القلم النقدي

 

الأفق الرومانتيكى

عبد الجواد خفاجى



الأفـق الرومـانتـيـكى فى ديوان " ما تبقى من سيرة الوجد "
 دراسة : عبد الجواد خفاجى

" ما تبقى من سيرة الوجد " ديوان للشاعر الليبى ( محمد المزوغى ) .. صدرت طبعته الأولى عام 200 عن دار المخطوط العربى للنشرـ ليبيا .
ومحمد المزوغى شخصية معروفة فى الأوساط الثقافية الليبية ، بدأ كتابة الشعر منذ أواخر السبعينيات، ومارس الكتابة النقدية وتحقيق المخطوطات التراثية وتفرَّغ فترة لإعداد البرامج الإذاعية فى اللغة والنقد والأدب والتفسير ، ثم تولى منصب مدير تحرير صحيفة أخبار بنغازى ورئيس قسم الإعداد البرامجى بإذاعة بنغازى .. أخرج العديد من المطبوعات منها مجلة الثقافة العربية ، ومجلة المنتدى الطبى ، ومجلة الإخاء ، يعمل حاليّاً رئيسّاً لتحرير مجلة الثقافة العربية التى تصدر فى الجماهيرية الليبية . *

وفيما اتضح من السيرة الذاتية هذه أن الشعر لم يكن الهمُّ الأوحد للشاعر ، كما اتضح أن هذا الذى بين أيدينا هو الديوان الأول للشاعر ، وهو الذى بدأ الكتابة الشعرية منذ أواخر السبعينيات ، أى منذ ما يقرب الثلاثين عامًا ، لو كانت مسكونة كلها بهاجس الشعر فعلاً لقرأنا للشاعر أكثر من عشرة دواوين . *

الديوان جاء فى 112 صفحة من القطع المتوسط ، تحتل النصوص الشعرية ـ فعليًّا ـ منها 72 صفحة تحوى 24 نصًّا شعريًّا تتنوع بين الطول والقصر ، يقع أقصرها فى صفحة واحدة بينما جاء أطولها فى سبع صفحات . * جاء فى مدخل الديوان أن القصائد كتبت خلال عشرين عامًا ، وإن لم يعنَ الشاعر بإثبات تاريخ إنتاج القصائد ، إلا أننا نرجح ـ استنادًا إلى السيرة الذاتية ـ أنها كتبت خلال عقدىِّ الثمانينيات والتسعينيات . * "
وما تبقى من سيرة الوجد " عنوان جامع يشير إلى اتجاهين .. اتجاه ما تبقى ، واتجاه ما تبدد ، والمرجح أنه ذو دلالة كميَّة أكثر منها معنوية ، إذ الديوان يحوى ما لم يتبدد بفعل النسيان أو التلف أو الضياع ، وربما أن ما فُقِد من التجربة جُلَّها ، وإذا كان الأمر غير هذا فأين وكيف بدد الشاعر ما يقرب الثلاثين عامًا وهى مسافة طويلة نسبيّاً ، لا تتناسب وحجم المنتَج شعريّاً فى هذا الديوان .

مدخل :
" ما تبقى من سيرة الوجد " ليس عنوانًا لإحدى قصائد الديوان ، أو بالمعنى هو عنوان جامع لتجارب الديوان يضفى عليها صيغة جامعة مؤطِّرة , بما يشى بأنها تجربة واحدة ذات فواصل متتابعة كميًّا ، وإن بدت على المستوى الفنى والرؤيوى متداخلة متصلة . وهو عنوان لافت على المستوى الفنى ، إذ يشير إلى ما تبقى ، أو بالمعنى يلفت إلى الوفرة الضائعة ، والى الماضى المسكون بسيرة الوجد ، والى قِدم وأصالة التجربة ، وإن بدا لنا بعض آثارها الباقية ، وإن كان العنوان يلفت أكثر من هذا إلى السيرة التى يتركز فيها المحكَى حول شخصية بعينها ، أو بالمعنى يتمحور الفيض الشعرى فى النصوص حول ذات بعينها تتلبسها حالة من الوجد الدائم . غير أن مفردة " الوجد " المضافة إلى سيرة تستدعى الذات الفاعلة / الموجدَة ، كما تستدعى سيرة "الكرم " حاتم الطائى ، وكما تستدعى سيرة "الشجاعة " عنترة بن شداد . وهكذا نحن ـ نحويًّا ـ أمام المصدر كمعنى مطلق ، بيد أنه يستدعى ذاتًا فاعلة فى الوجد ، ترقى به إلى درجة الذيوع أو الشهرة ، أو بالمعنى بدت كما لو كانت وحدها مختصَّة بالوجد ، وبالوجد فقط ، وإن كانت مفردة الوجد كلغة تعطى دلالتها فى البعد الوجدانى لهذه السيرة التى تنفتح على الداخل الإنسانى أكثر من انفتاحها على الخارج ، ومن ثمَّ فإننا وقبل أن نعاين نصوص الديوان نتوقع من حيث المبدأ أننا أمام طقس رومانتيكى يسكن المنطقة الشجنية من الذات الشاعرة ، وهى منطقة يوتوبية حالمة مهمومة بالبحث عن المطلق الجمالى ، وفى أقصاها هى مسكونة بالحلم الصوفى الذى يهيئ الذات الشاعرة لمعانقة هذا المطلق اليوتوبى . وبالعموم فإن مفردة " الوجد " لا يخلو منها قاموس الرومانتيكيين ، كما لا يخلو منها قاموس المتصوفة ، هى فى الحالتين مفردة مفصلية تشدُّ كلا الاتجاهين حتى يتداخلا .

