القلم النقدي

 

الشيطان في نفسي (نبيل عودة)

الدكتور محمد خليل




مراجعة نقدية

الشيطان الذي في نفسي (قصة الكاتب نبيل عودة)
بقلم الدكتور محمد خليل
 

كانت العرب تعتقد أن لكل شاعر شيطانا، يوحي له أفكاره، ويلهمه نظم أشعاره، وكان يقول أحدهم في آخر: شيطانه أنثى وشيطاني ذكر! وقد اعتاد الأدباء والنقاد العرب أن يطلقوا اسم الجن، وأحيانا الشيطان، من وادي عبقر، كثير الجن، وذلك من باب استحضار ربة الشعر، أو ملكوت الشعر، بالنسبة لكل شاعر وشاعر
من المجموعة القصصية التي تحمل العنوان ذاته ((الشيطان الذي في نفسي)) تأليف الكاتب نبيل عودة، وتقع في 222 صفحة من القطع الكبير، وهي صادرة عن قسم الثقافة العربية، الناصرة، 2002.
للكاتب إسهامات إبداعية، وجهوده ملحوظة وعديدة، في إنتاج وصياغة حركتنا الأدبية المحلية، وله العديد من الإصدارات: القصصية والروائية والمسرحية، والمقالات والمراجعات النقدية، في الأدب والثقافة والسياسة. فله منا تحية مودة وتقدير، مع تمنياتنا له بالمزيد من العطاء والإنتاج الإبداعي، ودائماً إلى الأمام.
تعرض تلك المجموعة القصصية لموضوعات متعددة، تلامس مختلف جوانب حياة المجتمع والناس، ومنها: الاجتماعية والنفسية والثقافية والسياسية، لكن أكثر ما يميزها، أنها ليست فنية أدبية فحسب، بل إنسانية وواقعية بالدرجة الأولى. فهي تنبع من صميم واقع المجتمع وحياة الناس. ويحسب القارئ، أن تلك ميزة بارزة فيها، وهي سمة قلما تفارق أدبنا المحلي، إذ تكاد تلازم معظم ألوانه تقريباً. وقد أظهرت بعض تلك القصص، من خلال موضوعاتها المطروحة، كما يبدو، تأثّرا بالأدب العالمي لا العربي فحسب. ومثال ذلك قصة ((الدرجات)) التي تحاكي، من حيث فكرتها، أسطورة سيزيف.
يُشار هنا، إلى أن احتفاء المجموعة القصصية، في غالبيتها العظمى، كان منصبا على الواقع، الذي جاء على حساب الخيال، فيما ظهر الأخير مهمشا وحييا، إلى حد كبير. في المقابل، أبدى الكاتب سعة في الثقافة، وغزارة في المعرفة والخبرة، لاسيما في مشكلات المجتمع وهمومه التي يعرض لها، وبالذات ما يسود فيه من أعراف وعادات وتقاليد بالية، ما زالت تثقل كاهل المجتمع، وتحول دون تطوره وتعيق تقدمه، إنه يعي جيداً ما يدور من حوله أو يحيط به، كما يتجلى ذلك في قصص المجموعة.
يُقدّم الكاتب تلك القصص بأسلوب ممتع، حتى يتمكّن، كما يبدو، أن يبلّغ رسالته إلى أكبر قدر ممكن من الناس، كما يلحظ القارئ أن أكثر ما يغلب على تلك المجموعة القصصية، أسلوب السرد المباشر، بلغة ضمير المتكلم أو الغائب، وقد توسعت في التفصيل في عرض الأحداث ووقائعها، لدرجة أنها كانت تصل، أحيانا، حد الشفافية والصراحة والجرأة، وفي الوقت نفسه، تشف عن نقد بناء، يضع الإصبع على الجرح، دون مواربة أو مداهنة، كما أنها تغوص في أعماق شخصياتها، كشفا وتعرية لها على حقيقتها، تماما كما هي، أمام القارئ.
وتشتمل المجموعة على مخزون كبير، ومشبع بالمفردات والتعابير الأدبية، التي برزت من خلال أحداث ومضامين مثيرة ومؤثّرة، كذلك، تشعرك القصص ببساطتها، فهي قريبة منك وأنت قريب منها، ربما يعود ذلك إلى أنها جاءت مطعّمة ببعض الأمثال الشعبية، واللهجة العامية، بَلْهَ أنها تلامس حياة الناس وهمومهم. فالأدب، في نهاية المطاف، ليس مرآة المجتمع أو الكاتب فحسب، بل ومرآة نفس كل واحد بيننا، وهو ما يذكرنا بعميد الأدب العربي الذي أجرى حوارا متخيّلاً بين كاتب وقارئ، على النحو الآتي " قال أحد الكتّاب لبعض قرائه: أي الكتب أحب إليك؟
قال القارئ: الذي يعرض عليّ صورة نفسي.
قال الكاتب: فإن عرض عليك صورة قبيحة؟
قال القارئ: إذاً أعلم أنه لم يُرد إلى تصويري، وإنما أراد إلى تصوير غيري من الناس! " (طه حسين: جنة الشوك ، ص118).
العنوان أولاً، يعدّ عنوان الأثر الأدبي، وكل أثر فني آخر، طرف الخيط الذي يمسكه القارئ حال التقائه به أو تماسه معه، للمرة الأولى. ثمة تسميات كثيرة، تحمل سمة الأولية في ترتيبها، يمكن أن نصف بها العنوان، منها: نقطة التماس، أو إشارة المرور، أو الشرارة، أو العتبة (وتعني من بين ما تعنيه المكان المقدّس أو الدرجة الأولى)، أو المِفتاح، أو نقطة الاستطلاع، على طريق العلاقة ما بين المتلقي والنص، وذلك قبيل بدء المتلقي رحلته الاستكشافية، في رحاب النص، والتفاعل معه، بغية استنطاقه، واستقراء دلالاته، وفك شيفرة رموزه.
تلك تسميات، قد تغري المتلقي وتشده إلى النص، مثلما يُمكنها أن تُحدث العكس أحياناً ، فتنفّره عنه وتبعده منه، وهي تُحيل إلى وظائف العنوان.
