فن تشكيلي

 

حوار مع الفنان التشكيلي معين الخطيب

يوسف شغري



الفنان التشكيلي معين الخطيب:

يومنا أربعة فصول ... والبيئة ملهمتي

                                     أجرى الحوار: يوسف إسماعيل شغري

الفنان معين الخطيب يتحدث

يقول الفنان الكبير فاتح المدرس :" إن أعمال الفنان معين الخطيب تمتاز بالصدق
العميق الحار في رؤاه تجاه أشكال الطبيعة والإنسان. فهو يعالج لوحته كما يتأمل
المسافر وراء أفق البحر, و ينظر إلى الأشياء من حوله كما ينظر العاشق إلى
أشيائه في البيت قبل مغادرته.فهذا الحنين الخفي للبحار الفينيقي موجود في اللون
و حركة الأشياء بصدق و صمت و حب
غامض ".
و يقول الفنان والناقد التشكيلي  الدكتور محمود شاهين عن الفنان معين الخطيب:"
يرصف(...) ألوان البحر و ألوان الخيال المشبع بالحلم و الرغبة و الاندفاع
المرصع بالصدق و النقاء الفاعل الذي يريد أن يضيف و يغير و يبني الوطن بالقيم
المثلى و الجمال المتحدر من إرث حضاري خالد ابتدأ من هذه الأرض و إليها يؤوب
(...) فالبحر و رموزه و ناسه و ألوانه الزرقاء المتدرجة تتبدى بوضوح في أعماله
المشبعة برائحة  البحر و خيالات الفنان ."
إن الفنان معين الخطيب مصور ملون متميز, متجذر عميقاَ في بيئته الساحلية – يصنع
مجرىَ جديداَ في نهر الفن التشكيلي السوري المعاصر بلغة ناضجة تنتمي للإنسانية
بقدر ما تتعمق في محليتها..  في مرسمه الذي يفوح منه رائحة التربنتين و اللون
الزيتي , بجدرانه المكسوة بآخر لوحاته,  سألت الفنان معين الخطيب:
• ما هي بطاقتك الفنية؟ كيف كانت البدايات؟