عن الأداء الشكلى :
بمطالعة قصائد الديوان توقفت مبديًّا عند الملمح الغناى الشائع فى كل جوانب الديوان ، إذ يتوجه التعبير الشعرى باتجاه العاطفة والشعور الذاتى الصرف ، مستقلاً تمامًا عن أى أطر موضوعية تربط الفكر بالشعور ، إضافة إلى توفر العناصر الإيقاعية المتنوعة التى تربط الفكر بالشعور ، إضافة إلى توفر العناصر الإيقاعية المتنوعة التى تأتى فى أولها التفاعيل ، حيث اعتمدت القصائد على البحور الشعرية كأساس موسيقى ، وثانيها التقفية المتنوعة ، وإن كان الشاعر قد عمد ( على غير أساسٍ فنىٍّ ) إلى تقطيع أبيات القصيدة على طريقة الشعر الحر ، أو شعر التفعيلة ، وهو اتجاه خادع كان قد فعله الفيتورى منذ خمسين عامًا أو تزيد ، عندما عمد إلى تقطيع قصائده العمودية على طريقة شعر التفعيلة رغم الاختلاف الجوهرى ـ على مستوى الرؤية أو الفن ـ بين الاتجاهين ، وتلك إشكالية محسومة أعفى نفسى وشاعرنا عن الخوض فيها فى مثل هذا المقام الذى نحتشد فيه للدخول إلى عالم النصوص ، وإن كان لابد من قول ما فإن ما فعله شاعرنا هنا يعطى مؤشرًا على الفهم المغلوط لعملية التحديث الشعرى عندما تتوقف عند مجرد هذه المغايرة الشكلية التى تعجز حتى عن خداع البصر للوهلة الأولى . فمنذ بداية الصفحة الأولى و نحن نطالع :
 " إن لم أجد حسنًا ألوذ بظله وأطيل فى محرابه التهليلا .. أبحرت فى ذاتى ، وعدت بمبهرٍ يدع الجمال ـ إذا أطلَّ ـ ذليلا .
" ندرك على الفور أننا أمام بناء عمودى يعتمد بحر الكامل ، وينتهى بقافية لامية مطلقة ، وإن كان الأشرف لمثل هذه الفقرة أن تُكْتب هكذا :
 " إن لم أجد حسنًا ألوذ بظـله........ وأطيل فى محرابه التهليلا
أبحرت فى ذاتى، وعدت بمبهرٍ ..........يدع الجمال ـ إذاأطلَّ ـ ذليلا .