يُشار إلى أن وظيفة العنوان لم تعد محدّدة، كما كانت عليه إلى عهد قريب، مثال ذلك: كأن تختزل القصة، ولم تعد تعبيرية أو مرجعية باتجاه واحد فحسب، أو كأن تحصر اجتهاد القارئ، أيضا في اتجاه واحد مكشوف، ليس أكثر. من هنا قد لا يكون من المستغرب، أن يكتشف القارئ، اليوم أكثر من أي وقت مضى، بأن العنوان أصبح يخفي أكثر مما يبدي، فهو يحمل في طياته أنظمة دلالية سيميائية، موحية وأخرى رامزة، إذ إنه يعدّ نصا قائما بذاته، لكن بصورة مصغّرة، لذا نجد إمبرتو إيكو يقرر: إن على العنوان أن يشوّش الأفكار لا أن يحصرها! والمعنى: أن العنوان حمّال أوجه متعددة! كذلك، ليس بالضرورة أن يكون العنوان مطابقا لأحداث القصة، هذا لم يعد شرطا واجبا. العنوان، يمكن أن يؤسّس، أو يُحيل إلى غير اتجاه إبداعي واحد، في مجالي التفكير والتخييل، وتلك هي إحدى تجليات النسيج الحداثي، الذي لا يني عن التحرك في كل اتجاه أو انزياح ممكن. من هنا، تنبُع أهمية وضرورة أن يتسلح القارئ بالكفاءة الثقافية، والأدبية، والمنهجية.
خلاصة القول، يمكن للقارئ أن يتوصّل، كما يُفترض، إلى الاتساق بين العنوان والمضمون، من خلال السياق التأويلي، إن لم يتوصّل إليه في مجرد ظاهر معناه. * ويحسب المرء أن مقصدية الكاتب من قصته ((الشيطان الذي في نفسي)) تكمن في دلالة عنوانها تحديداً، وبذلك تكون قد نأت قليلاً عن الشيطان المتعارف عليه، ذلك الذي يكره البشر، ويعمل على إبادتهم، وإلحاق كل ما هو شر وأذى بهم، إن كان ثمة شيطان أصلاً، كما يعتقد بعضهم، وإنما قد يكون رمى إلى ذلك ((الشيطان)) الخاص به هو، أي بالكاتب نفسه، وكل مبدع آخر، وهو ما أكده الكاتب وأبرزه في عنوان القصة تحديدا، كما تقدّم. وإن كنا لا نسقط، أيضا، الاحتمال الآخر من حساباتنا بالكامل، وما ذلك إلا من باب التوسّع، يُعزّز هذا الاعتقاد ما لمسناه ورأيناه من أحداث القصة ذاتها، لاسيما تلك العلاقة الغرامية التي كانت تنمو وتتصاعد، بين زميل الراوي الموظف ولولو، خارج إطار الحياة الزوجية الشرعية، وعن تلك المغامرات العبثية بينهما، قبل الزواج، ومن بعده، إنه شيطان الحماقة والخيانة والانتقام والثأر والغرائز، وقد ألمح الكاتب إليه غير مرة حين قال " هل ما ارتكبه حماقة؟! خيانة لزوجتي وأولادي؟! أم انتقام من أهلها؟! ...أم هي غرائز بشرية لا قدرة للعقل على توجيهها...إلى أين تقودنا غرائزنا؟! لا أدري"؟! (ص77). هل حقا هي غرائزنا التي تتحكم فينا وتقودنا؟! هذا سؤال قد يُسأل، أو ما يُمكن أن يشي به ذلك الكلام من صراع أزلي محتدم، بين الغرائز من جهة ، والعقل من جهة أخرى!
وقد سبق أن أشار إلى الشيطان ذاته، الشاعر اللبناني المعروف إيليا أبو ماضي في ((الطلاسم)) حين قال: ((وأرى ذاتي شيطانا وأحيانا ملاكا))! فالإنسان، كما يبدو،  يجمع في داخله الملاك والشيطان، في الآن ذاته، هو الشيطان حال كونه شريرا، وهو الملاك حال كونه خيّرا!
يُشكّل العنوان، نقطة ارتكاز أساسية في القصة، ومن هذا المنطلق، كان يُفترض بالكاتب أن يُبقي على حضوره، ماثلاً في أجواء القصة، لكن الملحوظ أنه (الكاتب) قد انساق، وراء فتنة السرد، وذلك حين أفرط، بشكل لافت، في سرد أحداث القصة، وكشف أوراقها بأدق التفاصيل، ما أدّى إلى إقصاء حضور العنوان إلى الظل لبعض الوقت. فيما ظهر السارد مستقلاً عن الأحداث، عالما بكل شيء فيها منهمكا، في الوقت نفسه، بالعمل على تطوير الحبكة، وإنجازها في مراحلها كافة، وقد بدت متلاحقة ومتسارعة، بشكل تصاعدي، وصولاً إلى نقطة الذروة، ما جعلها مثيرة في ترابطها العضوي والترتيبي، ومؤثّرة في أحداثها وتداعياتها، إلى حد كبير، على المستوى الفردي والجمعي سواءً بسواء. لقد ولجت القصة جوانب عدة من حياة شخوصها، منها: الاجتماعية والعاطفية والنفسية، وأبقت على الباب مفتوحا على مصراعيه، أمام مشاركة القارئ وتفاعله معها، ولا سيما في محاولة معالجة الإشكالية المعروضة، والبحث عما يناسبها من حلول، بما أثارته من تساؤلات ومشاعر جدية حينا، ومربكة أحيانا، في وجه القارئ، وإن كان من أعمار ومستويات مختلفة، لكنها بقيت تنتظر الإجابة، لذلك نترك للقارئ فرصة قراءتها، والتفاعل معها. وأحيانا قد يختبئ الكاتب نفسه خلف كتابته، أي خلف ذلك الأثر الأدبي الذي يحرره. ما يمكن أن يُشكّل قناعا بالنسبة له، بكل ما للكلمة من معنى، إنه يختبئ خلف قناع، فالكتابة قد تشبه القناع إلى حد كبير! تماما مثلما يتسمّى الأديب، أحيانا، باسم مستعار، لكن على الرغم من ذلك، ما كان لهذا القناع أن يحجب عن القارئ رؤيته!
