دراسات هامة

 

الاستدراك في التأويل الحسي

محمد الحافظ



الاستدراك في التأويل الحسي

 دراسة في نصوص الشاعرة منال الشيخ

                                                                   محمد الحافظ/ العراق


( توالي الألفاظ في النطق ليس كافيا ، بل لابد إن تتناسق دلالاتها وتتلاقى معانيها على الوجه الذي اقتضاه العقل )
عبد القاهر الجرجاني

 

اللغة الشعرية عند كل كاتب لها أسلوبها الخاص جبل عليه وصار يعرف به من خلال التراكمات المعرفية لديه ،وما الحداثة إلا نتاج تلك المعرفيات وبناءها ضمن التطور الحاصل في الأدب أجمالا كتأريخ وحاضر.وللمرحلة الآنية كوجود خاص تأثير اكبر لما تزاحمت به المساحات الفكرية والأدبية بالرمز والصورة وهما مظهران من مظاهر اللغة الأدبية ،تؤلف جانبا مهما من جوانب القيمة الجمالية للنص الأدبي عموما والقصيدة الشعرية خاصة.وعند الإطلاع على كتابات الشاعرة منال الشيخ لما تتمتع به من تغييرات في الثروة أللفضية مما جعل نصها يرتقي إلى مستويات حسية يستدركها المتلقي بعدة تأويلات متغايرة ،فهذا الخزين اللغوي منح النص ثراءا بمفردات حداثوية تستنطقه روحيا أو تجبره على الإنطاق،ومما زاد منه إعلاءا هو اشتغالها على الرمز الصوري بدلالة الواقع لتصور العلاقة القائمة بين اللغة الشعرية والخيال. إن هذا الاشتغال له وقع السحر على القاريء حين يكون مضمخا بجمال النص وعذوبة جرسه كما هو الحال في نص (لباقة معول ) فلتزاحم المفردات بشكل حسي فيه ولاستدراكها الواقع اللغوي للنص وبأياد ٍماهرة تتقن فن بناء المفردة المنتقاة وصياغتها صياغة زمانية مكانية ترتبط بوحدة القصيدة وتماسك نسيجها لتبيح لها حرية المخاض بقيد من الثراء اللغوي يتجلى بصور رمزية متدفقة معلنا ًعن ولادة نص مأهول بالتأويلية ،يسير جنب إلى جنب وثقافة الشاعرة ،ما إن يتم التلاقح بين الاثنان حتى تقوم ثورة داخلية وصراع حاد ومحتدم في النفس والفكر والرؤى حينها يولد نصا يثير فينا الفضول لقراءته مرات ومرات مستمتعين بتلك الصور والرؤى ذات الطابع الجمالي .

ارغب فيك

وأنت تتلألأ في حدقة الأعداء

تمد أصابع شهوتك

إلى حوزة أحشائي

نستشعر ونحن نقرأ النص بالرغبات الجامحة للشاعرة ، هي رغبات عدة تثير فيها شجون العاطفة والشهوة المجبولة بعبق روحي بنيت على وجوه عدة من التأويلات الصورية .

ونراها تعود ثانية إلى رغباتها في مقطع آخر من النص عينه،:

أرغب فيك

وأنت بلباقة معول

مناهض للمناقصات

تهبط حادا ً

في صحارى خجلي

لا شك إن في عملية الخلق الأدبي هي مظهر من مظاهر الاصالة في النثر الأدبي ،فالألفاظ اللغوية والعاطفة الجمالية حين يمتزجان بتقنية عالية سوف تفيض من شواطئهما السحرية الإبداع  الزاخرة بالدرر ذات جمالية مطلقة يتغنى بانسيابيتها ألمتلقي كمن يجلس على شاطيء نهر  مأخوذا ًبموسيقى أمواجه وهي تغازل خيوط مساءا ته بإلحان  شجية عذبةٍ.

