القلم النقدي

 

تعليق على مقال

أحمد بنميمون



تعليق على مقال

صبحي حديدي في "هواء طلق"

(محمود درويش وقصيدة النثر)

 يوم الاثنين 09/10/2006 بالقدس العربي

أنطلق في تعليقي من تقدير خاص لكل ما يأتي به الناقد الحصيف (صبحي حديدي)فلو أردنا مثلا تقديم ترتيب حسب أهمية وجمالية الأسلوب وعمق التحليل ودقة الملاحظة، في عمود (هواء طلق) لقلنا إن الأول بلا منازع بين كتاب هذا العمود إلياس خوري ليأتي بعده حديدي ثم القمحاوي  فأبو شاور، ليتنازع الرتبة الباقية عناية جابر وأمجد ناصر.

أما بخصوص عمود اليوم، فالمسألة/ الإشكالية يا عزيزي صبحي ليست في (تقريب المسافة بين وزن ونثر في الكتابة الشعرية) بل في كون التسميتين / المصطلحين: قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر ليستا صحيحتين، أو بالأحرى دقيقتين،لإطلاق قصيدة التفعيلة على كل ما كان موزونا من الشعر الذي غادر نظام الشطرين على مذهب نازك الملائكة الذي اقترحته في كتابها (قضايا الشعر المعاصر)وإطلاق (قصيدة النثر) على كل شعر أرسل بلا وزن، ويعلم النقاد أن لقصيدة النثر شروطا لم تخلص لها كتابة شعراء يجهلون الوزن، ولم ينطلقوا في رفضه من تجريبه أولا ، على مبدأ من يقول (اعرف القاعدة ثم حطمها) فلذلك جاءت كتابة كثير من "قصائد النثر " بلا ملامح أصيلة ، فلا هي بالغربية ولا بالعربية ، بل صدق من شبهها بالشعر المترجم. فلكي تكون كتابتنا الشعرية منتمية في منجزاتها إلى ثقافة الجديد يجب أن تقتل القديم ... فهما. وبذلك  ستستحق صفة التجاوز والتخطي والانتماء إلى المستقبل.

 

أيها العزيز الناقد ثاقب الملاحظة صبحي حديدي:

إن شعر/كتابة درويش اللذين حشدت أجمل التعبيرات لتصنع بها عنهما نصا كان من الممكن أن يكون جديرا بهما لو أنك ذهبت إلى الوقوف على حقيقتهما. فبين ما يصرح به درويش في حواراته، مما يحمل إصرارا على التمسك بالوزن ـ بالطبع ليس على طريقة العقاد أو مذهب صالح جودت ـ وبين ما يجامل به عددا لا يستهان به من جماهير قرائه، حول كتابة الشعر بالنثر، في تصريحاته نفسها. إن في ذلك ما ينفي هذا الذي تقرره، وأنت تترك حيادية الناقد وهدوءه تحتفي بهذا الذي تسميه(صيغة النص الشعري المفتوح) وكأني بك تستعجل خروج (أو بالأحرى إخراج) درويش من (الوزن إلى النثر)ممجدا بكيفية فيها كثير من الاستعطاف ـ ذلك الخروج الذي لا يزال في حدود الأمر المتمنى، ، لكن شاعرا في وزن درويش لا يهتم بتحريض على خروج أو ثورة يأتي من خارجه، ما لم ينبع من داخل تجربة ـ هي تجربته ـ جديرة بالمتابعة ، فقد صرح الشاعر المبدع درويش بما معناه أنه لم يضق بالوزن بعد، فلماذا يضيق النقاد بشاعر وازن شهد أن الشعر إما أن يكون موزونا أو هو في أحسن حالاته(نثر جميل)وحسب المبدع أن يصل إلى الجمال من أية طرق ، وبأية وسيلة، لو كنتم تعلمون ما أهمية الوصول إلى اجتراح الجمال، مهما كانت تلك الوسيلة ، وازنة أو لا وزن لها، وتشهد عبقرية اللغة العربية بنحوها ومذاهب صرفها ، أن الكتابة الشعرية العربية بوزن خير من أن تكون بدونه،

