تحقيقات صحفية

 

الشاعرة إباء إسماعيل في حوار مفتوح

هشام الشربيني



إعداد: هشام الشربيني

أين موقع الشعر العربي الآن بالنسبة لشعراء الغرب خاصة حيث تقطنين؟

الشّعر العربي في الولايات المتحدة الأمريكية شعراؤه هم الذين يخلِّدون وجوده ويرفعوا من شأنه. ولعلَّ الشاعر و الأديب الراحل جبران خليل جبران مهّد الطريق لنا كشعراء مابعد جبران . الوسط الأدبي الأمريكي يحتفي بكل ماهو إبداع عربي حقيقي وأحياناً غير حقيقي!!! على أن تكون له قنوات توصله إلى الجمهور الأمريكي من قرّاء ومتابعين للشعر العربي والثقافة العربية بشكلٍ عام.
القنوات التي توصِل الشعر العربي بشكلٍ عام إلى الأوساط الأدبية الأمريكية مفتوحة بشكلٍ خجول وليس على نطاق واسع.
1- المجهود الشخصي لبعض الشعراء العرب الأمريكان بترجمة قصائدهم إلى اللغة الإنكليزية ليتمكّنوا من نشر قصائدهم والمشاركة بها في أمسيات شعرية مثلاً...
2- القناة الأهمّ هنا التواصُل الأكاديمي.
قد يبدو لنا هذا غريباً ومُستهجناً لدى الكثير من الشعراء العرب الحقيقيين ولكنه واقع لمسته بقوة .
في المنطق الأمريكي، العلمانية لاتنفصل عن الإبداع. لنأخذ مثلاً شاعراً رائعاً متوهّجاً بالشاعرية والإبداع وليس لديه شهادة أكاديمية عالية، وآخر أستاذ جامعي للأدب الأمريكي أو العربي ولايمتلك موهبة حقيقية بل يمتلك القدرة على الكتابة والنشر على المستويين المادي والمعنوي وليس بالضرورة الإبداعي.
الجامعات وبالتالي الأوساط الأدبية جميعها تتلقف الأكاديمي العربي بكل مايقدم مهما كان صغيراً وتافهاً ، وببساطة قد لاتعترف بشاعر هام لايمتلك هذه القوّة ( التعليم الجامعي والعالي).
3- القناة الثالثة مفتوحة على الشعراء العرب الكبار الأكثر انتشاراً ممن حصلوا على جوائز وترجمت أعمالهم بنطاق واسع إلى اللغة الإنكليزية تحديداً أمثال أدونيس ومحمود درويش.

ومن تجربتي الخاصة كشاعرة عربية أمريكية أقول بأنّه يقع على عاتقنا نحن العرب في الداخل والخارج من مبدعين وأكاديميين مترجمين وحتّى لغويين، مسؤولية رفع مكانة شعرنا العربي وبذل أقصى الجهود لإيصاله للطرف الآخر من العالم باتباع كافة الأساليب المتاحة . إنها قضية عامّة برأيي وليست خاصة. وبنظرة تفاؤلية كبيرة حين ندرك أنّ الإقبال على تعلُّم وتعليم اللغة العربيةوالأدب العربي في الولايات المتحدة من قِبَل الأجانب المسلمين وغير المسلمين من الأمريكان والعرب الأمريكان على أشدِّه بغضّ النظر عن الأسباب!

هل تعتقدين أن غربتك أبعدتك عن الجمهور العربي ؟

في الوقت الذي كانت فيه انطلاقتي رائعة في سوريا قبل سفري إلى الولايات المتحدة ومشاركاتي العديدة في المهرجانات الأدبية للأدباء الشباب برعاية إتحاد طلبة سوريا وإتحاد الكتّاب العرب، حيث وضعت كل أحلامي وأوراق في حقيبة سفري البعيد .. البعيد..
لستُ أدري كيف أفسِّرها!!!
هل كانت نعمة أم نقمة؟!
أبعدتني الغربة عن جمهوري العربي لأكثر من عشر سنوات
الغربة أورثت لدي إحباطاً شديداً
الشعر لامعنى له في عصر العولمة
الشعر روح
والحياة هنا تمشي على قدميّ المادة
الإنسان مادّة
اللغة أداة ... مادة .. وسيلة .. شيء
شعرتُ بأنني غدوتُ شيئاً لاأكثر
العالم من حولي مؤطّر بالمادّة
إحباط شديد وعزوف شبه تام عن عالم الكتابة لما يقرب من عشر سنوات
صحوتُ من إغفاءتي الطويلة
لأرى الهجرات المتوالية للعرب منذ مطلع التسعينات بسبب الحروب والظلم والعدوان ...
في ولاية ميتشغن الأمريكية حيث أقيم وحيث يوجد أكبر تجمّع عربي مهجري في الولايات المتحدة
وجدت نفسي مُحاطة بعد سنوات طويلة بجاليات عربية ... لبنانية، عراقية، أردنية، فلسطينية ، سورية ..
وكلما ازدادت الهجرة إلى هذا المكان ، شعرتُ بالأمان أكثر.
الجاليات العربية المُهاجرة حملت معها ثقافتها وعاداتها وتقاليدها وآدابها ... هناك الشاعر والأديب والناقد والصحفي والإعلامي والطالب وأستاذ الجامعة والطبيب والمهندس وصاحب المتجر والطبّاخ والفنان التشكيلي والموسيقار والشيخ والقس والسياسي ورجل الأعمال واللاجئ السياسي والخائن والوطني والـ ...
سمعتُ برابطة القلم العربية الأمريكية في أوائل تكوينها ... قمت بالإنضمام إليها وأصبحتُ عضواً مؤسساً بها.
من هنا انطلقتُ مع زملاء آخرين كثر من داخل وخارج الرابطة لعمل إمسيات أدبية وشعرية وندوات ثقافية وحفلات توقيع كتب ودواوين شعر للعديد من أدباء المهجر...
من هنا كانت إنطلاقتي مع الجمهور العربي في الخارج
قدّمتُ لهم الكثير وقدّموا لي الكثير . عرفوني بأوجه كثيرة ...
لقاءات إذاعية وتلفزيونية وصحفية ... مقالات وقصائد ودراسات منشورة في الصحف المهجرية مثل جريدة ( العربي الأمريكي) المحتجبة حالياً، جريدة صدى الوطن، جريد العرب من كاليفورنيا، جريدة المنتدى والوسيط ، مجلة السبيل، مجلة داهِش ...

بات الجمهور العربي في الخارج حاضراً الآن وبقوة
وتبقى الثقافة هامّة ولكن لقمة العيش لدى الغالبية العظمى من أبناء الجالية العربية الأمريكية هي الأهمّ..
آسف أن أقول أكثر من ذلك،
أمريكا تعرفُ تماماً من أين تؤكل الكتف!!!
الكازيوهات ومحافل لعب القمار تستنزف ملايين الدولارات من رجال الأعمال العرب والعرب الأمريكان في الخارج!!
الحفلات وعشاء العمل وغير العمل مهما كانت باهظة الثمن، تستقطب الجمهور العربي المهجري أكثر بألف مرة من أمسية شعرية لاتكلِّف صاحبها سوى الحضور.و بالرغم من كل هذا ، فيبقى الشعراء والأدباء يتابعون نتاج بعضهم البعض ويشكلون الجمهور العربي الأشدّ تفاعلاً مع الإبداع.
كيف تقيمين تجربتك الإلكترونية خاصَّةً في أقلام؟

بحرٌ عميق جداً إن لم أتقن السباحة فيه سأغرق حتماً.
كل يوم إكتشاف جديد للذات وللآخر البعيد الذي يقترب كثيراً حتى أخاله هنا يغترب مثلي و يقرأ مفردات روحي وموسيقا كلماتي التي لم أقلها بعد..
تلميذةٌ أنا هنا أتعلّم كثيراً في مدرسة أعلِّم فيها أيضاً ألف باء الشِّعر وألف باء الإنسانية...
صفعات ساخنة أحياناً أتلقاها من حيث لاأتوقَّع وأدفع ثمنها المزيد من الإستمرارية والمزيد من العطاء والحب الكبير . والمزيد من التحدّي والإباء! ..
الصفعات الساخنة تأتيني من أطفال كبار مازلتُ معهم ولن أتخلّى عنهم وعن متابعة عطاءاتهم والصدق في إبداء رأيي بكتاباتهم حتى ولو كرهوني !!...
.. كثيراً مانكره المرايا كي لانرى عيوبنا، لكننا مع مرور الوقت نتصالح معها ونحاول أن نصحح صورتنا الحقيقية –من الداخل- كي تكون خطانا حقيقية و جريئة وجادّة !
رؤيتي هذه، لاأقصد بها الآخر وحسب، بل أعني بها ذاتي أيضاً. وحين أساوي ذاتي بالآخر، تتوفّر مصداقية التعامل في تعاطينا مع العمل الإبداعي ليكون نتاجنا أكثر جمالاً ونقاءً..
أفق ( أقلام) الألكتروني لايُحدْ.
بوّابة شفافة تعرف كيف تقوم بعملية التقطير دون دماءْ أو ضحايا! ...
صدق النوايا، وزخم العطاء، وعذوبة الحوار، ونبض الإبداع ، خلايا نحل دائبة تدور في فلك الروح الإنسانية الحرة غير المبرمجة والمؤطّرة. بيد أنّ ثمة ملامح ترسمها ( أقلام ) . وهذه الملامح تقع في دائرتي التقاطب والتجاذب. ومن أبرز ملامحها " الإلتزام" غير المفروض على الآخر وغير المشروط ولكنه مبدئي ومنهجي يتبلور عبر رؤية (أقلام) للعالم والأدب والثقافة والسياسة والفكر والدين أيضاً. بالرغم من كل هذا، فالكثيرمن اٌلأقلاميين يطرحون رؤاهم المختلفة بكل ديمقراطية رغم شدة الإختلاف مع ( أقلام) . وبت أكره استخدام كلمة ( الديمقراطية) على كثرة ماأصبحت مبتذلة ومسيّسة ومفرّغة من محتواها الحقيقي.
( أقلام) سارقة مهذّبة ومعطاءة بلا حدود..
يتبخّر الوقت في حضورها وتتشكّل الغيوم وتنزف أمطاراً
هي ثمار ذلك الوقت غير الضائع!!!

