خاطرة

 

العمر

حسين أحمد سليم آل الحاج يونس



كلمات
العمر

 

بقلم حسين أحمد سليم آل الحاج يونس


العمر يمضي بين إغفاءة العين وانتباهتها ، فإذا ما صحوت من غمضة العين، وجدت نفسي غير ما كنت عليه بالأمس، وغدوت متغير المظهر والشكل، متقدماً في العمر، محني الظهر، هابط الكتفين، تعلو هامتي بقايا شعيرات بيضاء، تفيد الناظر إلي بدنو شيخوختي، ونشر أخبار هرمي، لقد أصبحت مسناً، إن هي إلا لعبة الزمن، تسرق منا زهوة العمر، دون أن ندري"·

عهد الطفولة انطوى، لا أذكر منه شيئاً، تخونني ذاكرتي، بلى لم أنس مدرستي الأولى في قريتي، ما زلت أذكر معلمي، وصوته يرن في أذني، ألف، باء، تاء، ثاء·· قطة البيت الصغيرة التي كانت صديقتي، تساهرني باللعب وتسامرني بالمواء، وتلك الدمية التي أهداها لي والدي، عندما عاد من المدينة الى القرية ليلة العيد·· والشيطنة في الأزقة، مع أترابي من البنات والصبيان، وعاطفة الحب النبيل الطاهر التي كانت تنتابني نحو الإناث في عمري، دون وعي للتقاليد والعادات·· ومراهقتي عنيفة كانت، مارست فيها كل أنواع الشيطنة، مزجت فيها طفولتي وبراءتها، فكانت جميلة بكل حركاتها وأحلامها وأفكارها، رغم عدم النضوج·· مرحلة شبابي لم تكن عادية، ولم تتسم بطبيعتها، حيث حملت العبء باكراً، وأنيطت بي المسؤولية وأنا طري العود، كوني ولدت ونشأت من رحم الفاقة والفقر·· فعملت في المصانع، ومارست صنوف الأشغال، لأجني بعض المال، أساعد أهلي وأسد عوزي·· وتابعت دراستي في جوف الليل، كي أضمن مستقبلي، فتعذبت كثيراً دون كلل أو ملل· وشعرت برجولتي باكراً، فاقترنت بمن كانت من قسمتي ونصيبي، فأحببتها كثيراً وما زلت، ورزقني وإياها الله ذرية صالحة التربية والمسار·· كبروا بالحب ونضجوا بالعشق وبنوا حياتهم بالود والمودة والرحمة·· زينة الحياة وتشكيل الفرح والسعادة·· أنهكتني سنابك الأيام، وهدمتني حوافر الأعوام، ومزقتني الأحداث، وردمتني المنغصات، وأثقلت كاهلي تصاريف الدهور، فزالت نضارتي، وتغضَّن وجهي، وابيض شعر رأسي، وبردت أعصابي، وانطفأت جذوتي، وضعفت ذاكرتي، وهمدت رغباتي، ورافقني النسيان، وافترستني الشيخوخة، ولم يبق لي إلا الذكريات تؤنسني·

  




  خواطر سابقة

اطبع الموضوع  

Home