مقال

 

النبأ العظيم والفعل العظيم

خالد العلوي



بقلم : خالد محمد العلوي


 


لعلّ فعل نبي الله نوح حين أطلق غرابا من سفينته ليبحث عن أرض قريبة يرسو عليها ، يشبه ما يمارسه بعض المصلحين حين يطلقون غربانهم للبحث عن أرض جديدة ورؤية جديدة وفكرة جديدة ليرسوا عليها .

إلا أن الفرق بين سفينة نوح وسفينة المصلحين ، أن الأولى نجت ، و الثانية لا زالت تتأرجح بين نجاة وغرق.

كان الفراعنة قديما يأتون بعروس النيل ويزينوها ويجملونها ثم يلقون بها بعد ذلك في البحر لتموت ، هذا بالضبط ما فعله بعض المصلحين و القادة والمخططين التي رست عليهم مصالح الأمة وعزّتها وكرامتها ، هذا بالضبط ما فعلوه جمّلوها وزينوها ثم ألقوا بها في البحر لتموت وتموت معها كل الأمة.

والسبب في موت تلك الأمة غالبا يعود للمصلح نفسه أياً كان نوعه ، فلا دخل للفراعنة هنا ولا دخل للبحر ولا دخل للغربان ، ولكن السبب نصفه وأكبره هو المصلح نفسه .

فيهم صنف عنده الحل وعنده النظرة الثاقبة وعنده العلم كله وعنده الحشد الكبير الذي يدعمه ويدعم خطاه إلا أنه يسوق الحشد ونفسه إلى الهلاك لأنه أراد زينة الحياة الدنيا .

وفيهم صنف عنده كل المقومات التي تجعله يغيّر كيان أمة إلا أنه أجّر عقله وعقل زبانيته للشيطان وشهوة السلطة فانتهى إلى ما انتهى إليه صدّام .

وفيهم صنف خبير ، عليم ، حكيم ، ذكي ، لمّاح ، إلا أنه ملول ومتذمر وليس عنده صبر ولا جلد ولا جماعة تدعم مسيرته أو تدفع عنه الأذى ، فتجده دائم القول " ماذا أستطيع أن افعل وحدي " أو يصرخ : " لا أستطيع أن أقاوم كل هذه الرياح العاتية وحدي " فيسلّم نفسه لليأس فيفشل .

وفيهم صنف باع نفسه وإصلاحه وعلمه للفئة الباغية ، فتجده سلّم دينه ودين عقله للتعصب والطائفية والقبلية فيكون كما كانت عليه الجاهلية الأولى ، متعصبا لبني قومه ، متشددا لأفعال بني زمرته حتى وإن كانت أفعالهم وأقوالهم تحمل الهلاك للمجتمع والناس والأمة .

وفيهم صنف خبير ، عليم ، حكيم ، مثابر ، نشيط ، يعمل دون كلل أو ملل ويتحمل الأذية ويتحمل المرارة ، ولا يتذمر ولا يشكو ، ولا يسأل عن طائفية ولا عصبية ولا قبلية بل يسأل عن الله ثم الإصلاح ، لا يهتم لكلمات المحبطين ، ولا لسخرية العابثين ، يعمل بصمت وإصرار بجماعة وبدون جماعة ويصل لهدفه الذي أراد وحلمه الذي أراد .




كل ما ذكرته أعلاه هو مقدمة لهذه الفئة بالذات ، الفئة الأخيرة ، التي لا تستصغر نفسها ، ولا تستقل بحجمها ، والتي لا تدع للطائفية والقبلية بابا تدخل منه الفتنة، الفئة التي ترى أن الرقم واحد يستطيع أن يغيّر المليون ، يستطيع أن يقلب المعادلة لصالحه وصالح أمته ومجتمعه ، هذه الفئة النادرة هي الوحيدة القادرة أن تحدث التغيير وتصيبه .

رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله وسلم كان وحده حين وقف بين ظهراني القوم في مكة معلنا الدين الإسلامي " العظيم" كان وحده واقفا بين أشد المتعصبين والقبليين والمنتهكين للإنسانية والفطرة ، كان وحده حين أعلن عن مبادئ هذا الدين القويم ، كان وحده حين واجه الجاهلية والهمجية كلها ، لم يهب ولم يتراجع ولم يسأم ولم يقل " ماذا استطيع أن أفعل وأنا وحيد " ، هذا الوحيد صنع حضارة لم ولن تقوم مثلها ، صنع حضارة عمرها تجاوز الألف سنة بالعمل والإيمان والإصرار والمثابرة ، وكان وحده .

الفلاسفة حين ظهروا ليقولوا للعالم " من أنت " و" كيف أتيت " و " متى " و" من نحن " ولينظّروا للحكمة وليبشروا بما وراء الكون ووراء النفس الإنسانية من أسئلة وإجابات كانوا وحدهم ، كانوا وحدهم حين وقفوا واحدا تلو الأخر والعالم كله يرميهم باللعنات والرصاص والسهام والخناجر ، لم يقولوا " ماذا نستطيع أن نفعل ونحن وحُدنا " .