 


كيف أثرت الغربة على كتاباتك الشعرية ؟؟؟

-الغربة تجربة إنسانية قد تكون قاسية الحضور على البعض خاصة أصحاب الأرواح الشفافة...
كيف أثرت تلك التجربة الإنسانية وأنت في غربتك كتاباتك الشعرية؟

للغربة روح القدِّيسين ، تسكنني حيناً فأبدو هادئة كملاك، وحين تعبث رياح الغربة بداخلي كحالة اختناق أو جنون أو عشق وحنين للغائب الحاضر، للوطن الحبيب ، للإنسان ، للطفولة الغابرة نامت على سطح الدار كحمامة فقدت أجنحتها ، يتدفق حينها الشعر كالماء والهواء والنار:

وأُزاوجُ،‏
ما بينَ ناري‏
ومائكَ،‏
بين اغْترابي‏
وبين بقائكَ في ضفّةِ القلْبِ‏
مغْتسلاً‏
بالنّقاءِ‏
ومرْتعشاً‏
في يدِ الشمس‏
مثلَ الغزالِ‏
النَّحيلْ!..‏
ها أضيءُ مع الموجِ،‏
في غربتي‏
وأُهجّي اشتياقي ربيعاً‏
وأهتفُ يا وطني‏
وحبيبي‏
الجميلْ!!...‏


هل أثّرت دراستك للغة الانجليزية على ملكة الكتابة لديك؟؟
وكيف استطعت أن توالفي حين الكتابة بين اللغتين ؟؟

يمكنني أن أقول بأنّ هذه توأمة نموذجية بين شاعرتين. سأعيد بكل بساطة مفرداتك ذاتها " بقيت اللغة العربية عشقي الأول واحتجتُ للكثير من المطالعة الذاتية حتى أستعيد توازني اللغوي حين الكتابة." ثمة قدسيّة للشعر العربي تحديداً لدى كلينا. التحدّي الأكبر بالنسبة لي لم يكن في تخصصي الأكاديمي في اللغة الإنكليزية بقدر ماكان المحيط من حولي الذي هو بعيد كل البُعد عن الشعر وعن عالم الإبداع. في الرابعة والعشرين من عمري كنت أسبح عكس التيار وما من أحد يأخذ بيدي في بلد أجنبي كل طموحه أن يتقن ساكنيه لغته للعيش .. للعيش فحسب!!!
في جامعة ميتشغن الأمريكية، قسم اللغة العربية/ الدراسات العليا، وجدتُ ضالّتي المنشودة. بل كنت أرى بأنني محظوظة. أيقنتُ أنّه ليس للطموح حدود أينما كنّا. تتلمذتُ على أيدي أساتذة وشعراء ونقاد قدامى ومعاصرين. بالطبع، كان هذا ماقبل عصر الإنترنيت. تعلّمتُ بحور الشّعر وتفعيلات الشعر العربي الحديث من ذات المكتبة .. جهود شخصية.... إرادة ... وتثقيف ذاتي..
أهم ماتعلّمته أثناء دراستي للماجستير في الأدب الأمريكي والإنكليزي في جامعة إيسترن ميشغن الأمريكية ، ليس حفظ الكتب ، بل طريقة البحث بإبداع وسعة أفق. وهذا ساعدني كثيراً في عملية بناء ذاتي الشاعرة .
إحساسي بأنني بتُّ مزيجاً من ثقافتين وأدبين ووطنين وعالمين فيهما من التناقض مافيهما، فيهما من عوالم حميمة أصيلة جميلة وفيهما أيضاً عوالم هشّة زائلة مدمِّرة.. أخذتني سنوات لكي أستفيق من حالة الشيزوفرينيا الفكرية والأدبية والحضارية .. كتبت قصائد عديدة باللغة الإنكليزية ومارست الترجمة . بالتأكيد تبلورت ملكة الكتابة لدي وتضافرت أبعادها لتحتوي تجربتي الشعرية والإنسانية على حدٍّ سواء.


لكل اسم من مسماه نصيب ... هل حمّلك هذا الاسم بما ينوء به الإباء في حياة الشاعرة إباء وشعرها وإنسانيتها ..؟!


صادقني اسمي منذ الطفولة . كنتُ أخشاه وأبتعد عنه ، فالطفولة لاتستوعب عبء الإباء وتشظِّياته. كنتُ أغبط صديقاتي على أسمائهنَّ الشاعرية الناعمة: لينا، سمر ، قمر ، غصون ، سحر ، نورا، ليلى....
كنتُ أعنَد من صخرة... كلمة( لا) هي القاعدة وكلمة (نعم) استثناء خارج عن طبيعتي . ومنذ أن عرفتُ معنى الإباء ومعنى الوطن واشتعالات القصيدة، غبطتُ نفسي على هذه النعمة باسم لايجرؤ إلا قلّة من الآباء إطلاقه على بناتهم.
إبائي يتماهى مع الصدق في تعاملي الإنساني والشّعري تحديداً. أطلق عليّ والدي الراحل الأستاذ زكي سامي اسماعيل هذا الإسم وأنا الإبنة الصغرى . كان يقول لنا دائماً والإبتسامةُ تعلو وجهه" أولها نضالٌ – إشارة إلى أختي الكبرى – وآخرها إباءٌ " وبرحلة نضاله الطويل وفكره العميق علّمني كثيراً كيف أهَّذّب وجودي كشاعرة عاشقة للوطن . وجاء بعده الكاتب والمفكّر الفلسطيني الأمريكي د. تيسير النّاشف ليكمل كتابة أنفاس وجودي برائحة التراب العربي والدّم العربي واللغة العربية ... تلك المسمّيات التي أرفض أن تكون مجرّد حبراً على ورق.. هي وجود كل عربي تشرق روحه بنور الحرية والإباء . أطلق د. الناشف عليّ لقب إباء العرب منذ عدة سنوات وشعرتُ بعدها أنّني لستُ فقط ملتزمةٌ به، بل إنّهُ قَدَري!

مالي أرى شفتيْكِ ياشام الإباءِ
بِلا ندىً
وَ السُّوَرِ الـْ تقرَؤنا
فرحاً عميقاً قادِماً
عبر سلاسِلِ المَناراتِ الإلهيّهْ ،
فَهَلْ هوَ نَبْضُنا في الغَضَبِ المُضيءِ
أَمْ دِماؤنا يحْمِلُها الطَّريقُ
َيا حَجَرَ الطَّريقِِ كَمْ
مِنَ الليلِ سَيَهْوي
قبْلَ أنْ .... ؟!..

 


هل استقال الشعراء من الحياة واعترفوا بالهزيمة الوجدانية في التعبير عن الشعور العام والتعبير عن النبض العام وقيادة الرأي العام في الأحداث الصاخبة؟
اعتدتُ أن أرى النصف الممتلئ من الكأس! السؤال الأهمّ لتقييم نتاج أيّ شاعر: هل قدّم قصائداً أو نصوصاً إبداعية تتّسم بالفرادة؟ هل كانت لديه إلماعات إنسانية خلاّقة أغنت الشعر العربي ورفعت مستوى القصيدة العربية؟!! هل حفرَ في الهمّ الإنساني وسبر أغوار تجربته الإنسانية العامّة والخاصّة ليكشف عن عمق الإنسان ومعاناته في أي زمان ومكان ؟
إنّ أنصار الحداثة الشعرية ممن تبنّوا رؤى شعرية غربية، يرون أنّ وظيفة الشّعر ليست في التعبير عن الشعور العام ونبض الشارع العربي وقيادة الرأي العام في الأحداث الصاخبة. ومن هنا ندخل في جدل من نوع آخر مابين الشعرية الكلاسيكية والشعرية الحداثية اللتان تختلفان في مشروعيتهما ليس من حيث الشكل ، بل من حيث المضمون أيضاً.
دون شك، الشاعر الحقيقي - العربي تحديداً - سواءً كان حداثياً أو كلاسيكياً ، يجب أن لاتختفي من نبرات صوته الشعري هموم وطنه ، وأن لاتتحوّل قصائده إلى مجرد أصداء غربية وغريبة على ثقافته وتراثه وحضارته. والسبب هو أنّ الشاعر العربي صاحب قضية أصبحت قضايا أهمّها قضية الشعر ذاته، لأّن مَن يستهدف وينسف أرضاً أو وطناً أو شعباً فهو أيضاً يحاول أن ينسف فكراً وأدباً وثقافةً ، ليس بالضرورة الإلتزام المطلق برأيي لأّنّ الشعر الوجداني هو شعر أيضاً إنساني عميق. لايكون الشاعر شاعراً مالم يكُن رادار حواسه وتجربته الإنسانية التي تخرج من الخاص لتصبّ في العام.

 


بحكم صلتك بالأدب الغربي الآن: أيهما أكثر نبضا بالحياة وشعر التجربة: الشعر الغربي أم الشعر العربي؟ وهل يتفوق الشعراء الغربيون علينا في التعبير عن وجدان الإنسان الغربي؟

توقفتُ عند هذا السؤال كثيراً. ليس بسبب صعوبته بل لتعدد الزوايا والأفكار التي تدافعت في ذهني. اخترت شاعرين أمريكي وعربي. كلاهما ينتميان إلى جيل واحد. الكثير من عناوين القصائد تشي بمضمونها .إليكم بعض عناوين قصائد ا لشاعر الأمريكي روبرت لويل : موت الشرطي، السيد إدوارد والعنكبوت، في القفص، الشبح، الصياد الثمل، نيويورك عام 1962، بجانب المحيط، قراءة ذاتي، تموز في واشنطن...
لنأخذ عناوين بعض قصائد الشاعر العربي بدوي الجبل: المعبد المسحور، فلسفة الحقيقة، الدمية المحطمة، جمرة النار، ياشاعر التاج، الكآبة الخرساء، السراب المظلِم، دمعةٌ على الشام ....
يمكن للمدقق في عناوين قصائد روبرت لويل من إدراك طبيعة الشعر الأمريكي ( هذا أحد النماذج التي درسناها في الجامعة) . هذه العناوين تصلح لقصص أو أفلام أو أخبار صحف مثلاً ... واقعية تمس التجربة الحياتية للشاعر ولكنها – على ماأرى – تفتقر إلى الشاعرية على غير مارأينا في عناوين قصائد بدوي الجبل.
إنَّ تفوُّق الشعراء الغربيين على الشعراء العرب في التعبير عن وجدانهم وتجربتهم ينطلق من مبدأ الحرية اللامحدودة في الكتابة في جميع مجالات الحياة العامة والخاصة قد تصل إلى حد الاباحية. لايوجد أي رادع أو خطوط حمراء في الشعر الأمريكي بشكل خاص والغربي بشكلٍ عام في التعبير عن التجربة الحياتية بكل عنفها أو تفاهتها، سخونتها أو برودتها، براءتها أو عنفها. ولعل الخط الأحمر الوحيد الذي لايجرؤ الشعراء الأمريكان والأوربيون تخطّيه أو التعبير عنه بحرية هو هذا الذي يسمّى بـشبح الهولوكوست !!!

 

 

كيف أثرت البيئة الأمريكية على تجربتك وخصوصيتك كشاعرة عربية سلبا أو إيجابا؟

حين سُئل الشاعر صالح هواري عن رأيه فيما إذا كانت القصيدة الشعرية هي قصيدة الشاعر أو قصيدة بيئة الشاعر أجاب:
"كان الشعر القديم صورة جلية عن البيئة التي ينغمس فيها الشاعر بحيث تنعكس معطياتها على شعره وهذا يقودنا إلى أن البيئة هي للشاعر وقد لا يكون للشاعر بيئة ثابتة ينهل منها أدواته التعبيرية ومعانيه التي ترفد نهر القصيدة كأن يكون دائم الاغتراب، والاغتراب هذا سفينة لا قرار لها ولذا فإن بيئة الشاعر هنا هي ظهر هذه السفينة يستمد منها مادته وكل ما تحمله مرآة البيئة من صور تنعكس على النص الإبداعي للشاعر، لذا تعرف ذات الشاعر من خلال ما تحمله هذه المرآة من أضواء وظلال.‏ "

رغم أنني إبنة المدينة، ولطالما افتقدت أصوات الباعة المتجوِّلين، افتقدتُ رائحة الخبز الساخنة:
القُرى البعيدة
هي رائحة التنور
التي تبقى في أنوف المغتربين
وطناً في غربتهم البعيدة !