وفي الحق، إن هذا التفصيل بالسرد، الذي فاض به يراع الكاتب، في قصته تلك قد أدى به إلى مطها، أكثر مما هو مطلوب، كي يقول لنا في النهاية: ماذا أفعل بالشيطان الذي في نفسي؟ الأمر الذي جعل القصة تعاني من ترهل أو تورم، لكنه، لحسن الحظ، لم يأت خبيثاً بل جاء حميدا، إذ يبدو أن الراوي قد حاول التمويه، والإغراء بالقارئ، وحرفه عن مساره في تتبع ((الشيطان)) الذي في نفسه، والانعطاف وجهة تلك الأحداث العارمة، بما تضمنته من شبق الجنس، وتأجج العواطف والغرائز والإثارة، وحسبه إن كان قد نجح بالإيقاع بالقارئ في تلك الدوامة! واستطاع ببريق تلك الأحداث المستعرة، أن يصرف نظره، ولو إلى حين، عن الأهم؛ ((الشيطان)) الذي في نفس الراوي، إلى المهم؛ الشيطان الذي في نفس زميله الموظف ونفس لولو عشيقته، وربما في نفس كل واحد من الناس.
يُولي الكاتب أحداث القصة حصة الأسد منها، بينما نراه يوجز أثناء الكلام عن شيطانه هو، ولم يخصّص له، فيما عدا العنوان، سوى بضعة أسطر فقط، كما ينعكس ذلك في ثنايا القصة، حتى ليخيّل للقارئ كأنما لم يتناوله إلا عرضا، أو أن يكون حقا، قد رمى أو أومأ إلى كل شيطان، وهو ما نستبعده إن أردنا أن نكون قطعيين في الحكم. وإلا وقع الكاتب في ما يمكن أن يقع فيه بعض الكتّاب أحيانا، وهو الابتعاد عن مركزية البؤرة في الأثر الأدبي، والانغماس في الأطراف، وإذ ذاك تصبح القصة عادية، لا أكثر ولا أقل، الأمر الذي كاد يؤدي إلى حرف القارئ عن المقصدية الحقيقية للعنوان والقصة، وهو ما لم يرم إليه الكاتب!
 ليس يساورني أدنى شك، أن الراوي هاهنا، هو الكاتب ذاته، وربما يكون قد كنّى عن كل مبدع آخر، على الرغم من ذلك التفصيل في السرد، والذي استغرق وقتا وحيزا كبيرين، قد تغيّا التركيز على مضمون العنوان وفحواه بشكل خاص ((الشيطان الذي في نفسي))! وهو ما نرجّحه، لا الشيطان الذي في نفس زميله الموظف، أو في نفس عشيقته لولو، وربما في نفس كل إنسان!
يُلمح الكاتب إلى ذلك ((الشيطان)) الذي في نفسه، من خلال ما أورده، على لسان الراوي، في غير مكان من تضاعيف القصة ذاتها، وهو ما يُمكن للقارئ أن يستدل إليه منذ البداية، إنه يقول "...نظرت إليه خطفا وقد بدأ حب الاستطلاع يتملكني.. بل مدفوعا بهوايتي المجنونة إياها، بالنظر إلى الوجوه وتعابيرها، وتغذية ذاكرتي بما هبّ ودبّ من التفاصيل الغريبة.." (ص64). وفي مكان آخر من الصفحة نفسها يقول "لا أدري ما الذي جعلني مستثارا لهذه الدرجة. ربما ما يمر بي هو جزء من عملية الإبداع؟ البحث عن وجوه جديدة لقصص جديدة، كشف عالم جديد، أو عادة سيئة بدأت تأخذ مكانها في نفسي"! وكذلك، قوله في مكان آخر "وسألت نفسي، كيف يجوز أن أحشر نفسي، لتقديم مساعدة، لم تطلب مني أصلاً؟ نفضت السؤال وبعثرت كلماته، وقلت مطمئنا نفسي إنه لولا وجود هذه الميزة الحشرية عند لفيف من الناس، لما وجد الأدب والأدباء أصلاً" (ص66). ثم جاءت تلك العبارة لتختم القصة بأكملها: "أكدت له ذلك بهز رأسي. ولكن.. ماذا أفعل بالشيطان الذي في نفسي" (ص78)! هذا ((الشيطان)) الذي يسكن في داخل الكاتب، يبدو أنه قد اختمر إلى أن نضج، وبالتالي فقد حان أوان انطلاقه، إنه راغب بل مصمم على الخروج والانعتاق، ومن الصعب حبسه لوقت أطول! إنها الفكرة التي تتخلّق في "رحم" كل مبدع، إلى أن تكتمل، إنه الإبداع الذي يسكن في الصدور، يريد أن يولد ويخرج إلى النور!
وفي السياق ذاته، فقد كان العرب يعتقدون أن لكل شاعر شيطانا، يوحي له أفكاره، ويلهمه نظم أشعاره، وكان يقول أحدهم في آخر: شيطانه أنثى وشيطاني ذكر! وقد اعتاد الأدباء والنقاد العرب أن يطلقوا اسم الجن، وأحيانا الشيطان، من وادي عبقر، كثير الجن، كما كان يُعتقد، وما ذلك، إلا من باب استحضار ربة الشعر، أو ملكوت الشعر، بالنسبة لكل شاعر وشاعر.
وتُلمح القصة إلى رواية ((الشيطان في الجسد))  للأديب الفرنسي ريمون راديغه Radiguet الذي كتبها سنة 1919 ، لتدل على فهم للحياة ، قد لا يتيسر لكل إنسان !
ويلحظ القارئ على القصة، تغييب عنصر الخيال فيها، فالأحداث التي فيها، جاءت
تحاكي الواقع، كما يبدو، إلى حد كبير. فالخيال، كما يُحبذ أو يُفترض، كان يجب أن يفوق الواقع ويتفوق عليه، لو أتيح له المجال. وكان يُفضّل أن تعمد القصة إلى وصف الحدث، أو تصوير الشخصية، بدل السرد المطوّل، كذلك أظهرت القصة انكشاف الشخصيات على القارئ، إلى حد كبير، ناهيك بأنها كانت تُفسّر أكثر مما تُصوّر. 
إلى ذلك، فالقصة تشعرك بالمتعة الحقيقية، وأنت تقرأها، لما يظهر فيها من تسلسل يتناغم مع حركية أحداثها، وأفكارها وغرائزها وصراعاتها، التي تجسّدت في شخصياتها، وهو ما يشدك إليها، على الرغم من أن ما طغى عليها من زخم في السرد المفصّل، كاد يُنسينا، ذلك ((الشيطان)) الذي في نفس الراوي!