" وفى ظنى أن الشاعر عمد إلى طريقته هذه فى التقطيع لسببين : أولهما محاولة الإيهام بالتحديث الشعرى ، وهى محاولة غير مشروعة إن لم تكن لها آليًّاتها المنهجية على مستوى الرؤية وموجهاتها وعلى مستوى الفن الشعرى نفسه . أما السبب الثانى فى ظنى هو البحث عن الكم ؛ فالديوان الذى بين أيدينا لو كُتِب بالطريقة العمودية المعتادة لنقصت المساحة المسكونة بالقصائد إلى العشرين صفحة على الأكثر . ولقد اتضح لنا من الأساس الإيقاعى هذا أن الشاعر مقتدر على الكتابة على عدة أبحر شعرية ذات التفاعيل المفردة والمزدوجة ، فقد كتب على الكامل والبسيط والمتقارب والوافر والمجتث والمتدارك ، وإن كان البسيط قد استولى على المساحة الأكبر من النصوص ( ثمانى قصائد فى حدود 28 صفحة ) يليه الوافر ( خمس قصائد فى حدود 14 صفحة ) .غير أن قصيدة ( لا تقل ) اعتمدت على تداخل تفعيلتى المتدارك والمتقارب ، حيت يقول فى مطلعها
: " لا تقل لى لماذا أنت حزينُ / لا تقل لى فلست أملك ردّا / ليس يجدى الكلام / كم بحت للنجم / وكم قلتُ : إننى حرت جدّا "
والحقيقة أن المتدارك والمتقارب كثيرًا ما تداخلا معًا فى التجارب الشعرية المعاصرة ، وما دمنا بصدد الحديث عن هذا الأساس التفعيلى ، فإن المشكل فى ديوان شاعرنا أن نجد قصيدتين تخلى الشاعر فيهما عن الوزن والقافية تمامًا هما قصيدة ( لا يولد أحدٌ منتعلاً ) جاء فى مطلعها
: " يا هذا الحلم المورق فى الليل / تسألك الروحُ / بعضَ البرقِ / يتألق فى أفق الليل خطابًا قمريًّا : / يدعوك العشقُ / أبارك معراجَك فاصعد .... الخ
 " صـ 70 والقصيدة الثانية هى ( استحلفك بمجد العشق ) يقول فى مطلعها :
 " يغفو كثيرًا فى أعماقى ذاك الوهج ُ / وتهتز الأيام / إذا اهتزت بالصحو جفونُهْ / وأرى العالم غير العالم / أتغلغل فى سر الأشياء ..." صـ 18 .
 والحقيقة وأمام التزام الشاعر بالوزن الخليلى والقافية يصبح التساؤل واجبًا عن إمكانية التخلى عن هذا السمت الإيقاعى كلية : هل هى محاولة " تنثير " الشعر عندما يهدم الشاعر الأساس الإيقاعى كلية لينحو بتجربته نحو النثر ؟! وأخشى أول ما أخشى فى هذا المقام أن يكون فى مظان الشاعرأن ذلك سيجعل المنتَج هنا قصيدة نثرية ، فالحقيقة أن " قصيدة النثر " كمصطلح قائم بذاته تختلف تمامًا عن مجرد محاولة تنثير الشعر على غرار ما فعل شاعرنا هنا ، فليست كل كتابة شعرية تخلت عن الوزن والقافية يمكن اعتبارها قصيدة نثر ، كما أنه ليس كل كتابة التزمت بهما يمكن اعتبارها شعرًا ، وتلك إشكالية محسومة فى المحفل النقدى الآن .
وثمة ملحوظة أخيرة على تجارب هذا الديوان شبه شكلية أيضًا : أن بعضها اتسم بقصر النَفَس على غرار ما أسماه الأقدمون " النتفة " تلك التى تجىء فى تلاثة أو أربعة أو خمسة أبيات وإن كان الشاعر قد قطَّعها رأسيًّا ـ كما سبق القول ـ محتلاً بها مساحة الصفحة أو الصفحتين ، مثال ذلك قصيدته (إبحار ) التى جاءت فى ثلاتة أبيات على الكامل وقصيدته ( حتى بكى ) التى جاءت فى بيتين على البسيط ، وقصيدته ( أنا ) التى جاءت فى أربعة أبيات على المجتث ، وقصيدته ( وردة البوح ) التى جاءت فى خمسة أبيات على البسيط ، وقصيدته ( امتداد ) التى جاءت فى خمسة أبيات على المجتث .

طبيعة التجربة الشعرية :
يكفى للوقوف على طبيعة التجربة الشعرية فى هذا الديوان أن نتوقف عند النصوص التى تعلن عن الذات صراحة .. الذات التى لم تتحول إلى إشارة ، وهى تعلن عن نفسها بضمير " أنا " فيما يشبه الدوران الداخلى فى فلك الذات نفسها :
" وتعرفنى الدروب / أنا الغريب " صـ 42 و
" كل زادى / حنينٌ / لم يزل يهوَى ارتيادى / أنا بيديه / خيطٌ من ضياء " صـ 44 و
" أنا مَعْنىً تفرَّد / فى كتـاب / أبت ألفاظه ذُلَّ القيـ اد / أنا صحوٌ / تراوده كؤوس " صـ 46 و " أنا طلل / فهل تبكى علىَّ / وهل ترانى " صـ 64
و " يا هذا الأمل / أنهكنى السفر / وذل الغربة يملؤنى / وأنا مسكون بالألم الكونى .. " صـ 70
و " وها أنا كدت أفارق طينى / ولم يبدُ لى / من رؤاه النهار " صـ 74 و " أنا إن أحبُّ / فإنى / بكلِّ كُلِّى أحبُّ " صـ 76
و"ما لمت جرحًا / أنا أطلقت آهته / وموقد النار لايشكو من الشرر" صـ 78
و" عشرون عامًا / أنا الجوَّال تعرفنى / كل المجرات /أطويها وتطوينى " صـ 82
و" أنا عاشق أسلمت قلبى كله / للحسن أين رأيته يختال " صـ 99
و " أنا ذلك الملاح / أنهى رحلة / ودعته للنوم الطويل / رمال " صـ 100
و " قلبٌ أنا ذو امتداد / على الليالى وبأسٍ / حياته العشق لكن / فى عشقه كم يقاسى " صـ 104
و " فالصحو مرير / وأنا بعد بحزنى الآخر / مثقل بالوهم " ص 20 .

هذه هى المواضع التى يعلن فيها الذات عن نفسها كذات تئن وتشقى وتحزن وتعشق وتحب وتتعذب وتستسلم غافية للشعور بالغربة والأسى واليأس ، وإن كان ثمة صحو فهو صحوٍ مفضٍ إلى معاودة تأمل وضعية الذات من جديد فى شقاها مع الوحدة الماثلة
" ليلٌ يحدق فى وجهى / وأغنية حزينة / ترتمى فى وقْدِ مجمرتى / هذه الطريق مشت بى / لست أدرى / ولا تدرى الطريق / متى يا ليل خاتمتى؟ " صـ 50 .