افتقدتُ حرارة المتوسّط، افتقدتُ حرارة الإنسان العربي، روحه المتعاطفة، المتآلفة مع الآخر، قريباً كان أو بعيداً. في ولاية ميتشغن الأمريكية المحاطة بالبحيرات والأشجار التي أخالها أحياناً ناطقة بحيويتها من تدفق الأمطار الصيفية الغزيرة. وفي ركنٍ هادئ جداً نقي كهذا، لايشبه بيئة الأفلام الأمريكية على الإطلاق، تزورني الأشجار والأنهار والطيور والثلوج والعواصف .. وتقتفي أثري الغربة ، تحوِّل ذاكرتي إلى شريط سينمائي لامكان له ولازمان، رغم أنه يحتوي كل الأمكنة وكل الأزمنة. في لحظات، أقوم بحالة إسراء .. وأتحوّل إلى سمكة تبحِرُ ماشاء لها القرب رغم البعد!

ها أنذا سمكةٌ تبعثرتْ
في جدائل "هيورن"
وهدأتْ في بحاركْ !...

البيئة الأمريكية أختار أجملها- الطبيعة المؤنسنة - وأضع الباقي –تقريباً- في سلة المهملات... تلك هي البيئة الأمريكيةالتي تتناقض مع الوحش العربي الجميل المُشاكِس الذي يسكنني، كحالة إنفلات سكوني معجون بالحكمة والشاعرية وروح الطبيعة بتناقضاتها وعودة إلى الذاكرة توقعني في فخ الحنين ، ونفق الإغتراب بشتّى أنواعه وعذاباته .أن أكون أنا ولا أنا، أن أكون هنا وهناك.
على هذه البيئة أيضاً نمت الشاعرة الأمريكية إيميلي ديكنسون كأنّ كلينا في حالة عشق وتوحُّد مع الطبيعة كحالة جمالية وفلسفية نقية .

مَنْ يفْتَحُ ذاكرةَ الأشياءْ؟!…‏
مَنْ يُشْعلُ ضوءاً‏
في ليلِ الأمْواتِ‏
الأحْياءْ؟!…‏
حزني يهبطُ،‏
مثلَ الرّيحِ‏
تُعلّقني عنقوداً‏
منْ ضوءٍ‏
وبهاءْ…‏
أتأمّلُ أحزاني،‏
عبر عصورِ الوهْمِ‏
وأبْصرُ أضرحتي…‏
أبْصرُ أجنحتي المكسورةَ‏
أو لا أبْصرُ شيئاً‏
ذاكرتي نهبٌ‏
للحزنِ الأبديِّ‏
وصوتي تَنْهبهُ الغربةُ‏
والرّوحُ تهيمُ‏
كأنَّ النارَ‏
وأشجانَ القلْبِ‏
سواءْ!…‏


هل رابطة القلم التي انضممت إليها هي نفسها الرابطة القلمية ؟ وإن كانت كذلك فمن هم أعضاؤها الحاليون , لأننا لا نملك معلومات حديثة عنها ؟..

رابطة القلم العربية الأمريكية هي إمتداد للرابطة القلمية بالمعنى المجازي. أي أنّها رابطة تُعنى بالأدب والشعر والثقافة بشكل عام . ينضم إليها أدباء وشعراء وأكاديميون وممن يقدّمون كل ماله علاقة بالإبداع. جميعهم من العرب الأمريكان. تمثِّل الرابطة خلية مبدعة مثقفة من خلايا المجتمع العربي الأمريكي. ولاتدّعي بأنها الأولى والأخيرة في أمريكا ، بل يوجد عدد من الجمعيات والروابط الأخرى الثقافية . تأسست عام 1994 . من أبرز الأعضاء المؤسسين: د. عفيف شقير، د. محمد عباس ، د. عدنان مكّي ، إباء اسماعيل ..... وغيرهم .. إليك أسماء بعض الأدباء والشعراء في الرابطة: االناقد والشاعر د. عبد الإله الصائغ من العراق، الشاعر عبد النبي بزي، الأديب د. على عجمي ( قنصل لبنان العام في ديترويت)، الشاعر ياسر سعد من لبنان، الكاتب والمفكّر د. تيسير الناشف، الأديب والشاعر عادل سالم، الأديبة إيمان بصير من فلسطين وغيرهم .....
مجلة ( صفحات) الأدبية الورقية الصادرة باللغتين العربية والإنكليزية هي الناطقة باسم الرابطة وأشرف على رئاسة تحريرها.
تقوم كل عام بعدد من الأمسيات الأدبية والشعرية والندوات وحفلات توقيع الكتب لأدباء المهجر الأمريكي ولبعض الأدباء الذين تستضيفهم من الدول العربية. لاتهدف الرابطة إلى ربح مادي وهي مستقلة وليس لها أي إتجاه ديني أو سياسي.

 


هل حققت هدفك . إلى أي شيء تطمحين في الحياة  .

حياة الشاعر قصيدة لاتكتمل إلاّ بموته.
خلود تلك القصيدة التي تحتوي شاعرها لأجيال قادمة
هو الهدف الأسمى

طموحي مياه قدسية نقية
تغسل وجه الكرة الأرضية
تهيمن عليها قوّة واحدة ووحيدة
قوّة الحق والخير والمحبة والسلام

 

هل تأثرت بأحد من الشعراء أو الأدباء العرب أو العالميين ؟

كثيرون جداً .. أذكر على سبيل المثال لا الحصر : جبران خليل جبران، بابلو نيرودا، ت.س. إليوت، إزرا باوند، إيميلي ديكنسون، والت ويتمن، بدر شاكر السياب، عبد الوهاب البياتي، غادة السمان، نزار قباني، محمود درويش، محمد وحيد علي، محمد علي شمس الدين، و الحلاّج ....

من الشاعر الذي يستوقفك إبداعه ؟

القصيدة التي تخرج منها شرارات الضياء
تنبئُ بروحٍ خَلاّقة غريبة مؤثِّرة لاتشبه إلاّ ذاتها،
تشدّني بجمالها وصدقها وغرابتها ..
أقرأها مراراً لأكتشف الجدّة والمزيد من لآلئها...
ذلك الذي يستوقفني إبداعه سواءً كان شاعراً أو شاعرة ..
قصيدته الأولى كانت أو الأخيرة!..


ما رأيك...هل يعيش العرب عصر العمى السياسي.؟!

تعبير دقيق. وأضيف إليه حالة التصهيُن والتأمرُك السياسي والتعبئة الفكرية والإعلاميّة المضَلِّلة والتبعية و الإنقسام ومحدودية الأفق وبرمجة الأدمغة واحتلال الشعوب بحجة تحريرها!!!


هل للأدب شرطة وعسس وأوصياء وفلاسفة
وجبابرة ؟؟
أم أنَّ للشعر عفوية تامة
لاتأخذ من المساومة
حتى على ضوء القمر ؟؟

الشعر طفلٌ صغير يكبر في أحضاننا وعلينا أن نعلّمه كيف يكون مهذّباً
لايسرق كي لاتلاحقه الشرطة والعسس،
نحميه من شوائب اللغة و التعابيرالجافّة الغليظة التي لاتزيده إلا تعاسة...
ويكون الشّعر محظوظاً جداً حين ينمو في فكر وقلب فيلسوف،
حينها يكون قد تعلّم الحكمة ، والإبحار والعمق اللامحدود..
أمّا الجبابرة، فهؤلاء لامكان لهم مع طفولة الشعر وبراءته!
لأن وجودهم داكِن مدمّر يخنق روحه الشفّافة البيضاء
وبالتأكيد للشعر عفويته الخالصة الإبداع على أن لاننسى بأنّه طفل وبراءته لاتغفر له أخطاءه
وخاصة عندما نعلّمه كيف يتجاوزها ليصل إلى درجة الكمال !..

 

قلب يمتلئ بحب وطنه مثل قلبك لماذا يتركه ويرحل؟؟

لعلّني أدمنتُ الغربة بقدر ماأدمنتُ عشقي للوطن
كان صغيراً عندما تركته
رأيت دمعةً فوق خده تقرأ ملامحي الأخيرة قبل السفر
بعدُتُ .. بعدتُ في المكان
بعدتُ في الزمان
ولكننا التقينا وتعناقنا ...
واقتربتُ أكثر فأكثر كعروس بحر فوق شواطئه المتوسطية
وفوجئت بأنه كَبُر كثيراً جداً
أصبح شيخاُ
ولكنه بقي قوياً شامخاً
جديراً بحبّي الكبير:


الآن تمدُّ يديك َ
الربيعيَّتين
فأكتشفُ صباحاتي المستيقظة َ
في نور الحريّة ْ ....
أكتشف ُ مُدُني الخالية ,
وصهيل َ أنفاسي ,
التي تشتعل ! .....
أكتشف ُسيول الغربة ِ ,
التي لم تستطعْ اقتلاعي !!...

 


قرأتُ لك نصوصا كثيرة .. لكنني كنتُ أجدك تهربين من المباشرة كلية ً لتدخل
أعمالــُــكِ فوْهة َ الغريب وتغيب
وتغيبُ .. فهل هو التركيز الشديد ؟؟ أم أنه رفض الواقع

الشعر كما أعيشه لحظة الكتابة ، عصفور أترك له حرية الطيران في العلو الذي يريد ..
أحياناً يوغل في التحليق ليصطاد رؤاي الشعرية وعالمي الخاص بنبض القصيدة...
القصيدة ليست مجرد وهم أعيشه، بل تجربة حياتية واقعية حتى العظم ، لكن لربما كون تجربتي الشعرية المغايرة نوعاً ما، كمزيج من الثقافة العربية والأمريكية ، كان نسيجها الشعري له خصوصيته على هذا النحو.
أعيش حالة تركيز شديد مؤلمة للقبض على اللحظة الشعرية الأولى وبالتالي سلسلة اللحظات التي تليها..
هذه الحالة التقطها الباحث والشاعر المبدع محمد حلمي الريشة وهو يرصد رؤيته ورؤية العديد من الشعراء للحظاتهم الشعرية الأولى . وكتبت عن لحظتي الشعرية الأولى .. التي تشكِّل أقصى درجات التركيز ، وأوّل الحلم:


تمتلئُ الذاكرة بمياه الحلم. قطرةً قطرة تعيد تشكيل ذاتها بثوبٍ جديد نسيجه الروح واللغة والشحنة المعبّأة بالضوء. قد يأتي الضوء خافتاً كالضباب أو عميقاً كبئرأو مشوباً بالغيم المحمّل بالمطر. يُحيل الغيم فضائي سواداً عنيداً مخيفاً يشتدّ وقعه كحمّى أو كمخاض قد ينبئُ عن جنين أو أجنّة أو يُجهض في رحم الذاكرة لضعفه أو لعدم التصاقه في مشيمة التوهج الشعري. التوهج الشعري هو لحظة البرق الأولى. ولحظة البرق الأولى ليست مجرد فكرة خارجة عن حدود الزمان والمكان أو حدود التجربة الإنسانيّة. هي أيضاً ليست محض صدفة أو جرّة قلم –كما يقولون- بل بُعداً رابعاً لذاتي يتشظّى إثر نوبات مشاعر ما... . وتتشكّل الحبة الأولى من العقد
لحظة البرق الأولى أو أولى لحظات التوهّج للقصيدة تمنحني روحاً جديدة مابين احتضان ذلك الجنين بفرح ، ومابين احساسي بقدسية تلك اللحظة ، ومابين الإحساس بأنني أسيرة تلك اللحظة واللحظات التي ستليها في إكمال القصيدة ، ومابين روح التحدّي التي تتملّكني هي الأخرى كي أرصد تلك اللحظة وأنا على استعداد لكسر طوق الجمود الذي كان يحتلّني قبل تطايُر الشّررْ. أنا الآن أمام حالة جَماليّة خالصة ليست شكلانيّة بل جوهريّة ومؤلمة حتى العظم، كالعاشق الذي يترصّد ظلال الخطوة الأولى لحبيبته بفرح وألمٍ وشوق وقلق وترقُّب. فمتى تأتي؟!!!!