المراجـع:

* ابن منظور: لسان العرب، ج4، دار الفكر، بيروت، 1990، مادة عبقر.
* بسام قطوس: سيمياء العنوان، جامعة اليرموك، إربد، 2002.
* جميل حمداوي: السيميوطيقا والعنونة، عالم الفكر، ع3، 1997.
* رولان بارت: المغامرة السيميولوجية، ترجمة عبد الرحيم حزل، مراكش، 1993.
* طه حسين: جنة الشوك، دار المعارف ، القاهرة، 1977 .
* ياقوت الحموي: معجم البلدان، ط2، ج4، دار صادر، بيروت، 1995، مادة عبقر.

 

 


الشيطان الذي في نفسي

قصة بقلم : نبيل عودة

أمسك سماعة التلفون بشيء من التردد . نظر الي نظرة فيها ضيق . . ربما لوجودي في مكان يضايقه؟ تردد لحظات مراوحا بنظراته بين قرص التلفون وبيني. كنت مطمئنا لجلستي وراء المنضدة في مكتبي المكيف الهواء والمريح . لم اكن انوي التحرك من مكاني .. نظرت اليه وحثثته على الاسراع بحركة من يدي .. دون ان انبس ببنت شفة . كان وجهه المليء ، بذقنه التي لم تحلق منذ ايام ، يخفي بعض اضطراب نفسه وقلقه .. نظرة خاطفة لعينيه اظهرت لي تردده، ارتباكه ، وربما رهبته من شيء ما ؟ هل هو عاشق ؟ هل هناك امر آخر لا يريد ان يطلع عليه أحد ؟ لم اقف كثيرا امام ما تردد في ذهني من خواطر وأسئلة. التلفون يستعمله العشرات ، ولم يكن وجودي في مكتبي سببا لتردد احدهم في استعماله . واصلت التلهي بأمور عملي ، متناسيا اياه او متظاهرا بالنسيان .
حسم تردده بحركات عصبية ، ضاغطا ازرار الارقام التي تطلق صفيرا خافتا فيه شيء من الموسيقى.
انطلق صوته متمتما يحمل في نبراته قلقه الداخلي من أمر اجهله . غرق بذاته منصتا للرنين من الطرف الآخر . نظرت اليه خطفا وقد بدأ حب الاستطلاع يتملكني .. مدفوعا بهوايتي المجنونة اياها ، بالنظر الى الوجوه وتعابيرها ، وتغذية ذاكرتي بما هب ودب من التفاصيل الغريبة ...
اعترتني رغبة بترك ما بيدي والالتفات اليه ، للتشبع جيدا من حركاته وتعابيره . زجرت رغبتي  ، وواصلت محاولة تجاهله ، بينما احاسيسي تسجل ما يبدر عنه . لا ادري ما الذي جعلني مستثارا لهذه الدرجة . ربما ما يمر بي هو جزء من عملية الابداع ؟ .. البحث عن وجوه جديدة لقصص جديدة ؟ كشف عالم جديد ؟ .. او عادة سيئة بدأت تأخذ مكانها في نفسي ؟!
انتظر بعض الشيء حتى جاءه الجواب من الطرف الآخر . تغير وجهه بسرعة ، وازداد اطراقا وتلعثما في الحديث ، واسرع يقول ، بعد ان بذل جهدا لا بأس به ، وبارتعاش واضح :
- نمرة غلط .. آسف ..
واعاد سماعة التلفون .. واتكأ مجهدا على طرف المنضدة ، محتارا ظاهر الارتباك ، ثم كرر لنفسه ، كأنه يحاول ان يقنع ذلك الذي رد عبر التلفون :
- نمرة غلط  !!
وتحرك بتثاقل ، وعدم رغبة واضحة ، خارجا من الغرفة ..
حاولت العودة لما كان في يدي من عمل ، الا ان نفسي لم تطاوعني، عالجت في ذهني الحالة التي المت بزميلي ، وتوقعت ان يكون وراءها أمر فيه عناصر تصلح لابداع قصة جديدة . هذه النبوءة المجنونة حين تمسني ، تجعلني اتغير . لا اعود انا هو انا نفسي . اسندت ظهري على المقعد ، ونظرت نحو التلفون الصامت .لا بد من وجود حكاية وراء ما مرامامي  . اعدت في ذهني تمثيل ما كان ، منذ لحظة دخول زميلي ، حتى خروجه بالحالة التي خرج بها .. مترددا مرتبكا ، غامضا ، وتأكيده المضحك  ، بعد ان اغلق السماعة ، ان النمرة غلط .
لماذا لم يحاول ان يتصل مع النمرة الصحيحة ؟ ولماذا كل هذا الارتباك والتردد .. بل وبعض الخوف ؟!
ولأمر لا افهمه في نفسي ، ولن افهمه كما يبدو ، التقطت سماعة التلفون ،وبواسطة الضغط على زر الذاكرة ، كرر التلفون الاتصال مع نفس النمرة ، التي سبق لزميلي ان اتصل بها .
جاءني صوت رجل من الطرف الآخر . لم اكن ادري ما انوي فعله ، . ولم اكن قد رسمت في ذهني صورة تقريبية عما يمكن ان اسأل عنه .
اول فكرة راودتني ان زميلي عاشق ، وانه بسبب صاحب الصوت ، ادعى ان النمرة غلط . خرجت من ترددي على تكرار الصوت من الطرف الآخر مستفسرا عما اريده .
جمعت نفسي او شيطنتي وقلت :
- نتكلم من شركة التلفونات .. هل طلبتم تغيير رقم تلفونكم ؟
فوجئ محدثي بما أسأل عنه ، واحتار كما يبدو ، اذ سمعت تلعثمه .. ثم اجاب بوضوح :
- أبدا .. لا ادري شيئا عن الموضوع .
- آسف .. سأفحص .. مع من نتكلم ؟
- بيت المحامي رامي الحيفاوي .
- شكرا ، آسف على الازعاج .
اعترتني ضحكة صامتة ، شاعرا اني اضع يدي على طرف خيط يقودني الى اكتشاف ممتع .ترددت منتقدا تطفلي على خصوصيات زميل . هززت كتفي محاولا ابعاد التردد من نفسي ، مؤججا في الوقت نفسه اندفاعي لمعرفة ما خفا عني ، معللا تمسكي بكشف ما خفى ، بطبيعتي التي لا تهدف الايذاء ، وانما محاولة اسداء المساعدة اذا امكن ، وسألت نفسي : " كيف يجوز ان أحشر نفسي لتقديم معونة لم تطلب مني أصلا ؟ " نفضت السؤال وبعثرت كلماته .. وقلت لنفسي انه لولا وجود هذه الميزة الحشرية عند لفيف من الناس لما وجد الأدب والأدباء اصلا .
كل مشاعري متيقظة لالتقاط موضوع ذي شأن ، لا ادري كنهه ، ولو اني بدأت بوضع تقديراتي الاولية عنه . لو أجابه من الطرف الآخر صوت آخر ، صوت انثى مثلا ، هل كان يسارع للقول ان النمرة غلط ؟ هذا لوحده يمدني بمادة لوضع عشرات الاحتمالات .
شعرت بأن عناصر التردد والاعتراض ستبدأ بالفوران في داخلي .. فنفضت نفسي ، وانتصبت واقفا مصمما على حل المعضلة التي تكونت امامي .
