دراسات هامة

 

نقوش من نار

رحاب حسين الصائغ




نقوش من نار

رحاب حسين الصائغ

قصيدتان يتجاذبان العلاقة نفسها في المضمون المتقارب والمعني لكل منهما في توافدها على العقل والخيال والروح، ومن نسيج تلك القصيدتين أجد صورة لا بد من التطرق لها.
الشاعرة: انتصار نادر. القصيدة ( إلى الذي كان بيني وبينه لقاء).
الشاعر: طارق الصيرفي. القصيدة ( اعتذار صريح لحبيبتي). في البداية تقول الشاعرة انتصار نادر:
 هنا لا بد أن نلتقي
كنا نغرق سوياً
كنا نغوص شوقاً
نتواعد ونخطط لهذا اللقاء.
أما الشاعر طارق الصيرفي أيضاً في بداية قصيدته يقول:
مطراً على جدران ليلتنا..  وما زالت عيون الليل باكية..
وكم أحتاج هذا الوقت أن أبكي
لكني عصي الدمع يا فردوسي المفقود.
الشاعرة انتصار نادر تؤكد في بدية قصيدتها على الشد في تبادل المشاعر بينها وبين الآخر من أجل إيجاد حل يضفي لقلبها المنكسر الفرح والإحساس لتكوين حياة جميلة مشرقة، صانعة من ملامح الألم ايطار جمالي، ولم تفقد الأمل في كمية الانتظار المستهلك من عواطفها بفهم صيغة المنسجم من المشاعر الجياشة، بلا  تعجل للإسراع في تحطيم قيد الوقت. 
أما الشاعر طارق الصيرفي على العكس منها حيث يجد على جدران ليلته المطر وعيون  مازالت باكية ويتعبه الانتظار فيعود إلى نفسه ويهدئ شوقه ويدعي حاجته للوقت،  وما أن يوعد نفسه المشتاقة للآخر يتذكر أنه نسي البكاء، وينتهي به الأمر بأن  يوجه التهم لقلبه الفاقد الفردوس. الشاعرة انتصار نادر لا ترضى بقبول اليأس ولا تعطي للفشل أي نقطة يدخل منها إلى قلبها، وتوعد الأمل بالأماني بقولها:
وكأنه قبلة وعد من أمانينا
وكأنه أول حرف من أماني
شاء القدر أن لا ألتقيه
ألا أعانقه إلا بالحلم
في هذا المكان
هي نسجت من حروف الأماني أزهاراً ملونة اختارتها وأعطت لنفسها حق العناق في الحلم، وللتأكيد تقول: ( في هذا المكان) أي إنها وضعت نقط للحروف ووصلت العبارة المفقودة، وهامت بحبها المسكون بالدفء والحنان، الحب الذي يبني ولا يحطم.
أما الشاعر طارق الصيرفي يتوسل إلى سراق عذاباته بقوله:
قد صادروا لغتي وحنجرتي
وعينيك اللتين اليهما آوي..
إذا ضاق الفضاء
مستسلم باسترسال مخيف، إذ هو يعلم من هم السراق ولا يستطيع البوح، ومن تكون تلك الحبيبة التي يعجز عن الوصول إليها، قد تكون حبيبته هي ليس ذات يعنيها، أو نفس تبادله المشاعر، هي شيء أكبر من ذلك كله، لذا أقول: لماذا هذا الركود والقبول بالألم؟ خاصة وإنه يقول (عيناك تحترقان في قلبي) أي درجة من التحمل  يعيش ولا يعمل من أجل إطفاء نار الفقدان التي يعانيها.  بينما الشاعرة انتصار نادر لا تكف عن لف جرحها ومراعاة هموم ذلك العشق الذي تريد له العيش دون خوف أو رعب، تسقيه نسمات من نبع الأزهار، وتصرخ ليصبح البحر واحات حتى تتمكن من السيطرة عليه: حيث الشاطئ والنورس
والبحر واحات الجمال
والبحر الغارق بالهيام
كل شيء حولي كان يسأل عنك
حولت حلمها اليتيم إلى شعلة تتقد بالحركة والرغبة، نسجت أسلوبها بتميز وخفة، وأصبح الكل يسأل عن الحلم المراد له التنفس، كالفراشة تحط على الأغصان المبللة بفرح ربيعي، بدل أن تبقى مكتوفة اليدين منسابة في هم وحزن يقتل حتى الألوان الثابتة فنجدها تسأل بشغف شديد:
من شرد أركانه من قلص مساحته..؟
لماذا قتلت زواياه؟
كيف اعتقلت حدوده؟
وحدها العتمة قابعة في قلبي
غريق المكان دونك يا حبيبي
وأسأل؟
 تحاول أن تعرف كل الأسباب، وتسأل لا تكف عن التملي من المراد صنعه، هناك عتمة تعيشها, المكان غارق في العتمة لكنها لم تفقد الحبيب بعد، فقد زرعته في الطريق المؤدي إلى السؤال لمعرفة المشكلة، والسؤال مستمر.
والشاعر طارق الصيرفي في المقطع الثاني من القصيدة يتلهى بالغزل ويحاول تشكيل رغبات يتغذى عليها حزنه بخفوت عجيب كأنه صادر عن شمعة وليس أحاسيس حارقة فيعود في المقطع الثالث إلى التشهي في جعل رؤياه باسقة بعض الشيء فيقول:
مري مرور سحابة بيضاء
فوق حقول قلبي
واهطلي برداً وثلجاً، طهريه من الفتور
تتراقص الكلمات فوق يدي
وبين أصابعي
وأنا أحاول أن أشكل منك أغنية
 ولكن الحروف تضيع ما بين السطور هنا هو من يحاول زعزعة الحلم الذي يعلن عن عدم الوصول إليه، وبفتور يهدهد الفكر ويطمسه دخل شظايا متفحمة مغتصباً حتى اللحظة، منساق للعدم تحت هياج الغضب البطيء التجاوب، وفي المقطع الرابع والخامس والسادس والسابع يتراجع  بشدة على عكس الشاعرة انتصار نادر، ويقدم اعتذار مهمش بانكساره. ما دفعني للمتابعة بين هاتين القصيدتين، أن الشاعر هنا مذكر ومؤنث، المرأة متمسكة وعندها الرغبة بالمطاولة من اجل إظهار الحق والبحث عن حل، مندفعة في اتجاه العقل المنفتح، لا ترضى الخضوع، تعمل على صقل أحاسيسها والحفاظ على فكرة الخلاص والإخلاص لها وعلى قدر كبير تسعى في تجميل الصورة لقضيتها بهيئات تجدها تستحق المحاولة ولا تمل وتصر. أما الرجل فهو يتكلم بشدة في مكان منعزل ويريد لصوته أن يسمع، ولا يأمل أن يستجاب له، لأنه لا يرى ولا يشاهد غير نفسه منذ الصغر تعود أن يتحرك داخل عقله، ولا يجد غير رجولته المعذبة، ويفهم الأمور أكثر من غيره، فيشرق وجهه في كل حديث وينتصب مداعباً الاختلافات، داخل انكسار يقيده ولا يفصح عنه.
القصيدتان للشاعرين تحملان نفس المعانات والرغبة في رمي المخلفات المعشعشة بدواخل الفرد العربي، والفارق بينهما، الشاعرة انتصار نادر عندها محاولة السعي والمثابرة في إغناء الفكرة بالعزم، وعند الشاعر الوقوف عند الفكرة ومداعبتها فقط.




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home