• منذ كنت طفلاَ كانوا يصفونني بالمشاكس , والمشاكسة , برأيي, هي بالنسبة للطفل
بداية الشعور بالمسؤولية و إرهاصات تكون شخصية حساسة تجاه العالم الخارجي. لقد
كان ينمو في داخلي حالات متعددة أوزعها و بالشعور الجماعي أو المحيطي الذي صار
تدريجياَ يدخل إلى نفسي كشعور شخصي . و بدأت النفس تضج بالألوان التي تمور فيها
. لقد كانت الألوان تهبني معانِِ مختلفة عن السائد. و أستطيع أن أركز على لقب
المشاكس. نعم, إنني المشاكس المستمر !! و من حيث البطاقة الفنية فانا من مواليد
اللاذقية عام 1962, و قد أقمت المعارض التالية:
1. -معرض شخصي – المركز الثقافي العربي باللاذقية عام 1989
2. معرض شخصي- جامعة تشرين باللاذقية عام 1989
3. معرض شخصي – المركز الثقافي العربي بدمشق عام 1991
4. معرض جماعي " الأبابيل"الأول – جامعة تشرين باللاذقية عام 1989
5. معرض جماعي " الأبابيل " الثاني – المركز الثقافي الاسباني –دمشق 1990
6. معرض جماعي _ الاسباني التاريخي- المتحف الوطني –دمشق عام 1990
7. معرض جماعي-صالة تشرين-حلب عام 1990
8. المعرض الجماعي السنوي لفناني اللاذقية –صالة"إيمار"- اللاذقية عام 1991
9. كما شاركت في المعارض الجماعية التي تقيمها وزارة الثقافة سنوياَ
وشاركت في معارض خارجية في كل من موسكو و باريس وفي العديد من البلدان الأخرى.
• يلاحظ المشاهد شغفك باللون الدسم السميك , بالألوان الصريحة المتضادة و خاصة
أزرق "كوبالت" و أحمر "فيرمليون", فهل أتى هذا الخيار عفوياَ أم أنك تتقصد ذلك؟
بتعبير آخر ما هي مصادر هذه اللغة اللونية؟
• إن العناصر البنائية للوحة عملية مركبة و كعقدة, و لا تأتي بهذه العفوية و
البساطة, وليست فرماناَ أو قراراَ مسبقاَ يتخذه الفنان بل هي نتاج خبرة شاملة ,
و حصيلة بحث حقيقي في جوهر العلاقات الشخصية للإنسان والطبيعة و بالتالي فأنا
ابن لهذه البيئة التي تتشكل من التقاء النهر و الغابة مع البحر والجبل.. آفاق
مفتوحة أمام عينيك و الحركة تسود كل شئ بتجدد مستمر, فنحن في هذه المدينة نعيش
الأسبوع إن لم نقل في اليوم الواحد الفصول الأربعة. و لهذا يمكنني القول أن هذه
البيئة بمجمل علاقاتها هي المصدر الرئيسي الذي أستمد من خلاله لغتي اللونية.
• المساحة اللونية المتوضعة بأنامل مرهفة متوترة, الممدودة بالسكين سمة عامة
لأغلب أعمالك الفنية. هل تصل من ذلك إلى نتائج تغني المساحة و تفضي إلى لغة
تشكيلية ترغبها؟ أم توصلك إلى لغة تعبيرية تبوح بما في نفسك؟
• الأداة ليست مشكلة بالنسبة لي . فأنا أرسم بالريشة  أو بالسكين أو بأصابعي
مباشرة. و المهم هو الوصول إلى لغة بصرية مبسطة تمكنني من تجسيد الحالة
التعبيرية المبتغاة, و البوح عما أريد قول, و الإفصاح عن موقفي الشخصي تجاه
العالم المحيط  و تجاه نفسي, وذلك من خلال المساحة و الخط و النقطة و اللون. و
هذه المساحات اللونية الممدودة أو المتكتلة بألوان متضادة كالأزرق و الأحمر
تؤلف التوتر العميق الإنسان , م ذلك باكتشاف اللحظي و الفعلي للحالة الجمالية و
توصيلها إلى أعماق المشاهد من خلال تصادم و تفاعل هذين النقيضين و تحريك هذه
الأعماق. يمكنني أن أشبه هذه العملية بالعواصف الرعدية , و ما أكثر حدوثها في
هذه المدينة التي تؤدي إلى استنبات كتلة خلوية نباتية "الفطر" من الجذور
المدفونة لشجرة الصفصاف أو الدلب على ضفة نهر. و استنبات الكمأة فجأة في
المساحات الرملية. و في هذه العملية تكمن حقيقة الفن.
• الصخب و التوتر, كما البحر و المدينة ببيوتها المتراكبة تتواجد في معظم
أعمالك: البحر في جميع حالاته – من هدوئه و رقته و غموضه, إلى صخبه و ضجيجه و
