خاطرة

 

سنيب يا صديقي

خالد العلوي



سنيب يا صديقي ، كلما أشتد الحر
اشتدت النار في قلبي ، وكلما صفّرت الرياح ،
صفّر الهواء في قلبي ،
ويوم أعثر على شتاء ٍ واحدٍ يا صديقي
يجيء طيفها بلا تردد ليلقيني في صيفه ،
ويوم أعثر على منفذ ٍ واحدٍ يا حبيبي
يأتي كبرياؤها بلا ترددٍ ليخرجني من بيته
سنيب يا صديقي ، ليس مهماً أن أتوسلَ إليكَ لتتوسط لي عندها الآن
وليس مهما ً أن أتوسل " لهاجريد " وللحبيبة ِ لونا فقد فات الأوان
ليس مهماً يا صديقي ، ليس مهما ً ، فما يهم قلبي الآن ،
أن يردمَ بالتراب
وما يهم حماقتي الآن أن تخلّد في العذاب
وما يهم رعونتي الآن أن تنبحها الكلاب
ما يهمني حقا ً يا صديقي ، أن احترقَ عوض قماش المقاعد
وأن أسقطَ عوض الكبائن والمصاعد ،
وأن أعتذر دون عوائد ٍ وفوائد
ما يهمني حقاً يا صديقي ، أن تعلم هي أني حين قصفتها ،
قصفتها دون قواعدْ ،وأني حين أحببتها ،
أحببتها دون سواعد ،
لم أكن يا صديقي إرهابياً ولا سفّاحاً ، لكني كُنت سمكة
أرادت أن ترجع إلى البحر .



سنيب يا صديقي لقد هزمني الزكام ْ
واجتاحتني الحمّى ، وأضناني الظلام ْ
ويوم عثرت ُ على طبيب ٍ واحد ٍ يُبعد عني كل هذا الجذام ،
ضاع الطبيب في الزحام ْ !!
سنيب يا صديقي ،
ليس مهما ً أن أخرجَ الآن بنصفِ فم
أو أن أعود بنصفِ أصابع ،
صدّقني أيُها الصديق
حين نخسر القلب والروح والعظام ،
يخسر الفم مثلنا اللسان والحروف و الكلام ْ
سنيب يا صديقي ، لا فائدة من الحديث
ولا فائدة أن نحتج أننا نخطئ لأن أصابع أخطائنا طويلة
ولأن أظافر حماقاتنا طويلة
لا فائدة أن نبرر لها أن حبها يأمرنا أن نكون فنكون
لا فائدة أن نشرح لها أننا لم نقصد أن نكون ،
فهل علمت هولندا أنها ستكون أماً للتوليب
هل علمت ألمانيا أنها ستكون حضنا للعنب ْ
هل علمت أسبانيا أنها ستكون مقبرة للثيران ْ
نحن لا نعلم أيها الصديق ،
ولا نريد أن نعلم غير هذا التعتيم ْ ،
فـ قد ضجرنا البحث عن الأشياء ،
كما مللنا التعليم ..



سنيب يا صديقي ،
بعد أن دخلنا موسوعة جينس للجرائم العاطفية
ينبغي أن لا نشعر بأي سوءٍ حين نتجاوز الإشارة الحمراء
ويجب أن لا نشعر بأي وخز ٍ ،حين نصدم الأموات والأحياء
فبعد أن أصبح حبنا ناسكا لباسه الخطيئة
وإماما ً صلاته الرذيلة ، لم يعد ينفع أن نخاف من البلل
ولم يعد يجدي أن نخاف من الغرق ،ولم يعد يصلح أيها الصديق
أن نخشى هذه الغابة من الصمت ِ المخزي
ونحن فراؤنا الفضيحة ْ



سنيب يا صديقنا المشترك ،
لن أخترع رسالة حُبٍ لم تُكتب
ولن أخلق شتلة ورد ٍ لم تُخلق
لكنّي أيُها الصديق المشترك ، أحاول أن أصنع َمن عذري حقيبةً بيضاء
وأحاول أن َّأخلقَ من ندمي زهرة حمراء

أحاول حين أتكلم أن لا أفقد الجواب
وأحاول حين أتألم أن لا أخسر العذاب ، أحاول حقا ً أيها الصديق المشترك ،
أن لا أراهن الآن على عظمي ، كما راهنت على الثياب ْ



سنيب يا صديقي ، أُريدُ أن أستريح
فخبّرني كيف َ وأين َ ومتى أستريح
وأُريدُ أن أصبحَ ريحْ
فعلّمني مَتى وأين َ وكيف أُصبح َ ريحْ
أُريد ُ أن أُصبحَ معدوما ً من الوزن ِِ
أُريد ُ أن أصبح زيح ْ
أُريد أن أصبح َ خفيفا ً كريشة ٍ طردتها الكنيسة
ولعنها المسيح ْ
أُريد ُ يا صديقي أن أتجاوزَ هذا الفسيح
أُريد ُ أن تحجزَ لي ّ أي قبر ٍ خارج الدُنيا ،أحجز لي أي حُفرة ٍ على الزهرة ،
أو أحجز لي أي موت ٍ على المريخ ْ


سنيب يا صديقي ،
تعبت ُ من الحلول التي لا تتركني أنام
وتعبت ُ من السهول التي لا تقطعني لأنام
وتعبت ُ من السكاكين التي تقتلني ولا أنام
تعبت من المراكب ِ ومن الموانئ ومن الأرق ِ الحلال
والأرق الحرام ، تعبت ُ من هذا الحزام
وتعبت ُ من هذا الزحام ْ
وتعبت ُ من هذا الكلام ُ ، فعلّمني كيف أحول جسدي إلى عدم ٍ نساه الصباح
وطواه الظلام ْ

علّمني .

 

 

خالد العلوي

أديب وناثر عماني




  خواطر سابقة

اطبع الموضوع  

Home