إن الذي يحمل رسالة والذي يحمل علم والذي يحمل مبدأ والذي يحمل مهمة لن ينظر إلى الوراء ولن يتخاذل ولن يتذمر ولن يسأل ولن يستصغر نفسه ولا حجمه بل سيركب الموت إذا كان فيه تحقيق لغايته ، كل الأنبياء و العلماء و المصلحين الذين أحدثوا التغيير في مجتمعاتهم ضحوا بحياتهم كلها من أجل التغيير من أجل رسالة و علم و مبدأ ومهمة أبدا لم يسأموا ولم يتذمروا ولم يقولوا نحن فرادى ولا نستطيع أن نفعل شيئا ً .

إليكم نبي الله صلوات الله عليه وعلى آله وماذا فعل وهو الرجل الفرد ، إليكم جميع المصلحون مثل ابن خلدون ومالك بن نبي والعلماء مثل الفارابي وابن النفيس وما فعلوه ، إليكم بالفلاسفة إليكم بسقراط و ابن رشد, إليكم بكل الذين وصلوا إلى الحد الريادي في " الإبداع والتفرد والإصرار " ماذا فعلوا وهم فرادى ، غيّروا العالم يا سادة غيّروه بالإيمان والصبر والمثابرة ، غيّروه حين جعلوا العالم أجمع يلتفت إليهم وإلى عملهم وإصرارهم وإلى الرسالة العظيمة التي يحملونها ، غيّروه لأنهم آمنوا بما حملوا قبل أن يؤمن به الناس ، غيّروه لأنهم عملوا دون أن يتركوا الفرصة للغضب أن تنال منهم أو أن يدعوا سخرية قوم نوح تنال منهم ، غيّروه لأنهم لم يقولوا كما قال المتخاذل غيرهم " لا نستطيع أن نفعل شيئا ً " بل كانوا مؤمنين أنهم يستطيعون أن يغيّروا العالم كله بإرادتهم وعملهم ،لم يستسلموا للفشل ، ولم يتركوا فرصة لفأس اليأس أن تحطب أمانيهم وتحصد أهدافهم .

آينشتاين عبقري العالم في الرياضيات ، سمع من السخرية والتحقير ما لم يسمعه غيره من العلماء ، حيث كان معلّمه ينعته " بالحمار "بسبب سقوطه في مادة الرياضيات لثلاث سنين متواصلة ، هذا الحمار غيّر العالم كلّه بنظرياته وقواعده الرياضية ، لم يستسلم للفشل ، ولم يستسلم لكلمات معلمه المحبطة ، ولم يلتفت للضاحكين من حوله والساخرين من طريقة أدائه ، بل شق طريقه حتى جعل العالم كلّه يقف صفا واحد ليصفق لهذه العبقرية المتفردة .. وكان وحده .

إذاً ليست المجموعة من تحمل المجتمع على التغيير فقط كما يتصور البعض أو تحدد التغيير من عدمه ، فالمجتمع يستطيع أن يغيّره فرد ، فردا ً واحداً فقط ، رقما واحد يستطيع أن يهزم المليون ويغيّر المليون ويغيّر الأمة .

عملية التغيير تبدأ من فرد سواء كان نبي ، مصلح ، عالم ، مفكّر ، فيلسوف ، وتنتهي بمجموعة تؤمن برسالة النبي ، أو بعلم العالم أو بفكر المفكر ، أو بحكمة الفيلسوف وتتكامل معه ومع أهدافه النبيلة وأحلامه العظيمة لتحققها ، وكلما زاد عدد المؤمنين بالهدف والغاية زادت نسبة التغيير وزادت نسبة التحقيق .

السادة ،السيدات ،التغيير يبدأ من الأسفل ، وليس من الأعلى كما يتصور البعض ،كل ما في الأمر أننا حتى نصيب التغيير نحتاج لحسن التدبير والتروي ، وللصبر والحكمة والإيمان بما نريد عمله وتغييره ، نحتاج إلى وضوح الطريق ونضوج القناعة ، نحتاج أن نعمل سواء كنا فرادى أو جماعة بجد وهمّة وتكامل وتكاتف ، نعمل كما تعمل حبّة الرمل في قواقع اللؤلؤ بهدوء وصبر ، نعمل مثلها لسنوات وسنوات دون كلل أو ملل في سبيل تحقيق مهمتنا ، وبعد سنوات من العمل والمثابرة سيكافئنا الله إن شاء الله بأن يجعل عملنا يثمر النتيجة الطيبة والتغيير الطيب المطلوب ،كما كافئ حبة الرمل حين جعل عملها الدؤوب يثمر التغيير الجذري حين تغيّرت حبة الرمل تلك إلى لؤلؤة قوية وصلبة وبرّاقة ومتكاملة
 
وثمينة
 
 
خالد العلوي
أديب عماني




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home