 وثمة مواضع كانت الذات تعلن فيها عن فذاذتها فى عشق الحسن والجمال ، وتعلن عن توجهها نحو الشعر لا لشىء إلا لتعبر عن هذه المشاعر الذاتية ، ولكى تعرب عن توجهاتها الجمالية فى الحياة ، أو لكى تصفها فى الأغلب ، وغير ذلك لكى تترجم عذاباتها وتصفها أيضًا . ربما لكل ذلك كانت التجربة وصفًا للأجواء النفسية الشعورية الداخلية وإفضاء عنها وحولها . ولننظر كيف يصف الشاعر تجربته وهو يفضى عنها فى الوقت الذى يفضى عن الأجواء النفسية والفيافئ الداخلية الملونة بالعاطفة :
" وقصيدتى أفقٌ / تمدد معلنًا عنى / فكل العاشقين وراء / فى لجة الأشواق وهج حروفها / وبها من السر القديم / بهاء / هى نبض قلب فى هواكِ ، / وآهة حيرى ، / ورجفة خاطر / ورجاء / هى نشوة الأحلام / يسكبها المدى / فى مسمعيك / فغنِّ يا أشذاء " صـ 32 .
على هذا النحو وصف الشاعر تجربته ، وهى ـ كما اتضح لنا ـ ملفعة بالأحلام السعيدة وبالعشق الفريد وبالشوق المتوهج أو المتأجج للحسن الأصيل ، وقصيدته هى نفثة المصدور ، وآهة المُعَنَّى ، وهى خطاب الرجاء إلى المحبوبة ، وهى ترجمان الخواطر المضطربة ، وأغنية المدى فى مسمع المحبوبة .. إنها تجربة مغلَّفة فى الوقت ذاته بقيم جمالية يوتوبية تصبو إليها ، وتحلم بها متحققة على أرض الواقع ، ولعل هذا ما يجعل الذات متفاخرة بهذا العشق الجارف نحو قيم جمالية عظمى مستحيلة ، ولعل هذا أيضًا سبب انكفاءة الذات على نفسها فى كثير من الأحايين ملتمسة هذا العالم اليوتوبى بداخلها كعالمٍ جمالىٍّ لا يضاهى :
" لا أستبيح الكأس أهدت / رشفة لسواى / أتبع فى الغرام أصولاً / إن لم أجد حسنًا / ألوذ بظله / وأطيل فى محرابه التهليلا / أبحرت فى ذاتى / وعدت بمبهرٍ / يدع الجمال / ـ إذا أطل ـ / ذليلا . " صـ 10
إن تعلق الذات الرومانتيكية على هذا النحو بالقيم الجمالية المطلقة غالبًا ما يعود عليها بالأحزان ، وقد عجزت عن إدراك شىء حقيقى يضاهى ما تصبو إليه ، وربما لهذا هى ذات صاحبة حزن ملازم .. الحزن هو القوس الآخر لمثل هذه التجارب ، وهو فى الغالب الأعم حزن يفتقد إلى المبرر الموضوعى:
 " لا تقل لى / لماذا أنت حزين / لا تقل لى / فلست أملك ردًا / ليس يجدى الكلامُ / كم بحتُ للنجم / وكم قلت : إنى حرت جدّا / ولدتنى على الدروب ليالٍ / حمَّلتها السماء / ريحًا وبردا / فتلفعت بالظلام وحيدًا .... الخ " صـ 108 .
وأمام هذا الحزن الملازم تفر الذات أو تهج إلى الماضى ممتطية الذاكرة هاربة من كل ما يربطها باللحظة الماثلة الخانقة :
" ونهضت والقلب يذكر عهدًا / صور سكرى بالشذا / وطيوفٌ تتراءى كالموج / جزرًا ومدّا " صـ 108.
وهى فى محطات التذكر تقف على أطلالها متذكرة ماضيها الجميل الآفل :
" فى قلبه / رحلت عهودٌ / كُنَّ كاساتى وحانى / قد عشتها وتدلهت / بهواى أزمنة المكان / كم دللتنى وظَلَّلتْ روحى / هنالك وردتان / وروى حكايات الهوى قمرٌ / وغنتْ نجمتان " صـ 62 .
