ونيّة في توسيع دائرة المقاربات النقدية العربية بفتحها على نوافذ كان الغرب قد انصرف إليها منذ مدة، ونكتفي في هذا الحيز المختصر بالإلماع إلى أمّهات القضايا النظرية كما عرفها الغرب (وبالتحديد فرنسا) لعلّ في ذلك مزيدا من تدقيق هذه الأصول النقدية التي تُعتبر ضرورية لملامسة موضوع العجائبيّ. ونكتفي في هذا الإطار بعرض سريع لبعض آراء تودروف وكايوا في المسألة.
 
** مقاربة تودوروف للعجائبي
يشترط تودوروف Todorov أن تتوفر ثلاثة شروط في حدّ العجائبي.
-أولا: أن يجبر النصُّ القارئَ على اعتبار عالم الشخصيات عالم أشخاص أحياء ويجبره كذلك على التردد بين تفسير طبيعي وتفسير خارق لها.
-ثانيا: أن يكون ذلك التردد محسوسا من قبل إحدى الشخصيات وفي الوقت نفسه يبقى التردد ماثلا ويصبح غرضا (أو موضوعا) من أغراض الأثر. وفي حالة القراءة الساذجة يتماهى القارئ الحقيقي مع الشخصية.
-ثالثا: من المهمّ أن يتبنى القارئ موقفا ما إزاء النصّ: كأن يرفض سواء التأويل المجازي (الاستعاريّ) أو التأويل "الإنشائي" هذه الضرورات الثلاث ليست ذات قيمة متساوية، فالأولى والثالثة تمثلان حقّا الجنس الأدبي، أمّا الثانية فيمكن ألاّ تكون مشبعة وعلى كلّ فغالبية الأمثلة تستجيب للشروط الثلاثة .
وقبل أن يورد تودوروف هذه الشروط الثلاثة، بيّن عددا من المفاهيم والمتصوّرات السائدة في دراسة الأدب العجائبيّ، مستعرضا بعضها، من ذلك قول الفيلسوف والمتصوّف فلاديمير صوليفيوف :"في الأدب العجائبي الحقّ، نحتفظ دائما بإمكانية خارجية وشكلية لتفسير بسيط للظواهر، لكن في الوقت نفسه يكون هذا التفسير خاصّأ تمام باحتمال داخليّ" (أورده توماشفسكي ، ص288).

ويعلّق تودوروف قائلا:" توجد ظاهرة غريبة يمكنم تفسيرها بطريقتيْن، بواسطة ضروب من العِلل الطبيعية أو الخارقة، وإمكانية التردّد بينهما تُنشئ المفعول العجائبي" .
كما يشير تودوروف بعد ذلك إلى أنّ التعريفات الحديثة (التي ظهرت في الخمسينات والستينات) لمفهوم "العجائبيّ" في فرنسا، وإن اختلفت عن تعريفه هو له، فهي لا تتناقض معه. ويعجّل بإيراد أمثلة على ذلك، فهذا كاستاكس يكتب في الخرافة العجائبية في فرنسا يقول:"يختصّ العجائبي بإقحام مفاجئ للعجب في إطار الحياة الحقيقية" (ص8)
أمّا لويس فاكس فيقول في كتابه الفنّ والأدب العجائبيان :"يريد السرد العجائبي أن يقدّم لنا، وهو يسكن العالم الحقيقي حيث نوجد، أناسا مثلنا موضوعيين فجأة في حضرة ما يتعذّر تفسيره"(ص5).
أمّا روجي كايوا فيقول في كتابه في صُلب العجائبيّ :"كلّ العجائبيّ هو قطع النظام المعروف. قطع المرفوض في صميم القانون" (ص161).
ويرى تودوروف أنّ هذه التعريفات الثلاثة متشابهة حتى أنّ عباراتها تكاد تعوّض بعضها بعضا، وعيب هذه التعريفات أنها لا تقدّم – مثلما هو الحال في تعريفات صوليفيوف وجيمس وغيرهما – (إضافة إلى أنّها تقتضي وجود أحداث من صنفين: صنف من العالم الطبيعي وصنف من العالم الخارق) – لا تقدّم إمكانيةَ توفير تفسيرين للحدث الخارق وتبعا لذلك يختار الواحد منا تفسيرا منهما. ويعترف تودوروف بأنّ تعريفه الخاص إنما هو مشتقّ من تعريفات صولوفيوف وجيمس وغيرهما، وهي تعريفات ثريّة، لما فيها من تركيز على السمة الاختلافية للعجائبيّ (باعتباره قاسما مشتركا بين الغريب والعجيب ).