وفي ( ثلاثية الاختلاس ) ومنها (اختلاس الجسد) ونحن نطالع هذا النص الرائع للشاعرة سوف نتماهى حسيا ً ولغويا في لعبة المتاهاة والتي أتقنت الشاعرة صياغتها بذكاء متمرس ،

أنه اللون ذاته

والطابور الصباحي

لا يمحي الفضول

بدأت أشم حيازتك

خطوة ربما أدنى

فالقصيدة التي يكتب لها البقاء ( ليست نتاج سكب للعواطف الذاتية ... فالطريقة الوحيدة للتعبير عن العاطفة أنما تكون بالعثور على معادل موضوعي ) هذا ما أشار إليه الدكتور عناد غزوان في إحدى مقالاته النقدية .والنص عند الشاعرة منال الشيخ لا ينتمي إلى مجموعة معينة بقدر ما يكون نصا مفتوحا بمعالجات فنية لها أبعادها الدلالية في تفكيك الواقع وإثارة الغموض فيه على ضوء قانون بنائي مادي خيالي يتناهى عنده صوتها الشعري بخطوط واضحة المعالم مؤثرة ومنسجمة على مرّ  تجربتها الأدبية متفردة بأسلوب بنيت عليه معظم إعمالها الشعرية منها والقصصية ،فهي أديبة متمكنة من أدواتها الكتابية ،تعرف متى وأين تضع قدمها . ولإطلاعها على الأدب الغربي ومعرفيتها الواسعة في الميثلوجيا وأساطير العالم الغربية منها والشرقية هذا ما مكنها من بناء أسلوب كتابي امتزجت فيه الأسطورة والحداثة بتقنية تصويرية مبدعة . كما نقرأ في هذا مقطع من النص ذاته:

لاءان متراميان على كتف الحلم

وما زلت تحمل أحبار الشرق ،

أرث مغازل

لتلم شمل يوليسيس ، وزهرة القلق

وفي مقطع آخر من ثلاثية الاختلاس تقول :

مع إغماض أسم آخر

هناك على عمود الحلول

وإيرادات غياب عتيق

حاول إن يقاول المشهد

سقط جدار سنحاريب

ولما للشاعرة من رؤيا ودراية في الاشتغال على النص الأدبي وجر المتلقي إلى ضفاف النص والإبحار معه في بناء الصورة الجمالية بحس استدراكي يقوم على قوة المفردة وتأويل الصورة ، نرى إن نصوصها قد

جرت على وتيرة تصاعدية غاية في الإبداع والرقي الأدبي . كما هو الحال

في نصها ( ابن الدلتا ) آخر ما نشرته الشاعرة حسب متابعتي لإنجازها الأدبي ، نراها تبحث عن الألفاظ والكلمات ذات الجرس المتقارب لتؤسس

لها صوتا فنيا خاصا يمتاز بموسيقى صورية متناغمة لا يشوبها النشاز والهفوات الحسية ،وهذه الدقة في الاختيار يمنح المتلقي فسحة من التفكير بمدلولات النص واستمرارية المتابعة والبحث للوصول إلى الإدراك الحسي لتأويل النص على ما بني عليه أو مقاربا له .هذا الاشتغال الإبداعي للشاعرة على اللغة وتداخل الصور في خلق عمل أدبي حدا ثوي رائع ليس للموهبة اليد الطولى في بناء هذا الصرح فحسب وإنما عمدت الشاعرة على إظهار قدراتها المعرفية المتراكمة والتي تأتت من سنوات البحث المضني والقراءة الدؤوبة بوجه عام والمعرفة المنهجية بوجه خاص ليكونا خلفية انطلاق نحو فضاءات المعرفة والقدرة على صياغة أعمالها الأدبية بروحية تختلف فيها عن مجيلاتها من الأديبات الأخريات

لنقرأ مقطع من نصها ابن الدلتا لنتوقف أمام تلك القدرة المتميزة عند الشاعرة وهي توظف إمكانياتها المعرفية في بناء العمل الأدبي بلمسات شاعرية :

في رغبة رب ، احتمى عبده في بطانة قديسة

مدينة وجبل عائدان من سماء المهاترات

لا مكان لقمم عرافة

الكل على المنصة

فيما تفترش عين وحيدة ألم الحنين

وفي المقطع الأخير من النص يتصاعد التوهج الحسي عند الشاعرة ليصل أعلى مديات الانفجار الصوري لتجبرنا على التأني في الحكم على النص وتكوين رؤيا تأويلية في تحليل النص وإرجاعه إلى مقومات مدلولاته الأساسية في البناء :

جمعت مخطوطاته كلها

وانتظرت ُبزوغ فجر فؤاد

مشطور إلى قبلتين

انتظرتُ لأقدُ الأدعية من قُبل ومن دًُبُر 

ولأراهن على انفتاق جنح ليل.

 




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home