استعرضت في ذهني بعض ما كان ، التردد والآرتباك اللذان اعتريا زميلي . النمرة غلط ، عدم الاتصال بالنمرة الصح .. تأكيده لنفسه ان النمرة غلط .. كأنه يحاول ان يقنع الذي في الطرف الآخر من الخط .. تضايقه الواضح .. لهجته المتلعثمة  ، وخروجه  كالمهزوم من معركة . في الطرف الآخر المحامي رامي الحيفاوي .. هل هو من حيفا ؟ ام ان الاصل غلب على الاسم ؟
راودتني فكرة ، فلم اتردد . جلست ورفعت سماعة التلفون ، واتصلت بصديق لي ، محام :
- استاذ عادل ؟ .. سلامات ..
عرفني من صوتي . رحب وأطنب واستحثني على زيارته .. و.. قاطعته :
- اريد ان استفسر عن موضوع صغير ..
- تفضل .
-  المحامي رامي الحيفاوي ، تعرفه .. ؟
- بالطبع .. زميلي وصديقي ، درسنا سوية ، وكانت لنا غرفة مشتركة بالايجار ..
-  هل هو من حيفا ؟
- أجل ، مكتبه في " الهدار " .. هل تريد منه شيئا ؟
- أبدا .. لا شيء خاص .. ولكن زميل لي وكله بقضية تأمين . قل لي هل هو متزوج ؟
سؤالي كما يبدو فاجأه . شعرت بأنه يفكر بهذا السؤال . . الذي لا صلة له بموضوع توكيل محام .. ولكنه اجابني مترددا ، غير فاهم ما ارمي اليه ، وهذا جعله ، كما يبدو .. يمدني بكل ما يعرفه عن زميله الحيفاوي ، منتظرا تفسيري :
- متزوج  وأب لطفلتين ، على حد علمي .. وزوجته اسمها لولو كما أذكر ، معلمة في مدرسة ابتدائية، ولكن ..
- سأشرح لك كل شيء فيما بعد .. لدي سؤال غريب آخر ، هل هي جميلة ؟  اعني هل رأيتها مرة ؟
- كثيرا .. تصلح لان تكون عارضة ازياء .. ولكني لم افهمك بعد ..
كدت اصفر من المفاجأة ..واعترتني رهبة عابرة ، شاعرا اني ارتكب حماقة لا معنى لها .
ما دخلي انا في قضايا الناس ؟
شكرت صديقي عادل ووعدته ان ازوره قريبا واوضح له كل شيء . ولعله الآن يقرأ قصتي هذه ، ويهز رأسه ، ولكني اثق انه سيحفظ السر ، الذي انا في سبيلي الى كشفه .
اعدت سماعة التلفون شاعرا ببعض الكآبة الخفيفة ، التي سببها موقفي الغريب ، في ملاحقة خصوصيات الناس ، ولكني كنت متأكدا اني بدأت .. ولن اقف ، خاصة بعد ما حصلت عليه من معلومات ، قوت يقيني  فيما ذهبت اليه من تقديرات وتأويلات .
أرسلت في طلب زميلي ، فجاءني تسبقه عيناه القلقتان ، بوجهه غير المحلوق منذ ايام. كان هادئا بعض الشيء ، مطمئنا ان سره في أمان  واستقرار ، دعوته للجلوس وانا انبش في اوراقي على المكتب .. كمن يبحث عن شيء مهم ، وقلت له بلهجة تحكمت بها بحيث لا يعتريه ادنى شك على صدق ما اقوله ، معتمدا بالوقت نفسه عنصر المفاجأة الذي يبقيه غير واثق من نفسه وموقفه ، ولو كان كل المنطق الى جانبه . قلت :
- اتصل المحامي رامي الحيفاوي ، يسأل من اتصل به ، قلت له ان عاملا عندنا اتصل بالخطأ ، اصر ان يعرف الاسم ، فأخبرته بأسمك ..
فوجئ بالاسم الذي ذكرته، وبان الارتباك والخوف الشديد في ملامح وجهه ، وبدون تفكير قال بصوت مذهول :
- لماذا اخبرته بأسمي ؟ قل له نمرة غلط وكفى ..؟!
- لماذا ارتعبت ؟
- لا .. لا شيء ..
- ضغط على جبينه بقبضة يده اليمنى واطرق مليا ، وتمتم لنفسه بكلمات لم يصلني منها الا بعض الأحرف ..
- كان يجب ان لا تخبره باسمي .
اشفقت عليه من حالة الذهول ، ولكني قررت الاستمرار في اللعبة . قال فجأة كمن اكتشف شيئا :
- كيف عرف نمرة التلفون ؟
أجبت بهدوء وبلا اهتمام ظاهر :
- لا ادري ، اتصل به واسأله ؟
وأخذت سماعة التلفون ومددتها نحوه ، فانتفض :
- لا ، ولا بأي شكل .
لوح بيده بسخط ، والذهول يشع من عينيه .
قال محاولا ان يخفف عن نفسه :
- مصيبة .. ربما تكون قد ورطني ؟!! وربما تكون صدفة غير مفهومة ؟!
- لم تكن تتوقعه حين تلفنت ؟
- .....
- هل اردت الحديث مع لولو ؟
حدق بي طويلا وهو مصعوق من ذكري لهذا الاسم .. وانا اواصل التظاهر اني غارق في اوراقي وفي عملي ، بينما عقلي متيقظ لالتقاط كل حركاته وتعابيره .
شتمني مبتسما ابتسامة بلهاء .. متيقنا ان في الامر لعبة .. اذ لا يعقل ان اعرف كل هذه المعلومات من مجرد اتصاله بنمرة غلط ، او بنمرة صح ، فهو لم ينبس امامي ببنت شفة ، لم ينفس عن حرف فيما يخصه ، نعمل سوية منذ ثلاث سنوات ، لم يحدث احدنا الآخر حول  خصوصياته ، فكيف اباغته الآن في صميم اسراره ؟
- اسمع .. لم اعد احتمل .. صارحني اصارحك ؟!
ابتسمت زاجرا ضحكة مجنونة في صدري :
- اتفقنا .. ولكن لا ترجع بوعدك ؟
اطمأنت نفسه قليلا ، وارتخت عضلات وجهه المشدودة من التوتر . قال وهو يأخذ نفسا طويلا  ، مخرجا علبة سجائره من جيب القميص :
- وعدتك .. على ان يبقى  سرا بيننا ؟
اشعلنا سيجارتين ، وبين حلقات الدخان حدثته كيف توصلت للمعلومات التي فاجأته بها. ابتسم مطلقا ضحكات صاخبة ، متحررا من خوفه ، من الكآبة والرهبة ، مطمئنا بعد معاناة . ذكرته :
- والآن ماذا لديك لتضيف ؟
تغيرت سحنته المرتاحة ، واختفت ابتسامته . اطرق صامتا للحظات ، وكأنه يتردد في الافصاح عن خبايا قلبه ، ثم قال دون ان ينظر الي :
- بالنسبة لك قد تكون حكاية عاشق مغامر ..صائد نساء محترف .. اني لست كذلك .. ما بيني وبين هذه المرأة ليس صبابة عابرة .. نحن لسنا مجرد عاشقين.
نظر في عيني ، فلمحت التردد ينعكس على وجهه ، كأنه يستصعب ان يبوح بما يلذه او يعذبه .. وفي نفس الوقت يأخذ نفسا طويلا ، ويحسن جلسته  التي بدأها مترددا محتارا على طرف المقعد ، مما بعث الاطمئنان ليقيني ، انه في سبيله  للبوح بما لديه ، ، وتملكتني فكرة من الجوالمحيط بنا انه بحاجة لزميل  يصارحه بما لديه ..
قلت لنفسي انه وقع على الزميل الملائم .. يستطيع ان يفهمه ، وأن يبادله الرأي بالرأي ، ويشد ازره اذا ما كان بحاجة الى ذلك .. ثم سألت نفسي : " هل استطيع ان اصون السر ؟ " أجبت تلقائيا بالايجاب . فسخرت من نفسي وذكرتها بما باحت به من اسرار . فأجبت باني ما بحت بسر اطلاقا ، انما انشأت حكاية موازية ، مستعينا بجوهر الحدث وليس بأشخاصه ، بهدم الاصل وتركيبه مجددا . سخرت متسائلا : " ما الفرق ؟ " فحسمت الجدل الذي بدأ يفور داخلي بأن حثثت زميلي :