إن الهروب إلى الماضى يقابله على نفس الصعيد الهروب إلى الحلم قرين الوحدة والصمت ، كما أنه الحزن قرين الوحدة والليل والسهر والسهاد والأرق ، وفى كلٍّ سيظل الشعور بغربة الذات وتغريبها عن عالمها اليوتوبى .. سيظل الشعور ماثلاً فى الذات ، ومن ثم نرى ديدن الذات هو التساؤل الحائر عن نهاية لكل هذا العناء والشقاء الملازمين لها فى واقعها ، وربما لذلك تكثر أساليب الاستفهام التى تنم عن الحيرة الممضة
" والغربة النكراء تشرب من دمى / الخوف يطلقه علىَّ مساء / حزنٍ خفىٌّ لست أدرى كنهه " صـ 34 
فيما ستظل الذات مبحرة نحو فيافئ المحبوبة وكأنها تلوذ بها :
" ركبتْ بحارَ الحبِّ / كلُّ سفانى / وتغلغلت فى روحها العنقاء / وتركتُ خلفى المغريات كثيرة / عيناك وحدهما / هما الاغراء " صـ 35
 لكنه كثيرًا ما يعود من رحلاته المكوكية هذه بخفىّ حُنين وقد غلبت همومه أشواقه
 " كأنما فى بحار / لا انتهاء لها / قد رحت أحدث / بعد الجهد خذلانى / كأنما فى صحارى التيه / راوغنى / وجهى وضاع سدى بحثى / وأضنانى ... " صـ 57 .
وربما لهذا تكثر أساليب النداء التعجبى الذى ينم عن الحسرة واللوعة :
" فيا اغترابى ويا همى / وياهمى / ويا جنونى وأمواجى / وبركانى " صـ 57
وتكثر أيضًا أساليب النداء إلى المجهول وإلى الأمل الشارد ، إلى الذات الغاربة ، فيما سيظل مسافرًا ابدًا إلى روعة مجهولة ناءٍ وراء الحجب الغيب الكثيف :
 " مسافرٌ / أين ؟. / / لازاد يبلغنى / ما أرتجيه / ولا نجم يواسينى / تفرَّق الصَّحبُ عنى / حين أفردنى / طبعٌ وفىٌّ لأحلام المجانين / وما وفىٌّ لى / غيرُ الشعر أكتبه / حينًا ، / ويكتبنى جُلَّ الأحابينِ " صـ 81
وكذلك :
" مسافر أين ؟ / أقدامى تسائلنى / ما عاد فى الكون دربٌ فيه تلقينى " إلى أن يقول :
 " وما بدا منك لا شمسٌ ولا قمرٌ / سوى النداء / الذى ما زال يضنينى / يا شوق لم يخبُ رغم الجرح بارقه ... " صـ 83
فيما يظل التمنى قائمًا أبدًا ، والحلم بإمكانية ملامسة المطلق الجمالى سواء من خلال السلام مع الحياة أو الوصال مع المحبوبة أو إمكانية أن يتحول عالمنا إلى واحة يوتوبية :
" لو أن العالم يصبح قرية عشق / لا نهزم البؤس / وولد القادمُ / إنسان الحب / وأزهر أزهر هذا الكون .... " صـ 15.
فيما ستظل الذات مشمولة برؤيتها المثالية التى ترى أن أدواء العالم يمكن أن تنمحى بالحب .. ذلك الذى يتيح للإنسان مساحة روحية للتحليق الجمالى وملامسة المطلق من قيم الحق والخير والجمال ، ويتحقق الحلم الجمالى فى الواقع ، وينمحى من ثمَّ هذا الزمن الشرير :
 " لو أن العالم يصبح قرية عشق / لانهار الزمن / أو احترق الحاجز بين الصحو .. / وبين الحلم / وتجلى المطلق فى الإنسان " صـ 106
وربما ستظل الذات الشاعرة حالمة بالعودة إلى البدء ، إنه الترامى نحو الماضى الإنسانى ، حيث الفطرية والنقاء :
" يا حلمى الأوحد / أين السُّلًّم أين ؟ / يعود بروحى / لسماوات البدء / فقد طفح الشوق / وآن الوعد .. " صـ 71 ، ويتكرر النداء على الحلم " يا هذا الحلم المؤرق فى الليل / تسألك الروح / بعض البرق ... " صـ 70 .

