مقال

 

مدينة القمر

طه الفيتاني




 مدينة القمر
 
 طه الفتياني

  لا أرى سبباً واحداً للعنة التي أطلقتها التوراة على أريحا، أرضاً وبشراً وكائنات، إلا أن اليهود شعب يكره الجمال والخضرة، ففي أريحا تتجسد البركة  والخصب وكل المعاني الجميلة. لا أتخيل أن يجوع إنسان يقطنها، أو أن يشعر  بالظمأ، فأريحا قطعة من الجنة أقتطعت من السماء، لتكون نموذجاً يجسدها على  الأرض.
 
أتخيل أريحا في كل قصيدة لوردزورث أو كوليردج أو شيلي أو أي شاعر من شعراء المدرسة الرومانسية، فلو قدّر لعشاق الطبيعة هؤلاء، أن يطّلعوا على كنوز الطبيعة المتوفرة في بطاحها، لما ترددوا لحظة في أن يسكنوها، ولقرأنا عشرات  القصائدالجميلة التي تتحدث عن سهولها وينابيعها وهضابها.
 
 لقد رأى الإنسان الأول قيمة هذه المدينة الجميلة، فأقام عليها أول مدينة في  التاريخ، فيما فشل اليهود في أن يروا أي شيء جميل فيها، فأحرقوها وقتلوا كل  مظهر للحياة عليها؛ في هذه المدينة الرائعة ظهر أول مجتمع مدني على وجه الكرة  الأرضية، وما على المرء إلا أن يحفر بضعة أمتار في أي بقعة من بقاعها  الخضراء، ليكتشف صفحة مشرقةً من صفحات تاريخها المجيد.
 
 تقع مدينة أريحا على بعد عدة كيلومترات من نهر الأردن، الذي يسمه أهلها  "الشريعة"، على مسافة قريبة من البحر الميت؛ الذي يعد أخفض نقطةٍ على سطح  الأرض، فهي من مدن غور الأردن الذي أشتهر بخصوبته من قديم الأزل، وأريحا درة التاج فيه.
 لقد عرف الإمبراطور الروماني يوليوس قيصر قيمة هذه المدينة، كما عرفتها أنا  وعرفها الإنسان الأول، فكانت هديته التي حاول أن يتقرب بها إلى الملكة المصرية الجميلة كيلوباترا، فقبلتها فرحة مستبشرة.

أريحا مدينة معطرة، تدخلها فتشعر بعبق أشجار الحمضيات، التي تغطي نسبة عالية  من أراضيها، والبرتقال والموز مرتبط باسمها. لم نكن نشعر كأطفال عندما كنا  نتجول بين بياراتها، أو في براريها أو على هضابها، بأننا بحاجة إلى تناول أي  أكل، فلم تكن مفرداتٌ كإفطار أوغداء أوعشاء متداولة بيننا؛ كنا أبناء  الطبيعة، نقتات على ماتوفر من ثمار وأعشاب، ولم نكن نعرف زيارة الطبيب
مطلقاً؛ أقسم بأنني غادرت أريحا وكان عمري اثنا عشر عاماً، ولم أتذكر أنني زرت الطبيب أكثر من مرة أو مرتين.
أذهب كثيراً إلى البحر الميت وأرقب حبيبتي من بعيد، أشاهد جبالها التي  تسلقتها مرات ومرات، في رحلاتي الطفولية إلى ديرٍ قديم لا أذكر اسمه، محفور  على صفحة وادي "الكلت"، في منطقة جبلية وعرة، وإذ نسيت لا أنسى أول مرةٍ  شاهدت فيها هذا الدير، لقد شعرت برهبةٍ طفولية، حيث غطت القشعريرة كل أجزاء  بدني الصغير، لا يمكن أن أنسى هذا الشعور ما حييت. أنظر إليها من بعيد،  تغرورق عيناي، أوشك أن أبكي، فتصاحبني الحسرة والكآبة عدة أيام.
 أعشق هذه المدينة، وأتمنى أن أعود إليها مهما طال الزمن، فقد ولدت في أحد  مخيماتها، وتعلمت في أزقتها وحواريها معنى كلمة وطن، وتدربت على يد شباب مخيماتها النضال وحب الوطن، فقد كانت هذه المخيمات جامعاتنا التي علمتنا التعلق بفلسطين والتشبث بحقنا في كل ذرةٍ من ترابها الطاهر، ورفض التفريط بأي  شبر منها، تحت أي دعوى أو ضمن أية مسميات.
>
 طه الفتياني 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home