صراحته. و المدينة ببيوتها المتراكبة بمساحات مضاءة بألفة غامضة . ماذا يعني لك
البحر وال مدينة تشكيلياَ؟
• الطبيعة هي المعلم الأول بمجمل عناصرها و أجزائها. أما البحر فهو صديق عتيق
كما إنه يحتوي بجوهره كل القيم الإنسانية. و المدينة تجسد خلاصة التاريخ
الإنساني و أستمد من خلالها هذه الاستعارات البلاغية للقيام بعملية تركيب تلك
الرموز و العناصر مع أجزاء من الواقع لتجسيد المضمون التاريخي القادر على تنسيق
علاقة الإنسان بالبيئة و ذلك لإدراك معنى العصر و الوصول إلى مثل مستقبلية
سامية وضاءة.
• في لوحاتك الأخيرة, نلاحظ اتجاهاَ للتجريد والاقتراب من لغة بصرية ناضجة
تشكيلياَ لكن دون الوصول إلى التجريد الخالص. إلى ماذا ستنتهي, برأيك, هذه
المرحلة التي تدخلها الآن بثقة و قوة؟
• أنا لا أدخل المرحلة بل المرحلة تولد كما يولد الجنين, بعد اكتمال شروطها و
في الوقت الذي تستوفي كل الشروط اللازمة لنضجها و بلورتها. أي أنها نتيجة
لتجارب عملية سابقة. فالتجريد إذن ليس هدفاَ بحد ذاتها كمرحلة لها قياساتها و
إنما اللوحة مرحلة, وينبغي استيفاء حقوق اللوحة كاملة . فاللوحة محاكاة واقعية
لما يحدث داخل النفس. و تأتي المدينة .. ويأتي البحر.. تأتي الأنثى .. وتأتي
البيوت في أزمان مختلفة تتوضح معالمها شيئاَ فشيئاَ. و في كل مرة يجب أن تكون
عدة الغوص كاملة.
• ما رأيك بالحركة التشكيلية في مدينة اللاذقية؟ ..خصوصاَ و أنك من الفنانين
المؤسسين لجماعة "الأبابيل" الفنية, ما هو دور هذه الجماعة في الحياة التشكيلية
في اللاذقية؟
• كانت الحركة التشكيلية في اللاذقية متردية و بسيطة , وذلك لتواجد ظواهر سلبية
أساءت للفن و الذوق العام بتقديم أعمال منقولة عن بطاقات الأعياد أو نسخ و
تقليد سطحي و ساذج لبعض المدارس الأوروبية"كالسريالية" و " الدادائية" مثلا
َوالتي لا أساس واقعي لها إلا الصرعة بالنسبة للعارض وسط جمهور أمي تشكيلياَ,
حيث يقف العارض أمام عمله و يقوم باجترار سمج لكل ما قرأه و حفظه من نتف
النظريات و المقالات عن الفن. و " الأبابيل" جاءوا ليبحثوا مع غيرهم بدقة هذا
البحث الذي هو من صلب التفاعل و من عمق البيئة. إننا "كأبابيل" معنيون ببيئتنا
تشكيلياَ, علّنا مع غيرنا نساهم في تقويم هذا الواقع و رفع سوية الفن والسير
قدماَ لتطوير الحركة الفنية و الارتقاء يها إلى مستوى يليق بمستوى هذه المنطقة
و إغناء الفن السوري ومن ثم العالمي. و انطلاقاَ من هذا الفهم " فالأبابيل"
ليست محصورة بأفراد معينين بل تحض على العمل الجماعي و نشكل حافزاَ لكل فنان
متمكن من أدواته يكون رفداَ للحركة و ليس عبئاَ عليها , ليس في مدينة اللاذقية
فقط بل في جميع أرجاء هذا الوطن.
• ما هي برأيك الأسباب التي أدت سابقاَ و لا تزال تؤثر سلباَ, و بالتالي تؤدي
إلى تردي الحالة الفنية التشكيلية في اللاذقية؟
• الأسباب كثيرة و أهمها عدم تواجد صالات للعرض. ففي محافظات القطر الأخرى توجد
صالات أقامتها وزارة الثقافة كصالة الشعب في دمشق و حمص و تشرين الضخمة في
حلب..الخ. بالإضافة إلى صالات المراكز الثقافية الأجنبية في العاصمة و صالات
العرض الخاصة. و لا يوجد في اللاذقية سوى صالة عرض واحدة في الحد الأدنى من
شروط العرض الصحيح و هي صالة خاصة , أعني صالة "إيمار". و من الأسباب تفشي
الأمية الفنية لدى المشاهد العادي الذي يشوه فهمه الجمالي و الفني اعتباراَ من
المدرسة و انتهاءَ بما قدمه له مدعو الفن التشكيلي الذين ينسخون بشكل ردئ
اللوحات و التزيينات عن الآخرين. و كذلك لا توجد رعاية حقيقية للفنان و خاصة من
قبل الجهات المعنية بالفن التشكيلي كالنقابة و المركز الثقافي و مركز الفنون