وما أكبر جناية النقد المحرض على النثر، في زمن نرى فيه أن التجارب الشعرية العربية الكبرى لا تأتي إلا وازنة موزونة بدْءا من الشاعر الذي ألم بتراثه  خير إلمام : أدونيس ، ولا جناح عليه إن تجاوزه أو دعى إلى تجاوزه، والشاعر العميق  سعدي يوسف والشاعر الأجمل (محمود درويش) والشعراء الذين يعجزني وصفهم أحمد المجاطي ومحمد الخمار الكنوني ومحمد علي شمس الدين وحسن العبد الله وشوقي بزيع، بل وحتى يوسف الخال، وكثيرون وازنون حقا ، لأنهم بمواهبهم العالية، فرقوا بين ما هو شعر وما هو نثر ، أي أنهم فرقوا بين ما هو حق وما ليس بحق، وحسبهم أنهم وضعوا أمامنا تجارب أخضعت الكتابة الشعرية التي تركت نظام الشطرين لتتقبل البحور الشعرية  الخليلية ، غير واصمين الخليل  بشيخوخة ، بل أعادوا شبابه حين أدركوا عبقرية اللغة العربية  التي كما تتمتع بقدرات اشتقاقية كبرى ، تتمتع أوزان شعرها عند الموهوبين من أبنائها بالقدرة على التشكل وأمامكم الأمثلة الناطقة في ما  يكتبه سعدي يوسف على بحر الطويل وبحر البسيط،كما في قصيدته التي نشرها في جريدة القدس العربي ص. 10بتاريخ: الثلاثاء 18/يناير 2005

يوماً فيومين تعوي الريح والمطر الـ...

كبير ذو القطرات المشعات كحبْـ...

بات المسابح والزعرور يطرق شبـ...

باكي وينهمرُ

مغلغلا تحت جلدي بردهُ

أهي الرطوبة أم أن العظام غدتْ

قبل الرميم رميما أم هو القدرُ

أن يستديم مع الأرواح مضطربي

ومستقريَ أقصى الغابة ابتعدي

عني إذن يا فتاة البحر واتـّـركي

على الملاءات عرفا منك أعرفهُ

مضوّعا ضائعا بين الجدار وبا

ب الجنة... الشجرُ

وقد وزعت الأبيات حسب ما يمليه قانون البيت ذي الشطرين لبيان أن القصيدة التي نشرها الشاعر بتوزيع يراعي وقفات  غير عروضية ، لا يصح أن يقال عنها إنها من شعر التفعيلة ، والأمر ينطبق على قصائد كثيرة لهذا الشاعر استغل فيها الإمكانات الإيقاعية الغنية للأبحر الشعرية العروضية الخليلية، وما كتبه أدونيس منذ (وقت بين الرماد والورد) في (مقدمة لتاريخ ملوك الطوائف) :

وجه يافا طفل /هل الشجر الذابل يزهو؟هل تدخل الأرض في صورة  عذراءَ /من هناك يرج الشرق؟جاء العصف الجميل ولم يأتي الخراب الجميل / صوت شريد...

وقبلها في ( المسرح والمرايا)في مقاطع كثيرة منها هذا المقطع:

مرآة لمعاوية:

شعْرة تقرأ الرياح وتبني

ملكك في تفجـّـٍر البركان  ِ

في زفير الأمواج

والزمن الهائم بين الإعصار والربان  ِ

(أدونيس : الأعمال الكاملة ص. 483

المجلد الثاني ـ ط. 2 تشرين الأول 1972 ـ دار العودة)

أفبعد هذا ، يبقى من حق أي ناقد تقسيم الشعر إلى قول شعري تفعيلي  (إلا في حدود القصائد التي تلتزم  وحدة التفعيلة ، وقول شعري نثري؟ إلا أننا نعجب غاية الإعجاب بهذا المعنى الذي تضمنه أحد أبيات البردة للبوصيري:

والدر يزداد حسنا وهو منتظمٌ    وليس ينقص قدرا غير منتظم ِ

فإن كان للدر نفس القدر في الحلتين إلا أنه يكون أجمل وأكثر حسنا وهو منتظم، وكذلك الشعر في ما نرى يزداد حسنا  وروعة مع الوزن ، والعكس غير صحيح ، فما يضيع منه حين يكون بغير وزن  لا يستطيع أن يعوضه  بالرؤيا ، في ما أصبح يسمى بشعر الرؤيا ، إذ ما قول النقاد إذا كانت الرؤيا، وكل المعاني التخييلية،توجد في الشعر حتى مع الوزن .

وأخيرًا، كل الشكر والتقدير لمقالك الرائع الذي فجر بين يدي هذه الملاحظات السريعة التي لا تزال تحتاج إلى توضيح وتشريح.  مع أمل ألا تكون قد وقعت أو قاربت أي تجريح.


 




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home