يتأكد لنا مما سبق أن تجارب الديوان مشمولة بالمشاعر الجارفة والتوجهات الرومانتيكية ، حيث يتركز التعبير الشعرى فيها حول الذات فى محاولة لتصوير حالات متوالية من الحيرة والتساؤل والحلم والتمنى واليأس والنكوص والصحو والإغفاء ، وإنها لحالات وليدة طقس شعورى تأملى فلسفى يوتوبى صوفى حالم ، احتل فيه خطاب المحبوبة مساحة شعرية كبيرة ، وإن كانت مستبعدة أومغيَّبة عن الحضور كطرف مباشر فى الخطاب ، فيما استولى على بقية المساحة الشعرية الأكبر محاولة استبطان الذات ، والحديث عن تفردها وصبابتها وصبوتها وعشقها المستحيل ؛ لذلك لو حاولنا ترصُّد الاستخدامات اللغوية التى تشير إلى هذا الملكوت الداخلى الزاخر لها لنا هذا الكم الفائق الذى يحتضن معه أفياء الذات الفسيحة وملكوتها المخصوص المتسع حيث الحلم والتأمل والرؤى والتذكر والتمنى ، والعشق ، والحزن ، والإشراق ، واليأس ، وقبل ذلك سنلحظ حضور الأنا مثل ( كلى – ذاتى – وجهى – أعماق .. ) وغير ذلك ضمير " أنا " وكثير من ضمائر المتكلم المستترة ، ولعلنا سنورد هنا فيضًا من غيثٍ لا يستهان به من الاستخدامات والمفردات التى تصف الذات فى صبوتها وصبابتها وتعلقها بالمطلق واليوتوبى ، وفى حزنها الصامت وآمالها المحلقة ويأسها الضليع ومشاعر الغربة المتدفقة مثل :
 ( الهوى – الجنون – العشق – أظن – بكت عينى – حزنى – شوقى – آهة حيرى – خاطر – رجاء – نشوة الأحلام – حلم – غربة نكراء تشرب من دمى – الخوف يطلق علىَّ مساء – حزنى خفى – شوقى غريب – هزة إيحاء – ركبت بحار الحب – غريب ماله أفق يلوح – فى عينيه أسرار حيارى تحاول أن تبوح - تجمد فيها صمت طويل – أحاول أن أجذب الغيث – ينأى اليأس بى – أصحو من وجودٍ كان وهمًا ويلقى ظله حلمًا جموح – أنا غريب – على قلق أجيئك – كل زادى حنين – أنا صحو تراوده كؤوس ليفنى فى مسافات المراد ... "
ولن نذهب كثيرًا أبعد من وصف الشاعر نفسُه لتجربته الشعرية فى أكثر من موضع ، وهو يصف بالشعر تجربته الشعرية :
" لعلها تحمل المسكون من ألقى / إلى مدىً / لم تكن تحويه بارقتى – لديه تغفو جراحاتى / وما سفحت من قهرها / ورؤى وهمى / وأسئلتى / قد صغته حلمًا / تدرى العذابات ما أطعمته / من شراينى وأوردتى .. " صـ 53
وفى موضع آخر : " وينأى اليأس بى / فيحنو / خاطر طلقٌ سموح يمد يديه / يكتبنى خطابًا / فترتعش البلاغة والشروح / وينجاب الضباب / ويدنو كون من الأسرار / ممتد فسيح / ويذوى الحرف / يطوى الصمت معنى / تكسَّر دونه / اللفظ الصريح " صـ 41
أما عن تجربته الوجدانية فثمة تلخيص جميل لها يتضمنه نص " لا تقل لى " حيث القول :
" لا تقل لى / لماذا أنت حزينٌ / لا تقل لى / فلست أملك ردّا / ليس يجدى الكلامُ / كم بحتُ للنجم / وكم قلتُ : إننى حرتُ جدّا / ولدتنى على الدروب ليالٍ / حملتها السماء / ريحًا وبردا / فتلفعت بالظلام وحيدًا / ونهضت والقلب يذكر عهدا / صورٌ سكرى بالشذا / وطيوفٌ تتراءى كالموج / جزرًا ومدّا / عالمٌ روحه الجمال / وفيه الحب ساقٍ / يدير شمسًا وشهدًا / والندامى ، فانٍ يقول : / أنا الحسنُ / باقٍ تهاوى للحسنِ عبدَا / طال سيرى / ولم أرَ لطريق الليل / حدًّا ولا لحزنى حدّا " صـ109 ..