- احك بلا تردد ، وكن  مطمئنا ..
- انا لولو ابناء صف واحد .. نحب بعضنا البعض .. منذ ايام المدرسة الثانوية . تواعدنا ان نكون لبعضنا البعض .. مهما حدث .. هي ذهبت لدار المعلمين ، وانا انخرطت في العمل . كنت اريد ان اكون نفسي بسرعة .. ان يصبح لي بيت .. وأن تصبح لولو زوجتي .. لذلك ضحيت بالدراسة الجامعية .. والداي لم يفهما موقفي ، ولم يكن من الممكن ان يفهماني . انجح اولادهم يخرج للعمل الصعب وكل الظروف البيتية والمادية متوفرة له للدراسة الجامعية والتقدم في الحياة .اليوم افكر بخطأي . اشعر اني خسرت على جبهتين .. جبهة الدراسة وجبهة الحياة .. خسرت المركز الاجتماعي .. وخسرت امنية حياتي .. أحيانا يتملكني الندم والغضب لاني لم اواصل دراستي . ولكن هذا ما كان .. حبنا كان اقوى من كل المنطق ، احلامنا كانت اكبر من عالمنا ، لولو كانت ، وما زالت..  كل عالمي ، مع لولو كل شيء يطيب لي ، الشقاء والمعاناة والألم .. في سبيل لولو تتحول الى سعادة .. كنا نحلق في فضاء من الرغبات والاحلام .. من الأمنيات والآمال .. نلتقي دوما .. نتعانق ونتبادل القبلات والضحكات الوردية ..
احافظ عليها كما يحافظ الانسان على بؤبؤ عينه .. رغبتي فيها لا تعرف الحدود ، ولكني اريدها طاهرة عذراء لليلة العرس ، كل ما يخصنا كان ابيض جميلا . كنت اواصل الليل بالنهار في سبيل تحقيق ذاتي . بسمتها كانت تكفيني ، صوتها المزغرد يملأ دنياي .
عالمي انحصر في شيئين.. العمل ولولو . ربما في شيء واحد كبير .. أكبر من السماء .. اوسع .. اوسع من الأفق . عميق .. أعمق من البحر .. لولو .. لولو هي شغلي وأملي وأحلامي وحياتي . هي الماضي والحاضر والمستقبل .
تقدمت لطلب يدها حسب الاصول .. فرفضتني عائلتها ؟!
تهدج صوته وأطرق مليا محاولا السيطرة على دمعة كادت ان تفلت . كأن ما يؤلمه يعود بكل حدته وقساوته الآن ، وفي هذه اللحظات .. لقد بهرني بقدرته على السرد .. بحيث تمنيت لو اسجل حديثه كتابة .. حتى لا تفوتني منه كلمة او اشارة موحية .
استعاد هدوءه رغم مسحة الحزن التي ارتسمت على محياه.
- عانينا كثيرا بعد رفض عائلتها لي . قد تستغرب ان العائلة لا تزال تقرر في زواج ابنائها ؟! والدها كان مستبدا . دقة قديمة. قديمة جدا .. اكثر مما يتخيله العقل . فكرت : " اذا اخبرته بما بيننا يلين امام الحقائق ، فيقبلني مكرها ؟" ما حدث هو العكس . فرض على اهل بيته ما يشبه الاحكام العرفية  . اضطهد والدتها واخواتها .. ضلوع مجتمعنا القاصرة ؟!  حرض اولاده على تتبع خطوات البنات .. ماذا اقول لك ؟ .. لم يمض الا وقت قصير حتى نجح بتزويجها لمحام من حيفا ..لا ادري كيف حدث ذلك . لم استوعبه .. صدمت .. ربما لم اصدق امكانية زواجها من غيري ؟  انها معي دائما في احلامي وفي صحوي .. هذه النقطة مستعصية علي حتى اليوم . هل كان علي ان اخطفها ؟ وهل كانت تطاوعني ؟ لم يكن من السهل محادثتها وهي داخل المراقبة والحصار .. فقدت امكانية الاتصال معها.. بعد ان تجددت علاقتي بها اخبرتني  انها اتصلت معي قبل عرسها باسبوعين للأتفاق على شيء.. لكنها لم تجدني ، ولم يكن من المتيسر امامها ايجاد فرصة  اخرى للأتصال ، وصارت تشك اني تخليت عنها لانها مخطوبة لانسان آخر.. وكان عرسها بالنسبة لها اشبه بالجنازة...
تزوجت لولو وانهارت احلامي وتناثر عالمي الجميل . اصبت بالمرارة والضيق من الحياة نفسها .. تملكني القنوط والاحباط .. وراودتني فكرة الانتحار .. ولولا امي التي لاحظت وضعي النفسي الغريب ، وشددت مراقبتها لي .. فربما كنت انتحرت .
قد اكون واهما من فكرة الانتحار والقدرة على تنفيذها .. كل ما ادريه اني وصلت لوضع لم يعد للحياة فيه شأن في نفسي . تركت عملي وانطويت على نفسي لأشهر عديدة.. لا شغلة لي الا شرب القهوة والتدخين والتفكير بلولو وبعذريتها التي تهتك قسرا.. وبالعار والشنار الذي لحق بي وكأني مسؤول عن عذريتها.. احيانا اصرخ بصمت ، بدون صوت .. أنا اقول الحقيقة .. شيء يصرخ في صدري .. يستغيث .. يرفض ما يحدث .. يثور .. يشتم .. يقاتل .. ويلعن كل شيء .. يكفر بكل شيء ..يثور غضبي احيانا على لولو .. أكرهها .. اهشم وجهها الوادع .. اغرز اظافري في لحمها الناعم الطري الابيض .. ارى الدم ينقط من سجائري .. أقذف بالفنجان والسجائر وغلاية القهوة ..ضاربا "الاسكملة" بقدمي ، فتتناثر القهوة .. والدم .. في كل مكان .. فأصرخ بصوت مسموع ، لا اقوى على كبته .. متألما مستثارا ، ولا اعود الى نفسي الغاضبة الا بين يدي امي ، وهي تضم  رأسي الى صدرها .. فأبكي كطفل صغير ، بحرقة .. وربما باعتذار ، عما اسببه لأمي من معاناة وقلق وألم .. ودموع تحاول ان تخفيها عني .. تشعرني بالخجل من نفسي .
امي ، الله يرحمها .. قصر عمرها بسببي ، ماتت وهي توصي اهل البيت علي ، كانت امنيتها ان اتزوج ، فلم افعل ذلك الا بعد موتها ، وحسرتها علي في قلبها ..
هل تظن اني نسيت ذلك ؟!
عندما أعود لهذه الذكريات يثور الذئب في اعماقي ، وحش كاسر يبحث عن فريسته . لا تظن ان علاقتي بلولو تأثرت ... انا لا انتقم منها ، هي وسيلتي للانتقام  ؟