 

الشعر الموزون ؛ هل تحبينه ؟؟ هل تكتبينه ؟؟ هل تفضلينه على الشعر المنثور؟

صدر لي حتى الآن أربع مجموعات شعرية. إثنان منهم في نطاق قصيدة التفعيلة .
(خيول الضوء والغربة) و( إشتعالات مغتربة) مجموعتان شعريتان في نطاق قصيدة النثر
(أغنيات الروح) و ( ضوء بلادي- للأطفال) شعر موزون تفعيلي

همّي الشّعري لايقيس قيمة القصيدة فيما إذا كانت موزونة أم لا. مقياس الإبداع الشعري – كما أراه – أن يأتي الشاعر – سواءً كان كلاسيكياً أو تفعيلياً أوناثرا- في طريقة كتابته للقصيدة، بأفق متجدد ، مبدع، له خصوصيته وفرادته ، ثري برؤاه ، أفق جمالي يستشرف الماضي والحاضر والمستقبل ويحفر في العمق الإنساني بحرية وبمخزون تراثي قديم جداً وبالغ الجدّة والحداثة على حدٍّ سواء ، في إنتاج شعر يضيف إلى تجارب الشعراء السابقين وممن هم على الساحة الشعرية الحاضِرة.

هناك قصائد موزونه على بحور الشعر وتفتقر إلى مقوّمات الشعر الأساسية. أسمّي تلك القصائد ( منظومات). وهناك بالمقابل كمٌّ هائل من ركام نصوص النثر التي لاتنتمي إلى الشعر.

 

- الإبداع هل له عندك حدود ؟؟ ماذا تقولين فيمن ضربوا بكل الأعراف عرض الحائط ظنا منهم أنها منطقة جديدة والإبداع فيها سلس وغزير ؟؟؟


لامحدودية للإبداع عندما يكون نتاج مبدع حقيقي ، موهوب، مثقف، متمكّن من أدواته الشعرية . ولكن، عندما يتخذ الشاعر الشاب مسار قصيدة النثر ويدافع عنها باسم الحداثة ويحارب القصيدة الموزونة وهو لايمتلك ثقافة شعرية عربية أصيلة في تراثه الشعري أي أن لا يكون بعلم ودراية وتمكُّن من بحور الشعر وتفعيلات الشعر الحديث . حينها ، يفقد مصداقيته كشاعر، وتجربته الشعرية غير كاملة لعدم إحاطته بالشعر إحاطة تامة . لايمكن أن نعترف بشاعر ينفصل عن ثقافته الشعرية العربية ولايعرف عنها شيئاً ، وبالمقابل، يتبنّى نظريات سوزان برنار وستندال. أنا مع الحداثة إلى أبعد أفق وبلا حدود ، شرط أن يدرك الشعراء الشباب معناها الحقيقي غير التقليدي ومما يتناسب مع ثقافتنا وحضارتنا العربية .

تأبى ثلاثة أجيال أخيرة في هذه الأمة الغريبة الأطوار والأمزجة التولع بالأدب العربي ، برأيك : ما الأسباب التي تدعو لذلك ؟ وكيف يكون إعادة هذه الأمة لتراثها الأدبي ؟

لايمكننا الحكم أو التعميم على جيل أو عدة أجيال بكاملها ابتعادها عن الأدب العربي . يمكننا أنّ ننظر على أنّنا أمام عدّة إتّجاهات يشبه بعضها صرعات الموضة التي تأتي وتذهب إلى غير رجعة.. لتظهر صرعات أخرى أكثر لمعاناً وبريقاً وأسرع انطفاءً.. وهكذا إلى مالا نهاية. صرعات تتبنّى مفاهيم غربية ونظريات وأفكار غربية و إحساس بدونية الإنسان العربي ودونية اللغة العربية وبالتالي الإعراض ورفض للغة العربية ورفض تعلمها، وبالتالي الإتجاه إلى تعلُّم اللغات الأجنبية كالإنكليزية والفرنسية والاسبانية
وبعضها الآخر رزين ، مثابر، باحث عن الحداثة بعين ثاقبة ووعي وموهبة وذهن متّقد ومنفتِح. يبحث عن الجديد ومنفتح على الغرب وعلى الأداب الأجنبية بوعي ودون الشعور بالدونية من لاجدوى اللغة العربية والأدب العربي، بل على العكس الإهتمام به ومقارنته مع الآداب الأجنبية الأخرى.
وهناك إتجاه كلاسيكي بالغ الوضوح حتى مع جيل القرن الحادي والعشرين. هناك من الجيل الشاب أدباء ودارسون للغة العربية وآدابها ومتعلقون بها أيضاً.

الأسباب التي تدعو شريحة لايُستهان بها من الأجيال الثلاثة بالإبتعاد عن الأدب العربي وبالتالي اللغة العربية ، يعود برأيي إلى تاريخ هذه الأمة . وأنت محقٌّ في وصفها بــ ( غريبة الأطوار والأمزجة) ... عدة قرون مرّت وفي كل قرن وعقد وعام وشهر ويوم هناك وحوش غربية وغريبة تنهش في الأرض والإنسان والروح واللغة والثقافة والتراث والحضارة العربية... حالات انتداب، حروب، احتلال، مؤامرات، اغتيالات ، سجون، مجازر، معتقلات، قهر ، ظلم، عدوان، تدجين الثقافة العربية بمفاهيم تتناسب ومصالح الغرب تشرّبها الإنسان العربي ولايزال مع ازدياد شراستها وقوّتها ليبدأ عصر أدهى من مجرد صراع حضارات، بل هيمنة حضارة وفكر وثقافة واحدة غربية عليه.

يكون إعادة هذه الأمّة لتراثها ألأدبي بزيادة نشر الوعي لدى الجيل الشاب مبتدئين بالأطفال ، بأن نغرس فيهم حب الأدب العربي واللغة العربية مقرونة بمحبة أوطانهم واعتزازهم بثقافتهم العربية. وأن نغرس فيهم الوعي الكافي لتفهُّم ثقافة الآخر وتبنّي مايتناسب وثقافتهم لاالتقليد الأعمى. في كتابتي لشعر الأطفال . وتحديداً في ديواني ( ضوء بلادي) الموجه للأطفال ، كان لديّ هذا الهم ، أن أجعل الطفل يحب الشعر ويتعلّم مفاهيم ( غير مواعظية) جميلة يتبناها ويحبها عبر الأدب والتراث. وهذه هي إحدى القصائد:

الرجل الآلي

عندي رجل آليّ
يدهشُ كلّ الناسْ
يمشي ...يقرأُ
يكتبُ...يلعبُ
لكنْ ...ينقصهُ الإحساسْ
فاجأني يوماً بسؤال :
هل تحفظُ مثلي كلّ الأسماءْ
وتدوّنُ كلّ الأشياءِ
بلا أخطاءْ ؟...
قلتُ لهُ :
أنتَ جميلٌ وذكيّ ٌ
في جسمكَ كلّ الألوانْ
لكنكَ لاتحفظُ وداً
أو عهدا
لاتهوى وطناً
أو وردا
فأنا الأفضلْ
وأنا الأجملْ
إني إنسانْ ...


ما الذي تخشى ذكره إباء إسماعيل هنا ؟ وأي سؤال تخشاه هذه الغريبة المتغربة بقرار ذاتي مثلي ؟

حين يُسرق منك حلمٌ ما
حين تستيقظ يوماُ
وتجد نفسك بلا مكان
تترك ذلك اللامكان وترحل..
أنت غريب بأية حال !
تقرأ صوت ذاتك الخفي
هل يسمعه أحد
أم سيموت بموتك أيها الغريب؟!!
تشعر بأنّك مُحاصَر
في وطنٍ لايعرف معنى الوطن
تخشى حالة الضياع من أن تفقد ذاتك
وجودك .. كلماتك.. عمقك الإنسانيّ...


لن أخشى انفجار الزّمنْ،
وأنا انفجارٌ يتجدّد!...

العالمُ يُحاصرُ دموعي
ودفءَ قصائدي ...
مهدّدةٌ بالغرقِ كلماتي،
كيف أهربُ من تعبي ؟! ...
كيف أدخُلُ ،
نبض الحبِّ
و الكلماتْ ؟!! ..


- وأي سؤال تخشاه هذه الغريبة المتغربة بقرار ذاتي مثلي ؟


كلُّ الأسئلة عندي مُباحة
صوتي ليس ملك يميني أو ملك يساري
لا أخشى أي سؤال مهما كان حميماً أو قاسياً
لن يكون أقسى من الغربة أو الموت على أية حال!!

مَنْ يفْتحُ هذا الجرحَ العربيَّ‏
السائدْ؟!..‏
مَنْ يكْسرُ قيدَ العربيِّ الصامدْ؟!...‏
الغربةُ... جوعُ الأرضِ‏
وتوقٌ للحرّيّهْ...‏
الغربةُ قهْرٌ واحدْ‏


إباء إسماعيل تنصص على الصورة المركبة في النصوص التي تكتبها ..... وتبتعد عن تأطير هذه الصور المركبة بلغة تنهش الصورة نهشا ـ بعض الأحيان.

إنَّ تداخُل الصورة الشّعرية في نسيج القصيدة سواءً كانت مركّبة أو بسيطة، مؤطّرة بلغة تنهش الصورة أو لا، تحددها قوة الحالة النفسية لدى الشاعر لحظة الكتابة. تشتد الشحنات الإيحائية في الكلمات والصور ويزداد التعقيد في تركيبها أو تتراخى و تنبسط وفقاً لتداعيات التجربة الشعرية في القصيدة وبالتالي الحالة الإنفعالية لدى الشاعر التي تُحدِث مثل هذا التأثير. تداعيات الصور المركبة في شعري هي جزء من عالمي الشعري وتركيبة أدواتي الشعرية مع الأخيلة والمفردات والحالة الإنفعالية ، كلها جزء من خصوصية تجربتي الشعرية.
لقد أعطاني الفيلسوف أفلاطون الضوء الأخضر حين رأى الشعر كالروح التي تحب التحليق والطيران إلى كل الأمكنة وهو القائل:

" الشعر هذا الشيء الخفيف المُجنَّح والمقدّس"


الموت كيف نشربه في القصيدة ؟؟


طفلةً جئتكمْ‏
وكبرْتُ بلا أُمنيهْ‏
ودُفنْتُ مع الوطنِ السّنْبلهْ!...‏
كيفَ تصْحو طفولةُ روحي‏
لتشْعلَ بعضَ اللهبْ؟!...‏
كيف أُشْعلُ أعماركمْ بدمي‏
وأُقاسمكمْ ورْدةَ الدمْعِ‏
والحزْنِ‏
نوّارةً‏
أو شغبْ؟!...‏
كيفَ تطْلقُ روحي أزاهيرَها؟!...‏
كيف أرفعُ في الأفْقِ،‏
أُغنيةً منْ غضب؟!!...‏

* وقطرات الندى بكلماتك هل لازالت كما كانت بحلم لاول مرة ؟؟ أم ان ثوب الغربة لوَّنها ؟؟

الحلم يتجدد مع كل قصيدة جديدة
وقطرات الندى تحملها مياه القصيدة
وحين ينطفئ الحلم،
تموت القصيدة! ...