ثمة أطياف متوالية مختلطة من المشاعر تغلب عليها رغبة الذات فى التغنى بقيم مطلقة ، ينبلج معها فعل الذاكرة حيث الترامى إلى الماضى ، سواء الماضى الشخصى أو الماضى الإنسانى ، ومن ثم فإن المعاين لهذه التجربة سيظل مرتطمًا بالذات المبحرة إلى هذا الماضى نحو عالم مثالى ، فيما تتبدى خصيصة أخرى – أكثر بروزًا فى التجارب الرومانتيكية عمومًا – يلخصها الشغف بالأنثى المحبوبة ، أو الأنثى المثال اليوتوبى الجميل ، أو النموذج الوجودى الذى يخلع عليه الشاعر صفاته اليوتوبية ، وفى هذا تتبدى النظرة الرومانتيكية إلى المرأة ، وإلى معنى الوصال الرومانتيكى حيث التصالح النهائى مع الكائنات والوجود والطبيعة بتحقيق الوصال مع المحبوبة ، أو بمعنى أن المحبوبة تصبح بؤرة ارتكازية تنطلق منها الذات لمعانقة الوجود ، وقد وضح فى تجربة شاعرنا مدى هذا الترامى نحو هذا العالم الرومانتيكى الذى تظل المحبوبة محوره الأثير .
وفيما لاحظنا اختفاء المظهر المجتمعى للحياة الإنسانية فى تجربة الشاعر ، ونحن نعاين تجربة ممحورة حول الذات الشاعرة فى تجاربها الشعورية الخالصة ، وإن كانت قد لامست على استحياء قضايا إنسانية عامة . لاشك أن مثل هذه التجارب المحلقة أبدًا فى الأفق الروانتيكى يعز عليها أن تتوقف عند التقاط التفاصيل التى تخص واقعها المسيَّج بزمكانية محددة ، يعز عليها أن تتوقف لالتقاط التفاصيل الدرامية التى تعكس الإنسان وقضاياه وهو يخوض صراعًا جوهريًّا مع الحياة فى واقع ملئ بالمفارقات والمتناقضات والانهيارات السريعة المتلاحقة ..
يعز عليها أن تتوقف فى مثل هذه المنطقة وهى التى تفر ُّمنها فى الأساس ، ومن ثم كان لابد أن يخفت البعد الاجتماعى فى هذه التجربة الشعرية ، كما خلا وجه الطبيعة المسيجِّة للذات من مظاهر الحياة المجتمعية . قد يتحدد الإنسان فى مثل هذه التجارب بمعناه العام ، كما يتحدد المكان بمعناه العام ( الطبيعة / الكون) كما يتحدد الزمان بمعناه العام ( الماضى / المستقبل / الأبد ) حتى مفردة " ليل" مثلاً فى قوله: " يا ليل " لا يقصد بها ليلة بعينها ، وإنما يقصد عموم الليالى ، ومع هذه العموميات تتعامل الذات الفارة من واقعها ومؤرقاتها ، ومن ثم لا تبدو مهمومة بغير الفرار إلى المطلق المجرد ، ومما لا شك أننا لاحظنا احتفاء التجربة – كغيرها من التجارب الرومانتيكية – بالطبيعة كمكان مطلق أثير لدى الذات ، حيث تبدو الطبيعة أمًا رؤمًا تفتح أحضانها للذات الشاعرة فى لحظات الأرق والضيق والحزن ، وهى المادة الخام التى يلونها الشاعر دائمًا بمشاعره ، فيجعلها تهتف بالشجن لأنه حزين ، أو ترنم طربًا لأنه سعيد . لهذا يعد توظيف عناصر الطبيعة ومخاطبتها وإجراء الحوار معها وتجسيم المشاعر الذاتية فى عناصرها من أخص خصائص اللغة الشعرية فى مثل هذه التجارب ، يتجاور مع ذلك التركيز على الأفعال التى تبرز المشاعر والوجدان ولعل هذا هو الملمح اللغوى الواضح بجلاء فى تجارب هذا الديوان . فثمة كم لا يستهان به من مفردات تنتمى لحقل الطبيعة حتى لأن المشاعر نفسه بدا فى بعض الصور كما لو كان جزءًا من مشهد الطبيعة التى تنقاد له أو وراءه أو تتدعى له أو معه ، وفى بعض المواضع تدلِّله :
" خلفى الكواكب / ما حوتها سماء / البرق تسكن روحه قدمى " صـ 30
و " تَهَشُّ الطيرُ / إن تسمع خطاه / ويُبْلَعُ فى فم الأفعى الفحيح / ويزهو – إن مشى - / سهلٌ / ويدنو سحاب / تستقى منه السفوح " صـ 39
و " وأسرج النجم فى ليلى وأكوانى " صـ 58
و " لعلنى ألتقينى فيك / ثانية .. / فيورق الصخر بستانًا " صـ 59
و " كم دللتنى وظللت روحى / هنالك ورد تان / وروى حكايات الهوى قمرٌ / وغنَّت نجمتان / وتهادى وهج الكون " صـ 63
وفى مواضع كثيرة يبدأ فى مخاطبة الليل إلفًا " ليلٌ يحدق فى وجهى " صـ 50
و " وعيناك ياليلُ / ما بحت به لغتى " صـ 53
و " كم بحت للنجم " صـ 108
و " أظل أبحث عن ليلٍ / أناشده صـ 90
ومن المفردات التى تنتمى لحقل الطبيعة ، وهى شائعة فى كل نصوص الديوان نجد : " الشمس – الوردة – الكون – النجوم – الليل – سنا – الضوء – الثلج – العاصفة – البحر – الكواكب – الفضاء – الشفق- الجبال – البرق – المدى – السماء – الأفق – الطير – الوادى – الصخر – الشاطئ – الأمواج – الصحارى – البستان – الشموس – النخيل – الشجرة – القمر – الماء – الطين – المجرات – البراكين – الريح – النار – الوحل – البرد – الجزائر – الضباب – الظل ...... الخ " حشد لا يستهان به من مثل هذا القاموس .