ابدا !! لولو حبيبتي ، ولن اجعلها وسيلة للأنتقام . اذن كيف انتقم ؟ بآية طريقة ؟ بأي اسلوب ؟ الا تعتبر علاقتي الممنوعة بها من باب الانتقام ؟ ببساطة وصراحة .. لو راودني شعور بأن علاقتي مع لولو فيها دافع من دوافع الانتقام ، لما ترددت في قطع ما بيننا . حبي لهذه الانسانة ، والذكريات الجميلة الطاهرة التي بيننا ، ذلك اغلى على نفسي ، واعز  عندي الف مرة .. من اي انتقام كان .
ولكني انتقم .. انا اعرف ذلك !!
لا ادري كيف يتحقق انتقامي ولا نتائجه على من احب . شعور الانتقام يراودنا نحن الاثنين . هي ايضا تنتقم .
توقف عن الكلام مجهدا وقد حل الغضب مكان الحزن في تعابير وجهه . اشعل سيجارة وأخذ نفسا طويلا ، نفث الدخان  ببطء .. وتقطع ، وقد حسبت انه انتهى من مونولوجه المؤثر . . غيران شيئا يتحرك في داخلي حاثا على المزيد . صببت فنجاني قهوة من " الترموس " . أخذت شفطة وتذوقت طعم الهيل في القهوة ، وحثثته :
- اشرب.
ولسان حالي يقول : " المزيد " .
يبدو عليه انه فهم قصدي . شرب نصف فنجان القهوة دفعة واحدة ، وطلب المزيد . ملأت له الفنجان ، وتركت " الترموس " تحت تصرفه .شرب نصف فنجان آخر ، وكأن فمه مبطن ضد الحرارة، وقال :
- انقطعت صلاتي تماما مع لولو . انا لم احاول الاتصال بها حفظا لكرامتها وسمعتها . ربما تلك هي ارادتها . ربما ارادت تطمين والدها وانقاذ امها واخواتها من طغيانه ومما يتعرضن له بسببها ؟ هناك الف ربما ..  وعشرات التأويلات والاحتمالات . . وما دامت هي لا تتصل ، فلأحترم رغبتها ، رغم اني لم اهضم ما حدث .
خرجت من وضعي النفسي المضطرب الذي لازمني بعد زواجها ، وبدأت اعود لحياة طبيعية او شبه طبيعية .. ولكن بفتور .. وبعد تردد طويل تزوجت . لا شك ان فقداني لأمي وهي توصيني بالزواج ، وتوصي الأهل برعايتي ، كان سببا في خروجي من ازمتي وزواجي . انا احب زوجتي حبا عاديا .. احترمها .. لا استطيع ان احبها مثل لولو .. ولكنها غالية على نفسي . عندي منها ثلاثة اولاد . احبهم بجنون . هم اعادوني الى توازني ، أجد فيهم الصفاء والطهارة التي كانت ايام عشقنا المبكر انا ولولو .
ومضت الايام .. اشياء كثيرة تغيرت وتتغير .. حتى لولو بدأت تتحول الى ذكرى جميلة . . اما حين اسلسل الحدث ، وهذا صار قليلا ما يحدث ، فأثور بغضب مدفوع بمشاعر النقمة . في السنة الاولى من زواجي كثيرا ما ناديت زوجتي باسم " لولو " . اقنعتها بأني احب هذا الاسم . ربما لم تصدقني زوجتي ، ولكنها لم تسألني عن سبب هذا النداء .. وحين رزقت بابنة ، وكانت تلك امنيتي ، قالت لي زوجتي وهي تقدم لي طفلتنا :
- أنظر كم هي جميلة ولطيفة لولو ..
وساعتها بكيت .. بكيت كما لم ابك من قبل .
يقال وبحق ان الجبال لا تلتق ابدا ، انما الانسان...
التقيت لولو في احدى الرحلات الى مصر.. ثماني سنوات من القطيعة ، وفجأة القاها امامي . ارتعشت من رأسي الى اخمص قدمي . غبشت عيناي من دمعتي فرح .. او ربما حزن .. او حزن وفرح في نفس الوقت .أمسح الدمعتين ، لولو صارت اكثر انوثة ، نظراتها مهمومة ، ارتعاش عينيها يفضحها .. نقف في قاعة الفندق الرحبة نتأمل بعض .. ننظر في عيني بعض .. تبتسم لي بحياء ، ابتسم لها بذهول .. تخفض عينيها ، اقترب منها والهث باسمها :
- لولو .. لولو ..
تنظر الي بعينين تملؤهما الدموع والاشواق ، صدفة مجنونة تلك ؟ ما كان بيننا بدأ يتحول الى ذكرى .. وفجأة اجدها امامي . كانت لوحدها وكنت لوحدي .. وباندفاع مجنون ، طوينا وراءنا الزمان والمكان . عبرنا الماضي والتاريخ والجغرافيا. جددنا ما كان ، واندفعنا لاحضان بعض بلا تردد وتفكير . غسلنا حزننا واشواقنا باتحاد جديد . لم ارغب بامراة كما رغبت بها ولم ترغب برجل كما رغبت بي . عشق ووجد وصبابة .ظمآنان وقعا على نبع ماء . اسكرنا الحب الممنوع . قالت لي ان نفسها لن تطمأن الا اذا ضاجعتها على فراش زوجها . أهي النقمة وراء رغبتها المجنونة هذه ؟ هل هو انتقام لا يعرف الحدود ؟ هل زوجها المقصود بالانتقام ؟ أم والدها ..؟ ام تنتقم من ذاتها هي ؟ ربما من كل عالمها ؟
كثيرا ما قالت لي انها تشعر بالذنب  وتريد ان تنتقم لنفسها لأنها ضعفت ورضخت لمشيئة عائلتها .
هل تستغلني بهف تحقيق انتقامها ؟ كان بامكانها ان تفعل ذلك مع غيري ، ومن زمان ، اذا كان الانتقام هدفها من العلاقة الممنوعة بيننا . . ؟ تبكي وتصر انها تحبني حقا ، ولا تريد ان تفقدني مرة اخرى . انا ايضا لي حسابي . اقول لها ذلك ، فترجوني ان انسى موضوع حسابنا ......... وان نعيش لحظتنا الهانئة ، وتهمس لي :
- انه حقنا الذي حرمونا منه وهو افضل ثأر ..
- وهل يؤخذ الحق بهذا الشكل خطفا ؟
- يكفي انه حقنا وليفهمه كل منا كما يشاء .
كنت على يقين انها تنتقم من عالمها .. وانها ما كانت لتفعل ذلك بعلاقة مع شخص آخر غيري . علاقة مع شخص آخر معناها انها تنتقم من نفسها فقط . علاقتها معي هو حقها الذي حرموها منه . . وانتقام لا يعرف الرحمة من قيم ومثل واشخاص حرموها من حلم حياتها وحقها الطبيعي .. وقالت ان تزويجها بهذا الشكل هو  اغتصاب متكرر لا يعاقب عليه القانون ، وانها  منذ اتحدنا جسما وروحا شعرت  بعظمة العلاقة بين رجل وامرأة .
في لقائنا الاول ، في بيتها في حيفا قالت لي بطريقة اقرب الى الشراسة واللؤم وتعذيب الذات :
- هيا انتقم لي منهم .. منهم كلهم .. من كل الذين ابعدوني عنك .. وأبعدوك عني ، اريدك هنا فوق فراشه ، أكره هالة القدسية الكاذبة ، اقيء على شرفهم المهترئ .. اكرههم .. اكرههم ...
زجرتها وافهمتها اني لن اقبل ان اكون وسيلتها للأنتقام  والثأر.. وان حقدي على من فرقونا لا يقل عن حقدها ، وربما لهذا السبب طاوعتها واريدها على فراش زوجها .. ولكني ارفض ان يتحول حبنا الى  دوافع حيوانية محددة بالانتقام والثأر .