ثوب الغربة لوّنها دون شكّ
رسم لها ملامح وأبعاد جديدة
علّمها كيف تكون أكبر و أكثر نقاءً وحرارة..

* أقع ضحية اخطاء أناملي الخجولة عندما اكتب وعيناك تقرأ أخطائي ؟ هل أنت كل هذا الحنان الصعب ؟؟ام انك ارق من نسمة ؟؟

أتعامل مع مفرداتي بذات " الحنان الصعب"
لأن القصيدة الحقيقية لايمكنها التحليق بأي أفق إن كانت أجنحتها متكسِّرة بلغة لايرضى عنها السيد الشّعر .
وهل أنا أرقُّ من نسمة ؟!
لعلها نسمةٌ منكِ هبّت عليّ لتنفحني برقَّتها!


هل اختلف عالم الشعر الحديث عن القديم ؟
لا اقصد بما يتناوله بقدر كيف يتناوله.


بالطبع ليس المقصود هنا الموضوعات التي يتناولها الشعر الحديث لمقارنتها مع القديم. أي لن نتحدّث عن المضمون. بل عن طبيعة الشعر الحديث من حيث تكوينه وعالمه الخارجي -أي الشكل – والبناء الفني
والأسلوب واللغة والإيقاع الموسيقي والوزن بخصوص قصيدة التفعيلة، والإيقاع الداخلي في قصيدة النثر.
سأحاول قدر الإمكان إيجاز بعض المقوِّمات الهامة في الشعر الحديث سواءً كان تفعيلياً موزوناً، أو منثوراً ، مع العلم أنّ عشرات الكتب النقدية نشرت في السنوات الأخيرة ومئات المقلات المنشورة في الصحف وعلى شبكة الإنترنيت يمكنك العودة إليها والإستفادة منها بشكلٍ موسّع .
على صعيد فنِّية القصيدة الحديثة،
الصورة الشعرية الحديثة تميل إلى الإيحاء بدلاً من التصريح.
وتتحرّر من البعد المنطقي للزمان والمكان لتتحوِّل الصورة إلى حلم لايخضع لمنطق الصورة البلاغية التقليدية.
ولغة الشعر الحديث تتميّز بالإيحاء والتكثيف والإيجاز. حتى النقاط والأسطر وعلامات الترقيم لها مدلولات تُغني القصيدة.
ونلاحظ أيضاً في بعض القصائد الحديثة الحوارات والمونولوجات واللغة البسيطة البعيدة عن لغة المعاجم وبذات الوقت اللغة العميقة الدلالية.
هناك بعض المدارس الغربية في الشعر الحديث من روادها إزرا باوند وت.س. إليوت وخاصة في قصيدته ( الأرض اليباب) ترين فيها اقتباسات ومونولوجات مسرحية وترجمات حيث خرجت عن الإيقاع المألوف للقصيدة الكلاسيكية. هذه باختصار شديد بعض ملامح الشعر الحديث .

متى بدأت الشاعرة إباء دربها مع الشعر.؟!
ومَن الذي ساعدها على تطوير هذه الموهبة؟


كل شيء في عالمي منذ الطفولة وحتى الشباب , كان يقف ضد أن أكون شاعرة !
قارئة نهمة ولكن...!
كل شيء كان متوفراً في مكتبة والدي من روايات عالمية وعربية, فلسفة , سياسة, تاريخ, طب, علم نفس, وماوراء علم نفس, دين....توسعت مداركي وثقافتي من خلالها دون أن أقرأ ديوان ِشعر واحد !
عرفت الشعر في المدرسة, ولم يرق لي كثيراً. بل كنت أراه سمجاً ,لايتناسب مع شخصيتي الحالمة, رغم أني كنت أحب اللغتين العربية والأنكليزية إلى حد بعيد.
بدأت الكتابة وأنا في العاشرة من عمري. كتابتي كانت عبارة عن مذكرات يومية, بل إنها طقوس يومية كنت أعيشها. كان دفتر مذكراتي هو صديقي الحميم الذي أبثه همومي اليومية دون خوف. كنت أشعر بأني في حالة حلم طفولي دائم يتجسد عبر الكتابة. في الثامنة عشرة من عمري تقريباً بدأت أكتب نصوصاً لم أستطع يومها أن أحدد ماهيّتها! كيف لي أن أعرف وأنا لم أقرأ سوى ألشعر العمودي , بل أذكر بأنّ أهم شاعرين أثرا قلمي وأحاسيسي حينها, هما جبران خليل جبران والشاعر الهندي طاغور. المذكرات وخلفية قراءاتي مهدت لكتابة القصة القصيرة حيث شاركت فيها لثلاثة مهرجانات و لثلاثة أعوام متوالية. شعرت بنشوة النجاح ولكن النقد البنّاء أفادني إلى درجة أنه قلب حياتي رأساً على عقب! تقدم نحوي الشاعرالقدير محمد وحيد علي ليقول لي باختصار شديد:
" قصتك جميلة... أنت شاعرة " !!!!!
نظرت إليه باستغراب وأنا أحاول أن أفهم ماوراء الكلمات!
وقعت في حيرة شديدة! خجلت من نفسي لأنني كنت بحاجة حقيقية لمن يكتشفني , وكان هذا مستحيلاً وجو منزلنا علمي بحت .
والدي مدّرس حازم لمادة الرياضيات لكأنها المادة الأهم في العالم! وإخوتي جميعاً نجحوا في دراساتهم العلمية(ترتيبي السابع و الأخير من أربع بنات وثلاثة صبيان)
اطلع على كتاباتي الاخرى وأكد لي بأنها في معظمها شعر يحتاج فقط إلى بعض الرتوش لتكون صالحة للنشر! وفعلاً نشرت بعض القصائد المتفرقة في صحيفة تشرين السورية وغيرها لمدة عام واحد فقط حيث سافرت بعدها إلى الولايات المتحدة الأمريكية. لم أكن قد ثبتّ أقدامي بعد في الساحة الأدبية لاعلى صعيد الشعر ولاعلى صعيد القصة!
إثر قدومي إلى الولايات المتحدة شعرت بحالة من الضياع , والإنقطاع عن العالم االثقافي الجميل الذي كنا نعيشه في سوريا من ندوات ثقافية وأمسيات شعرية ومهرجانات. كل هذا ذهب إلىغير رجعة!
استمر الشاعرالقدير محمد وحيد علي في تشجيعه الدائم لي للإستمرار في الكتابة, دون أن يلح عليَّ أن أكتب الشعر . كان يريدني أن أكتشف ذلك بنفسي . سنوات طويلة مرت وأنا أنظر إلى الشعر وكأنه كائن غريب له قدسيته!

 

 

من الملاحظ أن المرأة تأخذ الدور الأكبر في شعر معظم الشعراء.. فأين الرجل من شعر إباء؟!

هو قصيدتي التي حفرت في روحي سراديب الذاكرة...
خبّأتها لتعشش في العمق...
أنايَ ..
غضبي الجميل ...
طفولتي المختبئة في رمال أحلامي القادمة...
ترتيلة جروحي
ورعشة صوتي
وقبلة أضوائي المتبقية من مساحات السواد ...
ابتسامتي البيضاء
تُخرجني من وجعي
رويداً رويداً
لأغتسل بماء النقاء والفرح
منه أنا وإليه جئت .
مَرَضي وعشقي المزمن
يسقيني أنفاس الحياة ودفء الأمان
حين تلبسني الغربة وتفترس أحلامي المشتهاة...
وطني هو..
أشجاره وعصافيره ودماؤه وشرايين تعبه
ومواويل لياليه العميقة الساحرة
تلفني برياحها النارية إلى درجة الموت
أحيا به ويحيا بي
رعشةً برعشة
و ألقاً بألق
واحتواءً فاتناً يشدّني إليه
كالصحو الماطر برذاذ الحلم.
صوته أنا وهو صوتي :


تضيء نوافذ الكلماتْ!...
كأن الشمسَ صوتكَ
تغسل الصبحَ المندى،
من دموعِ خطايْ...
ويصبح ظلّها قلبي
فليتَ الحبَّ يبرئها
منَ الظلماتْ!...
وأرتشف الصدى
لكأن ذرات الصدى
صارت مياهكَ،
ترشح النار التي تسقي دمايْ!!...


أرسم ملامحه فيّ قصيدةً تأسرني
وتقبض على لحظتي الساكنة
كي أضيء وجوده
ويتوهّج فيَّ أكثر فأكثر :


ويداكَ سماءانِ‏
فَمَنْ أعطى هذا الوردَ،‏
الباهي‏
ليديكْ؟!‏
مَنْ أعطاكَ الغبطةَ‏
كي تزْرعها في روحي‏
فأطير إليكْ؟!‏
*‏
عيناكَ فضاءانِ‏
فَمَنْ أعْطى الحريّة،‏
للغزلانِ الولْهى،‏
كي تتقافزَ،‏
منْ عينيكْ!؟‏
*‏
وشفاهُكَ،‏
أنْهارٌ من حُبٍّ،‏
غاباتٌ من لوزٍ‏
وفراشاتٍ تهْمي‏
وتحومُ‏
تحومُ عليكْ!‏
*‏
هل تأْتيني أنْفاسُكَ،‏
عبر ضياءِ الكونِ‏
وأحلامِ النورسةِ‏
البيضاءْ!...‏
*‏
هل تأتيني أحلامُكَ،‏
مثلَ طيورِ اللهْفةِ‏
فلتتوقّفْ أطيارُكَ،‏
في شجرِ الرْيحِ‏
تُغنّي غاباتِ الأرقِ‏
البشريّ‏
الخضراءْ!...‏
فأنا الشاعرة،‏
الطالعةُ الآنَ،‏
على فرسِ الغربةِ‏
نحو سمائِكَ..‏
نحو صهيلٍ‏
وضياءْ!!‏


مع من تعيشين ؟ وإن وجد الأولاد , كيف نزرع بهم عشق اللغه العربيه ؟ وإلزامهم باستخدامها في الحوار والفخر بها وبتاريخنا؟

عائلتي الصغيرة هنا مؤلفة من خمسة أوجه عربية مغتربة:

د. المهندس جمال الغانم ( بابا جمال )
إباء اسماعيل ( ماما إباء )

والأولاد:

محمد الغانم : (1987) طالب جامعي سنة ثانية تحضيري - طب بشري
لمى الغانم : ( 1989) ثانوية عامة
آية الغانم : ( 1997) الرابع الإبتدائي

الأولاد يتحدثون باللغة العربية بطلاقة في المنزل ، ولكن تواجدهم في بلد أجنبي والمحيط يدفعهم للحديث مع أصدقائهم باللغة الإنكليزية لسهولتها وسرعتها. ولعله من أصعب الأمور تحقيق ما نرغب نحن تحقيقه لأبنائنا. اللغة العربية صعبة جداً مقارنةً مع اللغات الإجنبية للأولاد الذين ولدوا وكبروا في الخارج. هناك جملة أمور يمكن القيام بها قدر المستطاع أهمها:

* تعليمهم اللغة العربية : وهذا ماأقوم به مااستطعت إلى ذلك سبيلا
* تحفيظهم العديد من السور القرآنية القصيرة إن كانوا مسلمين أو قراءة الإنجيل إن كانوا مسيحيين.
* ثمة مدارس عربية في الخارج لتعليم اللغة العربية وخاصة في عطلة نهاية الإسبوع يمكن أن يداوم الأولاد عليها إن كانت قريبة من أماكن إقامتهم.
* اختلاطهم بالعائلات العربية المقيمة في الخارج لتقوية الروايط الإجتماعية والثقافية والعربية.
* عدم الإنقطاع سنوات طويلة لزيارة الوطن الأم.
السفر المتكرر إلى البلاد العربية حيث تقيم أسرة العائلة ليظلوا على تواصل وثيق مع الأصول العربية والأقارب التي تنمي فيهم الترابط الأسري.
* هناك وسائل الإتصال والإعلام التي باتت متوفرة في الخارج
مثلاً متابعة برامج أطفال باللغة العربية التي تبث عبر الفضائيات العربية
الدخول إلى مواقع عربية تعليمية أو موجهة خاصة بالأطفال قدر الإمكان.
هل وجدت أن التواجد العربي في الغرب يمثل القدوه الحسنه والصوره الطيبه لمجتمعنا ؟ أم
العكس؟

بالتأكيد. يوجد في الولايات المتحدة ، وفي ولاية ميتشغن ، حيث أقيم، أكبر تجمُّع عربي في أمريكا وربما في الخارج. تمثِّل نخبة المجتمع العربي ، ونخبة المجتمع الأمريكي أيضاً. نسبة الطموحين عالية جدا. وأقصد بهم ، المتفوقين في كافة مجالات الحياة. ونسبة العائلات العربية الأمريكية المحافظة على وجودها وكيانها الأسري وأصولها العربية أيضاً جيدة. وهؤلاء ينقلون صورة وإنطباعاً جيداً وهامّاً في الأوساط الأمريكية.
أمريكا كما نعلم جميعاً تستقطب وتحتضن العرب والأجانب الذين يملكون رؤوس الاموال الكبيرة والذين يملكون الأدمغة الكبيرة . وهذا ماسمّاه أحد الكتّاب العرب بـ ( نزيف الأدمغة ) من الداخِل – العربي- إلى الخارج الغربي. ولابد لكل قاعدة من استثناء أيضاً.
احتضنت أمريكا الطبقة المتعلمة وحملة الشهادات العليا ممن تابعوا دراساتهم العليا وتخصصهم في الخارج متضمّنة الفئة التي أتت مهجّرة بسبب الحروب . ومتضمنة أيضاً كافة فئات المجتمعات التي أتت منها الجاليات العربية. ولكل واحد منهم أمنياته وأحلامه وطموحاته . فأحلام الشاعر والصحفي والأديب، تختلف عن أحلام أصحاب الأعمال الحرة أو أساتذة الجامعات أو الأطباء أو الفنانين التشكيليين. والكل يثبت وجوده بقوة ومثابرة وعلى الأغلب ، فهم ناجحون في حياتهم ، ولو لم يكن الأمر كذلك ، لما عاشوا سنوات طويلة في المهجر وأسسوا بيوتاً وعائلات.
ولعل حالات الوعي أو اللاوعي لدى فئة من المجتمع العربي الأمريكي، وعقدة النقص من الإحساس بعروبة هؤلاء وانتمائهم العربي، جعلتهم يتنصّلون من إنتمائهم كعرب. وهم أحرار في بلد أجنبي يدعم تواجدهم كأقليات لايفضّلون فيه أن يكون عرباً ربما لكي يحصلوا على إمتيازات أكبر من السلطات الأمريكية التي هي في الأصل تغذّي فيهم هذه الروح، روح الإقليمية، وبالتالي هم يصدّرونها من الخارِج إلى الداخِل ، مقتنعين تماماً بأنهم يدافعون عن عروقهم ووجودهم اللاعربي في وطن الإغتراب!
هؤلاء برأيي ، يسيئون للعرب ، ويميّزون أنفسهم عن العرب ، وكأنّهم شعب الله المختار، فقط لأنّ أمريكا احتضنتهم كرعايا أقل من مأجورين بقليل!!!!!!!!!!!


بصفتك عضواً في رابطة القلم العربية الأمريكية ، وفرداً من الجالية العربية الكبيرة الموجودة في متشيغن كيف تتعاطون مع القضايا العربية هناك خاصة مع ما يجري في فلسطين ولبنان والعراق كأدباء وشعراء ومفكّرين هل تقام ندوات من أجل ذلك؟
أم تقف الأمور عند حدود الكتابات؟ أم هناك نشاطات أخرى؟
وبشكل خاص كيف تعاطيتم كشعراء عرب مع العدوان الأخير على لبنان؟

سأبدأ من الخاص إلى العام
ومن تجربتي كشاعرة عربية تقيم في أمريكا
جملة أمور تتزاحم في ذاكرتي
أحياناً أُصاب بإحباط شديد... أعود إلى الوراء قليلاً لأتساءل : كيف يمكن للقصيدة أن تخدم وطناً؟ أو تحرَّرُ شعباً ؟ كيف يمكنها أن تنقذ طفلاً من براثن قنبلة عنقوديةأوتحمي شجرة ليمون أو منزلاً، من حقد دبابة أو صاروخ. أو تمنع حدوث مجزرة وقد حدثت فعلاً؟!!!!
في هذا البلد الأجنبي، الذي لايشبه أي بلدٍ أجنبيٍّ آخر.. القوّة الحقيقية في أمريكا تحديداً ليست في القصيدة إلاّ إذا تُرجمت إلى اللغة الإنكليزية أو كُتِبت باللغة الإنكليزية لتتحوّل إلى فعل مُقاومة حقيقي وتُقرأ أمام جمهور أمريكي يتأثّر بها ويؤثّر.
قبل انتخابات بوش للمرحلة الثانية، كانت لي مُشاركة شعرية ضمن معرض للفن التشكيلي لفنانات عربيات أمركيات أذكر منهنّ إلهام محفوظ التي اقتربت مني بعد قراءة قصائدي باللغة الإنكليزية وهي متحمِّسة والفرح يغمرها. سألتها عن السبب، فقالت: " أحد الأمريكان كان متأثِّراً جداً بالقصيدة وقرّر أن لايُصوِّت لبوش. لم أذكر بوش في القصيدة ، بل كنت أقف موقفاً إنسانياً ضد الحروب وويلاتها تلك التي كان ليد بوش اليد الطولى فيها. ربح بوش المعركة الإنتخابية ، لكنه سيرحل وسنبقى نحن !
- في حفل توقيع ديواني الأول ( خيول الضوء والغربة) خصصت عائداته لأطفال العراق عندما كان العراق تحت الحصار.
- في حفل توقيع ديواني الثاني ( أغنيات الروح) ، كان التبرع لأطفال فلسطين
- ديواني الثالث (ضوء بلادي) والرابع( إشتعالات مُغتَربة) سأخصصهما لأطفال لبنان وفلسطين في أي عائد مالي.

إنّ الأدباء والشعراء والمفكرين العرب الأمريكان في الولايات المتحدة بتعدد انتماءاتهم وأصولهم، يتعاطفون مع القضايا العربية الهامة ويتفاعلون مع الأحداث بشكل سريع. في كل مرحلة عشتها في حياتي هنا ، ومنذ بدأنا العمل في رابطة القلم العربية الأمريكية، بدأنا بإقامة الأمسيات الشعرية ، والندوات. أمسية شعرية أشبه بمهرجان شعري لدعم الإنتفاضة الفلسطينية عام 2000 .
وقبل الحرب على العراق 15 آذار عام 2003 شاركت الفنانونين التشكيليين العرب الأمريكان والأمريكان والشعراء الأمريكان في تظاهُرة من خلال نتاجاتنا الإبداعية ، لإحباط الهجوم على العراق. وكانت تدخل كلها ضمن فكرة إرساء السلام العالمي والعادل بين الشعوب.
وأرسلنا رسائل إلى أعضاء الكونغرس وإلى البيت الأبيض لوقف الحرب على لبنان. ومازلتُ ألحّ على السؤال: إلى أي مدىأجدى نفعاً كلُّ هذا في نهاية المَطاف؟!!
ومن المنظمات العربية الأمريكية البارزة في مجال الدفاع عن القضايا العربية و حقوق الإنسان، منظمة مكافحة التمييز التي كانت تنقل المتظاهرين العرب الأمريكان أثناء الحرب على لبنان بباصات نقل من ميتشغن إلى واشنطن ، ليقوموا بمسيرات سلمية أمام البيت الأبيض. لكن العلم الأمريكي لم يكُن مرفوعاً ، دليل على عدم وجود بوش داخل البيت الأبيض. لربما كان في نزهةٍ صيفية مع كلبه في كامب ديفيد !!!
صادف أن كنتُ في واشنطن قبلها بيومين فقط. تظاهرتُ لوحدي مع العائلة طبعاً. كان العلم الأمريكي مرفوعاً... كيف يمكن لعائلةأمريكية من أصل سوريّ أن تتظاهَر لوحدها مثلاً أمام البيت الأبيض؟!!
بحثتُ عمّن هو أقوى من بوش وصنّاع بوش ... رفعتُ رأسي إلى السماء وأرسلت طيور أدعيتي على الهواء مباشرةً كأقوى سلاح في تلك اللحظات! ....
وللكونغرس العربي الأمريكي في ميتشغن دوره السياسي الذي يحاول قدر المستطاع فتح قنوات عربية مع أصحاب صنع القرار في الولايات المتحدة للضغط عليهم بتغيير مواقفهم في الأوقات المناسبة.
أعمق إحساس تولّد لدينا أثناء العدوان على لبنان ، أنه علينا القيام بعمل أشبه بحالة إسعاف. الكلمة العربية لاتصِل لأحد . شيئان مهمّان يلعبان دوراً هاماً في أوقاتٍ عصيبة كهذه: المساعدات المالية والتحرُّك السياسي .
الأديب د. علي عجمي ( قنصل لبنان العام في ديترويت) وهو عضو بارز في رايطة القلم العربية الأمريكية، أقام بأكثر من ندوة تتناول قضية الحرب على لبنان وتقوم بتوعية الجالية العربية الأمريكية لخطورة إتخاذ المواقف السلبية التي تخدم مصالح العدو.
نادي بنت جبيل الثقافي الاجتماعي باشر بجمع التبرعات لصالح العائلات المنكوبة في الجنوب اللبناني ...
المجمع الإسلامي العربي الأمريكي قام بالشيء نفسه...
الجالية العربية بطاقاتها المادية والمعنوية والإبداعية، تحرّكت بشكل إيجابي أثناء ومابعد الحرب..
لاننكر دور بعض الصحف العربية الأمريكية – البيضاء- التي تُعنى بالشأن السياسي ، أثناء العدوان الأخير على لبنان. مثل مجلة السبيل الإخبارية السياسية التي يرأس تحريرها الأستاذ محمد جابر ، وجريدة صدى الوطن التي يرأس تحريرها الأستاذ أسامة السبلاني. وكلاهما تصدران في ميتشغن. وكذلك جريدة العرب التي يرأس تحريرها الأستاذ محمد كعكاتي وتصدر في كاليفورنيا.
وكرئيسة تحرير لمجلة ( صفحات مهجرية) الأدبية الثقافية التي كانت فصلية وتحوّلت مؤخراً إلى كتاب نصف سنوي، أجهّز فيها كل ماهو جديد من شعر وقصة ومقالة للعديد من أباء وشعراء وكتاب المهجر. وفيها الكثير من الشحنات الإنسانية التي أفرزتها الحرب وسطرتها أسطر أدباء المهجر لتخلد ذكرى رؤاهم ومواقفهم وأحاسيسهم وهم يقيمون في المنافي بعيداً عن أوطانهم.
انتهت الحرب ... ومعركة تحرير الشعوب والأوطان المقهورة والعقول لم تنته بعد.. مهمة الشعراء والمبدعين بشكل عام وأينما كانوا ، هي أن يكسروا الجمود اللاإنساني من حولهم ليحوّلوا إبداعهم إلى فعل مقاومة لاينتهي بانتهاء الحرب.