التشكيلية , حيث النقابة غائبة تماماَ و لا تظهر إلا في المناسبات الرسمية و
يغلب عليها الإهمال و التسرع لأنهم مشغولون بشئ آخر غير الفن. و يتحمل الفنان
الجاد كل عبء مادي ناتج عن العمل الفني . و لا يرعى المسؤولون الفن التشكيلي
مادياَ بل يحضرون المعارض بروتوكولياَ دون المساهمة في اقتناء أعمال الفنان أو
تأمين مكان العرض و مصروف طباعة الإعلان...الخ.
• ما هو دور صالات العرض الخاصة على مستوى سوريا , و صالة "إيمار" على مستوى
اللاذقية؟ .. و ما هو دور الهيئات الحكومية في مجال تنشيط دور الفن التشكيلي
بين الجماهير؟
• لصالات العرض الخاصة دور هام في انتشار العمل الفني و تكوين جمهور يستطيع
التفاعل مع اللوحة و تساعد الفنان ماديا نظراً لعلاقات الصالات بالقادرين على
اقتناء العمل الفني مما يساعد الفنان على الاستمرار بالعمل الفني و يمكن أن
يكون لبعض الصالات الخاصة علاقات مع بعض الصالات و مروجي اللوحات عربياً و
عالمياً مما يساعد على انتشار الفن السوري. ومن الناحية السلبية , يسقط كثير من
الفنانين في حمى الاستهلاك و المطلوب من قبل المشتري فلا يستطيع الفنانً و
الحالة هذه فرض رؤاه الفنية على المشاهد بل يحدث العكس , و تغدو اللوحة سلعة
مثلها مثل أي سلعة استهلاكية أخرى. و أما صالة " إيمار" لصاحبتها الفنانة صبا
العلي فهي هامة بالنسبة لمدينة اللاذقية و قد سمحت لجمهور اللاذقية بمشاهدة
الفن السوري و رموزها لمعروفة , وبذلك لعبت دوراً هاماً برفع سوية عين المشاهد
في مدينتنا . و لا ينطبق ما قلناه عن سلبيات الصالات الخاصة في دمشق و حلب على
صالتنا الوحيدة "إيمار" إذ تتحمل الصالة الكثير من الأعباء المادية في نشر
الوعي الجمالي و التشكيلي في اللاذقية. و أما الهيئات الحكومية فقد نوهنا
بدورها شبه الغائب في أغلب الأحيان , و البروتوكولي في بعض الأحيان. أما وزارة
الثقافة فينبغي عليها إقامة المعرض السنوي لفناني القطر ليس في دمشق فحسب بل أن
يقام كل سنة في محافظة ثم ينقل إلى المحافظات الأخرى , وكذبك النشاطات العربية
و العالمية مثل المعرض التاريخي الاسباني ..الخ.
• مسألة تناول التراث في الفن السوري مسألة مطروحة على كل فنان. فهناك تناول
الفن القديم و الحضارات القديمة و تكرارها و نسخها. وهناك تناول الخط العربي و
الانطلاق منه. و هناك من استوحى من الفولكلور و رسم ما يشيه الزخرفة الإسلامية
. ما هو رأيك بهذه المحاولات لمقاربة التراث تشكيلياً, وكيف تتعامل مع التراث؟
• تناول التراث و دراسة التاريخ قضية هامة و مفروضة على كل فنان . و لكن يجب أن
نعي هذه المسألة جيداً. فنسخ و تكرار الفن القديم ليس له أي قيمة فنية أي لا
يقدم و لا يؤخر. و احترام الفن القديم و التاريخ ليس بنقل رموز هذا الفن و هذه
الحضارة. إن العلاقة مع الفن القديم و التاريخ حميمة و لا شك أن الحاضر ابن
الماضي, و التاريخ يسير منذ البداية مروراً باللحظة. و لكن كما لا نريد الحاضر
ابناً عاقاً لا نريده ابناً مشوهاً و عاطلاً عن الحركة. فمجرى التاريخ ليس
راكداً. و هذا ما يحدث حقيقةً ًً بين الأب و الابن ليس أكثر من إن الابن يحب
أباه... وليس أكثر منه يصارعه!! فالحاضر و الماضي في عمليتي وحدة وصراع
مستمرتين يغلفهما هذا التاريخ.. الحب .. الزمن. و الفن إذا قلنا عنه , في هذا
السياق, ترجمة بلغة لونية لهذا الذي يحد. و الفنان يجب أن يكون قادراً على
التغلغل في جوهر هذه الصيرورة و لا يترجم انعكاسها عليه فحسب, بل يجسد اللامرئي
فيها. و ننتهي بالقول أن بناء و تطوير الحاضر يعني تمجيد الماضي و الإخلاص
للتاريخ.

                        

             عن صحيفة "تشرين " السورية





 




 

اطبع الموضوع  

Home