بكت كثيرا وقالت انها تشعر نفسها كزانية ، وهي لا تريد لهذا الشعور ان يراودها .. وهو دافعها للتفوه بما قالته . وصارحتني ان زوجها لطيف معها ، ولا يفشل لها طلبا .. ولكنها لا تشعر معه باللذة والانسجام ، جسدها يرفضه لأنه يتمناني ، وهذا الشعور يرافقها منذ زوجت .. وهي لا تذكر انها وصلت معه الى قمة المتعة التي تصلها معي
.زوجها يعارك محاولا بكل قدراته ان يوصلها .. اصيب بالحيرة واستشار طبيبا ، فلم يساعد الامر ..  واقتنع كما يبدو انها باردة جدا .. لو رأى شبقها المجنون لما صدق عينيه . تقول انه اخطأ وليتحمل نتائج خطأه. خلال فترة خطوبتهما صدته ورفضته ، مع انه شاب مثقف ، له مركزه الاجتماعي ، وامكانيات مادية ، وشخصية قريبة لقلوب الفتيات ، كان عليه ان يفهم ما لم تستطع البوح به جهارا .ان يفهم انها لا تستطيع ان تكون له ... بهره جمالها ، واستعجل الزواج ظانا ان الزمن يجمع بين القلوب ، ويقرب بين الافئدة ، فلم يجن الا برودها ، وها هي تعطي نفسها بسخاء لغيره ... لحبيبها !!
كثيرا ما حاولت ان افلسف ما بيننا من حب ملتهب وانتقام مشترك لا حدود له .
قلت لها مرة :
- يجب ان لا تجرفنا غرائزنا ، ممارستنا لحبنا هو احسن ثأر.
- ما بيننا ليس غرائز . حبنا هو حقنا بالحياة وثأرنا ايضا .
- لا تنسي اننا من تركيبة اجتماعية تنفر مما نحن به ، حتى لو كان حقنا ؟ وسنعامل باحتقار اذا ما انفضح امرنا ؟
- هل تريد ان تقول ان ما نفعله حماقات ؟ حبنا حماقة وشذوذ ؟ ما بالك تتراجع عما قلته قبل لحظة ؟
فأحتار فيما انا قائله واتردد امام اسئلتها .أضعف امام العتاب المنطلق من عينيها ، واغرق في رجاء شفتيها .. وحين تثور غريزتي ، اصبح كالثور الهائج ، وكأن هذا اول اقتحام لعذريتها .. لا ادري لماذا يراودني هذا الشعور كلما ولجتها .. كأن شيئا  في نفسي يرفض ان يصدق ان لولو لم تعد عذراء . لولو عذراء ابدية ، تتجدد عذريتها  بعد كل اقتحام ، وحين لا ارى آثارا للدم بين ساقيها  ، تعاودني الفكرة المجنونة بأن لولو عذراء بعد .
ومنذ سنتين نلتقي اسبوعيا . سافرنا لمصر عدة مرات .. تمتعنا بلا حدود ، احيانا تقول انها تغار من زوجتي علي ، تقول ذلك وتبكي لانها لا تريد ان تسيء لزوجتي .يراودها شعور سيء انها تخطفني من زوجتي واولادي . طمأنتها ان ما بيننا لا يجعلني اهمل بيتي . . وان حبي لها لا ينفي حبي لزوجتي واولادي .وتقول اننا مهما نصل في علاقتنا ، فسعادتها ناقصة ، وان السبيل لتخفيف ما هي به ، ان تحمل وتضع ابنا ، او بنتا مني .
حذرتها من فكرتها المجنونة ، ولكنها تصر ! منذ اشهر وهي تصر ان تحمل مني ، تريد طفلا مني حتى تكتمل سعادتها ويهدأ بالها .. لان العلاقة بيننا ستنتهي يوما ما .. واعتقد انها حامل ، على الأغلب مني .. امس أجرت فحصا ، اردت ان اعرف النتائج .. أنا في حيرة من امري .. هل ما ارتكبه حماقة ؟ خيانة لزوجتي واولادي ؟ ام انتقام من اهلها ؟ ربما هو اخلاصي للماضي ؟ للأيام الحلوة الهانئة التي كانت ؟ ام هو حقنا التاريخي ؟ ام هي غرائز بشرية لا قدرة للعقل على توجيهها ؟
لا اعرف كيف اتصرف . كنت احبها واريدها لي وحدي . اليوم احبها واقبلها رغم وجود شريك آخر .. زوجها .لا اعرف ان كنت اكرهه او اشفق عليه ؟ ولكني احسده .هي تدري اني لا استطيع ان اكون لها وحدها ، واني لن اتخلى عن زوجتي واولادي .هي تقبلني كما انا .اما انا فاعيش بدوامة لا اعرف لها قرار . يجرفني عشقها . اريدها بقوة وبرغبة وبحقد . . واعرف ان ما بيننا لم يعد ذلك الحب الحالم البريء . لم يعد اندفاعي ذلك الاندفاع الطاهر . القاها اليوم لاشبع جوعي اليها ، لأرتوي من رحيقها الذي لا ينضب ، لاهتك عذريتها التي لا تنتهي . تشدنا النشوة المجنونة الى الماضي الجميل الذي كان .الى الاحلام الضائعة .. نعيشها خطفا. هي حزينة لانها ليست كذلك .. ليست من هذا النوع .. هي تقول انه حقنا الذي حرمونا منه ، وليتحملوا هم النتائج . لا تكره زوجها ولا تنتقم منه ، ولكنها لا تحبه . حبنا الماضي تغير ، صار لحظات متعة ونشوة ، جنون  للدخول والانصهار في بعض . مفهومنا للحب تغير . . ونحن تغيرنا . احيانا نقررانه هذا هو ، وصلنا لنهاية الطريق ، ولكل منا حياته الخاصة .. بيته الخاص .. أولاده .. هل نضحي بأولادنا في سبيل ذاتنا ؟ وهل يليق هذا بنا ؟ ألا يكفينا ما تمتعنا به ؟ ألم يرض غرورنا ، ويهدئ من لوعتنا ، وينسينا غضبنا ؟
نودع بعض .. نبكي بحرقة .. نتبادل آخر عناق .. آخر قبلة .. فلا تمضي اربع وعشرون ساعة  الا ونكون نحن الاثنين ، امام التلفون ، يبحث كل منا عن الآخر..
ونعود لنلتقي مندفعين بحماس اشد ، ورغبة ممتدة لا تعرف نهاية ولا قرار.
الى اين تقودنا غرائزنا ؟ لا ادري !!
واليوم تترسخ العلاقة بيننا بطفل ، انا مضطر لتحقيق رغبتها ، ربما هذا هو آخر المشوار بيننا ؟ لا بد ان نصل لنهاية . نهاية للاندفاع بلا ضوابط .. سنبقى على حبنا ، سيكون لها ابن اوابنة مني .. قد يكفيها ذلك .. وأنا .. هل استطيع الابتعاد عنها ؟ الن يشدني الحنين لها .. ولابننا المشترك ؟
هز رأسه بضيق وقال :
- لا ادري !!
صمت ، اخذ نفسا من سيجارته ، نظر الي بشيء من الحيرة ، وقال مؤكدا على شيء سبق وان طلبه :
- السر هو سر .. انت عند كلامك ؟
- أكدت له ذلك بهز رأسي ، ولكن .. ماذا افعل بالشيطان الذي في نفسي ؟


 




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home