 

بما أنك تعشين مع الغرب
ما رأيك في المرأة الغربية وفي أخلاقها وأهدافها؟وهل هي سعيدة في حياتها؟

أعتقد لو وجِّهَ لي السؤال عن المرأة العربية أيضاً لما وجدتً له جواباً واحداً . السبب أنّ كل أسرة تعيش حياتها الخاصة وظروفها الخاصّة. تحمل من بيئة أسرتها التي نشأت فيها قيمها وأخلاقهاوعاداتها التي نشأت عليها. سأتحدّث عن المرأة الأمريكية تحديداً . لأنّ المرأة في الغرب ، في أوريا مثلاً ، مختلفة عن الأمريكية. وحتى المرأة الفرنسية مثلاً مختلفة عن الألمانية وهكذا....

أقيم في مدينة نسبة الأمريكان البيض فيها %99 . فما خبرته يختلف عما يراه العربي المقيم على بعد حوالي ساعة من مكان إقامتي مثلاً . حيث مدينة ديربورن العربية ونسبة عالية من السود يقيمون هناك في مدينة متداخلة معها وهي مدينة ديترويت.
المرأة الأمريكية بشكلٍ عام كما أراها من حولي، تهتم بنفسها وأسرتها وتعيش حياتها بحرية كما تريد . ألمس الكثير من الصدق والجرأة والصراحة التي لاتعرف حدوداً في تعاملها مع الآخرين. تعرف تماماً ماذا تريد. لبقة، نظيفة ، مرتّبة، محبّة للحياة من حولها. ولكنها لاتتحمّل أية أساءة من الآخرين ولاتغفر لهم مهما كانت صغيرة فيما يتعلّق بها أو بأولادها. تدافع عن نفسها بشراسة حتى من أقرب الناس إليها ، لاتتحمّل ولاتصبر على مضض أبداً . ولهذا السبب، نجد نسبة الطلاق في الولايات المتحدة عالية جداً. تعتمد على نفسها في تدبير شؤون حياتها سواءً داخل أو خارج المنزل. فلا يوجد تخصص هنا لأعمال الرجل أو المرأة هنا. يتبادلان الأدوارحسب ظروفهما الحياتية. سيما إن كانت من النساء العاملات. على فكرة، العديد من النشاء الأمريكيات اللواتي أعرفهن، سيدات بيوت لايعملن خارج المنزل للإهتمام بأطفالهن الصغار.
المرأة الأمركية تحب الحياة ، نشيطة تحب العمل، ليس لديها أوقات فراغ ، وظاهرة العمل الطوعي منتشرة بين النساء الأمريكيات وخاصة في المدارس والشركات والمستشفيات ... المجتمع يشجّع على ذلك والدراسة الأكاديمية تشجّع على ذلك أيضاً. وبشكلٍ عام ، المرأة الأمريكية سعيدة بحياتها. لحظات الحزن تتجاوزها بسرعة مهما كانت عميقة ومؤلمة فهي لاتدمّر حياتها. تبحث عن سعادتها وهي على الأغلب مادية ، تتجلى في العمل و السياحة والمتع الأخرى الحسية .

 

 

في رأيك ما الذي يمكن أن تحصل عليه المرأة من الحرية؟

أعتقد بأنّ مايمكن أن تحصل عليه المرأة من الحرية ، لاينفصل عن تحرُّر الرجل . كلاهما في خندقٍ واحد. ومايحصل عليهما الإثنان هو حقوقهما التي نصّت عليها الشرائع السماوية والقوانين الدولية من عهد حمورابي وإلى الآن. حرية المرأة من حرية الرجل وحقوقهما تُصان كلّما تحررا معاً بثقافتهما ووعيهما الإنساني والحضاري .

كيف كان من الممكن أن أكون معكم الآن أعبّر عن أفكاري ومشاعري ورؤاي كشاعرة لولا تلك الحرية ؟ !!!
ولو كنتُ في عهد الفرزدق مثلاً لقال لي كما قال لإحدى النساء وهي تقول الشّعر:
" إذا صاحت الدجاجةُ صياح الديك فاذبحوها" !!!!

من واجب المرأة كي تكون جديرة بحريتها ، أن تعرف مالها وماعليها. وكلما عرفت حقوقها المدنية والشرعية أكثر ، حصلت على حرية أكبر. وأيضاً مايمكن أن تحصل عليه من الحرية ، لايأتي من فراغ ، فالحرية مسؤولية ، وهي مسؤولة عن مجتمع بأكمله ، تماماً كالرجل. والأسرة هي خلية في هذا المجتمع.

وأمّا فيما يتعلّق بحصول المرأة على حريتها وفقاً للقانون الدولي، فقد نشرت المنظمة العالمية لحقوق الإنسان ثلاثين مادة في أكمل مجالات حماية الإنسان من كل أنواع الاضطهاد العرقي والجنسي والسياسي ...الخ.
لم تغفل المواثيق والإعلانات الدولية الخاصة بالمرأة وضرورة مساواتها مع الرجل ففي ميثاق الأمم المتحدة وردت أن شعوب الأمم المتحدة ألت على نفسها (أن تؤكد من جديد إيمانها بالحقوق الأساسية للإنسان وبكرامة الفرد وقدرة و بما للرجال والنساء ...من حقوق متساوية).
(تحقيق التعاون الدولي على حل المسائل الدولية ذات الصبغة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإنسانية وعلى تعزيز احترام الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعا والتشجيع على ذلك إطلاقا بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين و لا تفريق بين الرجال والنساء).
كما نصت المادة الثامنة من الميثاق على أن : (لا تفرض الأمم المتحدة قيودا تحد بها جواز اختيار الرجال والنساء للاشتراك بأي صفة وعلى وجه المساواة في فروعها الرئيسية والثانوية).
أما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فقد نص صراحة على المبدأ الأساسي في المساواة بين الجنسين :هو (جميع الناس يولدون أحرارا ومتساويين في الكرامة والحقوق) كما جاء في المادة الثانية : (لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات المذكورة في هذا الإعلان دونما تمييز من أي نوع).
ولهذا فان المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات تقررها المواثيق الدولية الخاصة ومنها العهدان الدوليان الخاصان بحقوق الإنسان. كما لا يجوز مطلقا أن يكون الاختلاف في الجنس سببا في تباين الحماية القانونية أو اختلاف أو إنقاص الحقوق, كما ليس من المقبول مطلقا حرمان المرأة من التعليم أو العمل مثلا بسبب الجنس وإتاحة كامل الفرص للذكور بحجة أن الذكر أقوى أو اقدر أو أكثر إدراكا من الإناث وهي مخالفة للالتزامات الدولية والقيم الإنسانية والتشريعات الأخرى.

 

 

هل تتمنين أن تكون أبنتك في المستقبل مثل المرأة الغربية في فكرها وحريتها؟

إنني أقيس مفهوم التربية والتعليم لبناتنا تحديداً ليس وفق مفاهيم شرقية أو غربية، بل وفقاً لمفاهيم وطروحات إنسانية تتناسب مع ثقافتنا التي هي مزيج من الثقافة العربية والثقافة الأمريكية، الحضارة العربية والحضارة الغربية.
أريد لابنتي أن تكون واعية تماماً للثقافتين ، وتختار أجمل مافيهما من قيم أخلاقية وثقافية وحضارية وإنسانية. أريدها أن تفهم معنى الحرية الحقيقي الجوهري الذي يصون كرامتها ووجودها كأنثى لها جذور عربية تفخر بها كجزء لايتجزأ من شخصيتها. وأيضاً تواجدها على الساحة الأمريكية حيث ولدت ونشأت وكبرت في هذه البيئة لتكون أيضاً مخلصة لأجمل مامنحته إياها تلك الثقافة الأمريكية من قيم جميلة أيضاً كالإعتزاز بنفسها كأنثى بعطائها وإبداعها الذي يظهر في مجتمع كهذا بوضوح أكبر وينمو بأرض صالحة لنموه.
أريد لابنتي أن تتمسّك بأصالتها العربية وهذا مانزرعه في أبنائنا هنا كي يكونوا فخورين بأوطانهم الأم. أرفض أن تكون ابنتي نسخة مكررة عن المرأة الغربية كتقليد أعمى أو صورة مشوّهة عن الصورة الأصلية. هذا لم يحصل على أية حال. فابنتي لمى مثلاً ، تبلغ من العمر 17 عاماً ، تكتب مقالاتها باللغة الإنكليزية مدافعةً عن جذورها العربية ودائماً هناك صبغة الحب للوطن الأم سوريا و لكل ماهو عربي...ودائماً تعود من سوريا متعلقةً بجذورها والبيئة الإجتماعية الرائعة متمنيةً أن تبقى هناك وإلى الأبد... ولها مواقفها الأنسانية والوطنية ضد الظلم ومع القضية الفلسطينية إلى أبعد حد. عازفة كمان موهوبة تعزف الموسيقى الكلاسيكية والموسيقى العربية الأصيلة .وتستنكر بل وترفض سماع ماتنتجه بعض الشركات العربية والغربية من تجارة الفن الهابط.


ما رأيك في هذه الكلمات؟

زادني الحجاب جمالاً
الحجاب شعار تحرير
الحجاب يوفر لي مزيداً من الحماية
الحجاب جزء مني من كياني
المرأة الغربية لاتعرف ما ذا تريد
هل فكرت يوماً في أرتداء الحجاب؟

* تعجبني جداً الفتاة التي تقوم بما تقتنع به وتعبر عنه قولاً وفعلاً. وفي هذا حرية أيضاً .
* أمّا إن كان الحجاب يوفّر لك المزيد من الحماية أم لا  فهذا مالاأستطيع الجزم به .
في رأيي، الحماية الحقيقية للفتاة، وأسمّيها الحَصانة، تفرضها درجة وعيها وثقافتها وأخلاقياتها أينما ذهبت تشعر بأنّ الآخرين يحترمون وجودها وتصرفاتها بأقوالها وأفعالها وجدِّيتها وثقافتها .
بهذا تحمي نفسها على ماأعتقد. آسف للقول بأنّ الكثير من الفتيات المحجبات وغير المحجّبات غير محصّنات من أمراض المجتمع ويتعرّضن للخطأ بسبب قلة ثقافتهنّ ووعيهن. بالطبع، اللباس اللائق أيضاً يلعب دوراً في فرض احترامها على الآخرين. وليس بالضرورة الحجاب!

*المرأة الغربية تعرف ماذا تريد . وتعمل وفق ما نشأت عليه في مجتمعها وعقيدتها من قيم وأخلاق مقتنعة هي بها.
* وعلى المرأة العربية أيضاً أن تعرف ماذا تريد وتعمل وفق ما نشأت عليه في مجتمعها وعقيدتها من قيم وأخلاق!

* لستًُ ضد الحجاب ولكني أيضاً لم أفكّر حتى هذه اللحظة بالإلتزام به.