البعد الصوفى للتجربة :
يمكننا لنقف على البعد الصوفى للتجربة أن ننظر إلى المعشوقة التى حفلت بها النصوص . ومن المعروف أن المرأة المثال / المعشوقة / النموذج الجمالى المطلق هى إحدى منطلقات الشعر الرومانسى فى الغالب ، وقد يصل الإحتفاء بها والتعلق بها حد التقديس فى كثير من التجارب الشعرية ، بيد أنها ليست بالضرورة متجسدة فى دم ولحم ، ومن الملاحظ أن المفردات التى تنتمى إلى حقل المرأة / الأنثى بمعناها الحسى فى نصوص الديوان تكاد تكون معدومة باستثناء مفردات " عيناك " فى قصيدة "أفق يعلن عنى " عندما قال :
" تركت خلفى المغريات كثيرة / عيناك وحدهما / هما الأعزاء " صـ 35
ورغم هذه الندرة من مفردات المعشوقة الأنثى ، نجد المعشوقة تشكل بعدًا أساسيا من أبعاد رؤية الذات الشاعرة ، وهى حاضرة أيضًا بصورة غير مباشرة فى الخطاب الشعرى كطرف رئيس ، تحاوره الذات فى كثير من المواضع ، الأمر الذى لا نشك معه أن المعشوقة ليست بالضرورة نموذجا حقيقيًا من دم ولحم ، بيد أنها قائمة وموجودة كفكرة مثالية جمالية رائعة فى صميم الذات الشاعرة ، وكمعشوقة تسافر فيها وإليها ، متمنية الوصال معها ، وهكذا هى دائمًا معشوقة فى أفق علوى محجوب .. هى الحاضرة الغائبة دائمًا ، وهى المطلق الجمالى ، ومن ثم فهى فكرة مثالية تصعد إليها الذات بالتسامى الروحى الصوفى . ولكى ندرك هذا الحس الصوفى فى التجربة كان علينا أن نعى أن غياب الأنثى المجسدة بأعضائها ومفرداتها فى التجربة مع قيام تجربة العشق ، إنما يعنى هذا تساميًا بالتجربة عن الحواس الاعتيادية؛ إذ أنها تتعلق بمعشوقة غير مجسدة .
وقد وضح هذا التسامى عن جِبِّلة الجسد بشكل مباشر وصفه الشاعر فى قصيدة " خروج " عندما خرجت الذات عن حلمها الصوفى إلى الجسد ، ثم ما لبثت عذابات الطريق الموحل أن انتهت إلى العمى ، ثم الانطفاء ؛ لتعود أدراجها مرة أخرى إلى تساميها الروحى كطريق أساسى للبحث عن الحقيقة الروحية :
 " أعلو دخانًا / على أنقاض أسرارى / يضمنى الكون روحًا / فى مجاهله / تسعى إليكِ / على أطياف تذكار / لعل فى وجدها المنسىِّ / ومضَ سنًا / يغاذل الطهرَ فى أغوار أغوارى .. " صـ 91 .
غير أن الشاعر يعلن عن تحفظه منذ البداية عن الترامى نحو تجربة نسائية حسية ، ربما لأنه يتبع منهجًا صارمًا فى الغرام والعشق . هذا المنهج الصارم يشترط الحسن المبهر والطهر المطلق ، وربما البكارة أيضًا وهذا النموذج ضنين فى الواقع :
" لا أستبيح الكأس أهدتْ / رشفةً لسواى .. / أتبعُ فى الغرام أصولا / إن لم أجد حسنًا / ألوذ بظله / وأطيل فى محرابه التهليلا .. / أبحرت فى ذاتى / وعدت بمبهرٍ / يدع الجمال / إذا أطل ذليلا " صـ 10
ولعل هاهنا تصريح بأن البديل عن المعشوقة الحية التى تتفق وتوجهات الذات ومنهجها فى الغرام كان هو الذات نفسها ، إذ تبحر فى جوانياتها تلمسًا لهذا المبهر الجمالى ، وفى هذا بدت الذات عاشقة لذاتها .. إنه نوع من الإحتفاء بالداخل والاستغناء به عن الواقع ، ولعل هذا الإنكفاء على الذات والاكتفاء بها هو ما يفسر سر الاحتفاء الكبير بالذات فى التجربة الشعرية هذه .
ولعل عشق الذات هنا مختلف عن عشق الجسد أو الوجه أو ما إلى ذلك من الإفتنان الخارجى على نحوما نعرف من أسطورة ( نارسيس / نرجس ) .. إنه أمر لمختلف ومغاير هاهنا ، إنه نوع من العناية والبحث فى جوانيات الذات عن ممكنات جمالية مؤهلة لملامسة المطلق الأزلى للوجود كله ، وفى هذا يتجلى المعنى الصوفى :
أتحسب أنك جرم صغير........ وفيك انطوى العالم الأكبر .
ثمة إفضاح عن هذا التوجه نحو ملامسة المطلق الأزلى فى القصيدة الثانية من الديوان ( لأنى أراك فكيف أرانى ) ، والخطاب فيها موجه إلى الذات العليا السرمدية التى بدأت بإرادتها بداية القرون .. هنالك كانت الذات الشاعرةا تحب وتظن وتهوى وتعشق .. إنه البعد الأزلى فى الذات عندما تحيا كروح هائمة متسامية نحو المطلق :
" وكنت أظن بأن الذى كان عرشًا فؤادىَ / تخيرته قبل بدء القرون / مجلىً على الكون منه تطل / فمنه إليك جنون الهوى / ومنك إليه فنون التجلى .... الخ " صـ 12
والملاحظ فى هذا الصدد أن النصوص حافلة بمفردات وتراكيب وعبارات تعطى إشارات ودلالاتها الصوفية ، وإن كان بعضها شائعًا فى القاموس الصوفى عمومًا . نلتقط بشكل عابر من هذا القاموس مفردات من عينة : " محراب – الكون – الهوى – التجلى – الحضور – عرش – سر – حروف – الوجد – الصحو – العشق – الروح – الحقيقة – البهاء – الوحى – الغيب – الوجود – الفناء – الإشراق – الحلم – المطلق " .

أما بعد :
فتلك إطلالة على ديوان شاعرنا محمد المزوغى تناولتا من خلالها الطبيعة الرومانتيكية للتجربة ، وإن كنا قد رصدنا بعض جوانبها التعبيرية واشتراطاتها الجمالية كتجربة مألوفة فى الشعر العربى المعاصر ، أتمنى أن أقرأ لشاعرنا تجارب أخرى تبحث لها عن بصمة التميز بعيدًا عن منطقة الشيوع وأكثر اقترابًا من قضايا الإنسان ، وهموم الواقع العربى فى أمة تموت أمام أعيننا قطعة قطعة .




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home