ويستخلص تودوروف من ذلك قاعدة عامة تتمثل في أنّ الجنس الأدبيّ يُحدُّ بالنظر إلى الأجناس المجاورة له . وقد قدّم رسما توضيحيا جعل فيه العجائبي على تخوم ميدانين متجاورين. الغريب العجائبيك العجائبيك العجيب الصِّرْف كالغريب ك العجيب الصِّرف .

 *مقاربة كايوا للعجائبي
يرى روجي كايوا محرر فصل "الأدب العجائبي" بدائرة المعارف الكونية الفرنسية Encyclopaedia Universalis أنّه بصفة تقريبية يمكن اعتبار كل نصّ مكتوب يقدّم كائنات أو ظواهر تخرق الطبيعيّ مع نفي تدخل الآلهة أو الشفعاء الذين هم محلّ اعتقاد وعبادة، يمكن اعتباره أدبا عجائبيا.
إذ لا يمكن أن تعدّ الأساطير وقصص نشوء الكون والكتب المقدّسة وحيوات الصالحين وبركاتهم، أدبا عجائبيا رغم أنّ الخارق للطبيعيّ فيها عنصر متضمن ومقوّم من مقوّماتها. إذ العجائبي ميدان وسيط يستثني الخرافات التي تُقصّ على ألسنة الحيوان والحكايات المَثَلية حيث تُشخَّص الفضائل والرذائل مثلا أو الكائنات من كل نوع، مثلما أنّه يستثنى كذلك كلّ خبر ذي سمة بلاغية اصطلاحية أو تعليمية يستجيب لمقصد بديهيّ عند مؤلّفه. ويستخلص كايوا مما سبق أنّ ميدان الأدب العجائبي بقي له إن يمتد، في ظل الاستثناءات الواردة أعلاه على جنسين تقليديين هما أساطير الجن وقصص الأشباح، وإليهما ينضاف نوع ثالث محدث يسمى عادة "الخيال علمي".
ويشرع كايوا أثر هذا التحديد الخارجي لميدان الأدب العجائبي في تعريف أصالة هذه الأنواع الثلاثة وربما جينيالوجيتها، وهي أنواع توجد مع بعضها بعضا وتتجافى في آن واحد. فقصص الجنّ مثلا، كون عجيب ينضاف إلى العالم الواقعيّ دون أن يضربه ولا أن يفسد انسجامه.
وبالمقابل فإن العجائبيّ دائما كما يرى كايوا، يعرض فضيحة، تمزقا، قطيعة مستغربة تكاد تكون غير محتملة في العالم الواقعي. وبعبارة أخرى فعالم قصص الجنّ حيث تكون ذوات قدرات بعيدة عن أن تكون متطابقة فبعض تلك الكائنات شديدة القوة، والأخرى شبه عزلاء، ولكنها تلتقي جميعا دون مفاجأة تقريبا، وبالتأكيد دون هلع اللهمّ إلاّ ذاك الهلع الطبيعي الذي ينتاب الضعيف أمام الجبّار.
ويعرض كايوا في هذا المقام مثال الرجل الشجاع يصارع غولا يقذف ألسنة من اللهب أو بعض العمالقة عملقةً فظيعة، وينتصر عليها، بل هو قادر على أن يجعلها تهلك.. مثل هذا المدخل المبتسر إلى الشقّ النظري "لا يسع الدارس جهله" إذا ما استعرنا عبارة الفقهاء، أي إنّه من باب الضروريّ الذي يحتاج إليه بوصفه لبنة أولى على من يروم التعمّق أن يعود على المظانّ والأمّهات في هذه المسألة...
ولعلّ السؤال المطروح ههنا يكمن في مدى وعي الخطاب النقدي العربي الحديث بارتكاز الرواية والسرد القروسطيّيْن على مدخل العجائبيّ، وهل مارس هذا النقد عمله بنجاح عبر شبكة تحليل دقيقة تصنف ضروب العجيب وتحلل مدلولاتها، أم إنّ التحليل ظلّ مكتفيا بعبارة الخيال أو لعلّ الموقف التقليدي – الذي أورده ابن النديم في الفهرست وأبو حيان التوحيدي في الإمتاع والمؤانسة من احتقار للقصص الخيالية ووصفها بالغثاثة وما إلى ذلك من عبارات الاستهجان – بقيَ كامنا في خلفيات الخطاب النقديّ الذي يعدّ وريثا وممثلا للثقافة العالِمة التي تتجاهل وتهوّن من الثقافة الشعبية .




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home