 


أشم في كثير من نصوصك توجهات وتأثرات بالشاعر الراحل عبد الوهاب البياتي -
فما مدى تأثر إباء إسماعيل بعبد الوهاب البياتي ؟ ومن أية ناحية تأثرت ؟ وهل ينطبق كثير مما مر في حياة البياتي على بعض ما مرت به إباء إسماعيل ؟

 

كثيرة هي نقاط التلاقي التي تركت أثراً في ذاتي الشاعرة ، رغم أنّ معظمها سمات شعرية حداثية ، وهو أحد رواد شعراء الحداثة العرب ، لكنها في شعر البياتي كان لها وقعاً صاخباً عميقاً أسرني بتواتراته.

اللغة الشعرية:

تجلّت عبر الإنجذابات الصوفيةالتي تشكّل نبضاً واضحاً في عالمي الشعري ، واإستخداماته السوريالية التي مهما أمعن في غرابتها ولامعقولية العلاقات التي بين الكلمات والأشياء ، ظلت مشدودة إلى الجذر، الأر ض، الوطن ،و واقع الناس.


يقول البياتي:
" حيث من هذه الأرض ومن ناسها، تتفجَّر ينابيع الثورة"

ثيمة الغربة :
عاش البياتي سنوات طويلة في المنافي وقرأت أعماله الشعرية الكاملة وأنا في غربتي أيضاً فلامس نسيج شعره أصداء روحي .. شعرته قريباً .. قريباً
كنتُ أتحسس شعره بألفة غريبة أغنت تجربتي الشعرية ... شعرت به أباً روحياً في مسيرة السنوات الطويلة التي قضيتها في الغربة. وهاهو ذا يقاسمني رغيف الشعر و المنفى :

أهكذا تمضي السنون ؟
ونحنُ مِنْ مَنْفَى إلى مَنْفَى ومن بابٍ لبابْ
نَذْوِي كَمَا تَذْوِي الزَّنَابِقُ في التُّرَابْ
فُقَرَاء ، يا قَمَرِي ، نَمُوت
وقطارُنا أبداً يَفُوت

وهذا الوتر الحزين ، لامس شيئاً خفيّاً في ذاتي الشاعرة ، هو جزء أصيل من تركيبتها ،

ثيمة الطفولة:

في ديوانه الأول ( ملائكة وشياطين)، نرى مرادفات الطفولة بمعانيها التي تجلت بالطهر والبراءة
وفي مجموعته الشعرية الثالثة ، (المجد للاطفال والزيتون) يرد استخدام مفردة الطفولة بدلالاتها وابعادها النضالية، فالطفولة رمز لكل الاشياء النبيلة والجميلة، والشاعر عندما يخاطب بغداد يصفها بالطفلة العذراء.
والقارئ لشعري يلمس الكثير من التجلّيات الطفولية وبتعدد معانيها.

حينَ غفوتَ كنورسةٍ‏
بيضاءَ‏
على كتفيْ‏
حملتني الموسيقا،‏
مثل ملاكٍ يْسرقهُ‏
سرُّ طفولتهِ‏
ونشيدُ مداهْ!...‏
يا وطني الهاربَ،‏
من نبضات القلبِ‏
إليْ..‏


النفحة الصوفية : قرأت الحّلاج وتأثرت بنفحاته الصوفية حتى قبل أن أقرأ السيرة الذاتية للبياتي بتأثره بالحلاج.. وكأنه يقرأ ملامح ذاتي الشاعرة بالتعبير عن تجربته هو لكأنّه أنا !
يقول البياتي:

"فغذائي الروحي، الذي كان يحيا عليه شعري ولا يزال هو نقاط الضوء المتناثرة سواء في الكتب، لأن الكتب هي خلاصة التجربة الانسانية، او الحياة نفسها بما تدخره من تجارب عميقة، او في رؤيتي الشعرية الصوفية ــ ان صح التعبير ــ ليس بالمعني الديني، بل بالمعنى الكوني الانساني..."

ومن رؤى البياتي :
"ان التراث الحقيقي هو القادر علي ان يمتد فينا من الماضي الى الحاضر، وكل تراث ليست له القدرة على هذا الامتداد فينا ليس تراثا بل هو عفن قبور واوراق صفراء في الريح، وكلمة تراث عندي لا تعني التراث القومي وحده، فهذه نظرة ضيقة وغير علمية وشوفينية، وانما التراث هو خير ما اثمرته الانسانية جمعاء في شتي العصور والبيئات الحضارية.."

وكان بحق شاعراً يستحق الخلود رغم ماقيل وماسيقال !
فأهديت روحه قصيدتي " من جذور النخيل" وهذا مقطعها الأخيرا:

مَنْ يقولُ:‏
يعيشُ الأملْ؟!...‏
ها هنا شاعرٌ،‏
منْ منافي الغضبْ‏
صوتهُ الحرُّ فجْرٌ،‏
تسامى إلى قمّةٍ‏
والقصائدُ بوحُ القصبْ!....‏
فاعْصفي يا رياحَ القصائدِ‏
دكّي جبالاً من القْهرِ‏
والظلمِ‏
والمهزلهْ..‏
واسْطعي شْعلةً،‏
في مدى روحهِ الذاهلهْ..‏
هل تراهُ يقولُ:‏
اذرفوا ورْدكمْ‏
كلماتٍ‏
على قامتي الراحلهْ؟!...‏
أم يقولُ: هو الشعْرُ‏
والحُبُّ‏
والزّهرةُ الماثلهْ؟!‏
فاقْطفوا شمسكم،‏
منْ فضاءاتهِ‏
واسطعوا في منافيهِ‏
نوّارةً مُقْبلهْ!!..‏


اسمحي لي ان أسال بنت حلب الشهباء .....ماذا حملت معها من حلب الى شيكاغو؟ ...وماذا حملت من شيكاغو الى حلب ؟ وهل بقي لأبي فراس من أمل في هذه الأيام ؟ أم أنه سيرسف في قيده بعيدا عن وادي الشاغور؟

- أبو فراس الحمداني حملتُه في الـ سبعة عشر عاماً الأولى من حياتي تلك ...
أخذتني بعدها قوافل السفر من محطةٍ إلى أخرى ...
بقيت حلب عروس المدن ..
عاصمةً للثقافة العربية والإسلامية ...
الأصل والجذر والفروع ومنابت الشعر الأصيل التي لاتُمحى ...
أخذتها زوّادةً من شعرٍ وحلمٍ وطفولةٍ نابضةٍ بذكرى أوّل قصيدةٍ كتبتها وخبأتها فوق السطوح وأنا أتساءل : هل هذا هو الشّعر؟ .. وهل حقاً أنا شاعرة؟!!!
مامن أحدٍ كان يرد على تساؤلاتي
بينما كان أبو فراس الحمداني يحلِّق فوق رأسي عالياً ...
يدعوني لأن أرفع رأسي عالياً أيضاً
قال لي :

أمـا إنه ربـع الصبـا ومعالمـه

فلا عذر إن لم ينفذ الدمع ساجمـه

لئـن بت تبكيه خـلاء فطالـما

نعمـت به دهرا وفيـه نواعمـه

رياح عفته وهي أنفـاس عاشـق

ووبل سقـاه والـجفون غمائمـه

تركتُ حلب ودمشق واللاذقية والبحر والـــ
تركتُ جميع الشواطئ العربية آه ...
إلى أمكنةٍ بلا شواطئ
وإلى أزمنةٍ فقدتُ فيها طعم الزمن .. وحرارة اللقاءات المستحيلة

شيكاغو ...
مدينةٌ حيادية لاأحبها ولاأكرهها
أعرفها بمتاحفها ...وبعض مومياءاتها المسروقة!!
ببرجها( سيرز) .
الذي كان يوماً أعلى برجٍ في العالم
بشعوذة أضوائها الليلية

شيكاغو لم تعلّمني الشّعر
لم تمسك بيدي إلى حلم يوصلني إلى ذاتي الضائعة
إلى وطنٍ دافئ يقيني ثلوج الغربة

وتسألونني
أيهما أجمل ؟!!!
حداثة شيكاغو أم شموخ حلب وأصالتها
أبو فراس الحمداني أم جيميس ميريل ؟؟؟
الخنساءُ أم أدريان ريتش؟...

لكم أن تقرأوني شعراً ونثراً و ..
إشارات استفهامٍ وتعجُّب كثيرة
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
!!!!!!!!!!!!

مارأيك في القصة المترجمة ، وقربها وبعدها عن أهدافنا ومبادئنا ، ومادور المُتَرْجَم العربي ، وهل بلغ حدّ المنافسة ؟

القصة المترجمة فتحت آفاقاًَ واسعة أمام القارئ العربي، وخاصة ً روائع الأدب العالمي والأدباء العالميين مثلاً إرنست همنغواي وألكسي تولستوي و دوستويفسكي ، شيكسبير ، غابرييل غارثيا ماركيز وغيرهم .... لقد نشأنا على قراءة هذه الروايات المترجمة الراقية وفتحت آفاقاً خصبة أمامنا وأغنت فيما بعد تجربتنا الإبداعية. ، والخطورة هو عندما تقع عين القارئ اليافع على روايات اباحية مثل روايات ألبرتو مورافيا المترجمة. هذه تشبه وضع القارئ الشاب في بيئة موبوءة يدمن عليها كالمخدرات تماماً . للأسف ، هذا مايحدث الآن في كثير من القصص المترجمة إلى العربية. تدخل كل الأوبئة الإجتماعية بل والسياسية أيضاً من ذات النافذة. خطورة تبني أفكار غربية محضة ، وبالتالي، لفظ كل مانشأ عليه القارئ الشاب في بيئته ومجتمعه وثقافته.
دور المترجم العربي هام جداً لايقتصر على ترجمة أي كتاب أو أي نص، أو حوار أو لقاء صحفي مما تتطلبه الترجمة الفورية . على المترجم العربي أيضاً أن يتوخى الدقة والأمانة في ترجمة النص الذي ينقل إليه. وإن كان يترجم كتباً ، فعليه اختيار الكتاب الهام الذي يغني المكتبة العربية والمجتمع العربي. هناك كتب بالغة الخطورة ، قد يؤدي ترجمتها إلى إفساد جيل بأكمله تلك التي تحاول تطبيق الفكر الغربي على المجتمع العربي مبطنةً بكلمات تحت شعر الحضارة والعولمة والحرية والديمقراطية. أنا مع كثير مما تقدمه المعاصرة من إنفتاح على شتى الثقافات والحضارات ولكن بوعي . على المترجم أن يقدّم ثقافة الآخر دون إلغاء ثقافته لأن هذا سيؤذي الجيل الجديد من القراء. دور المترجم العربي لايقتصر على مبدأ : أترجم ما يحلو لي . هذه مهنتي . وأنا غير مسؤول بعد ذلك عن النص المترجم . يجب أن لايحوّل المترجم العربي دوره الثقافي الهام إلى تجارة رابحة!!!
أنا غير قادرة على أن أجزم فيما إذا بلغ المترجم العربي حدّ المنافسة أم لا، ولكن أقول بأنّ الأقيال على الترجمة ليس في مجال القصة فحسب، بل في كافة ميادين العلوم والأداب ، كبير . وخاصةً المترجمين المقيمين في الخارج ، الذين يتواصلون مع ثقافة البلد الأجنبي الذي يقيمون فيه بشكلٍ كبير يصل في كثير من الأحيان إلى حد التنافُس


للاطلاع على بقية الحوار المطول  مع الشاعرة إباء إسماعيل
اضغط هنا:




  أرشيف تحقيقات صحفية

اطبع الموضوع  

Home