فن تشكيلي

 

العلم والفنبين بين المدارس الحديثة والقديمة نفيا وتأكيدا

حسين أحمد سليم آل الحاج يونس



رأي

 

 

العلم والفن

بين المدارس الحديثة والقديمة نفيا وتأكيدا

 

 

حسين أحمد سليم

 

 

            إجراء النفي استكمال لفئة ونفي لما قبلها , وتبيان الشيء إيضاحه لا نفيه أو قبوله فكان البيان هنا معناه اتباع لمن لا يعرف أصله وهذا بالطبع ينطبق على الفن حين نعده منهجا أو علوما أثبت جدارته في معرفتها .

            محطات من الزمن أوجدها الإنسان حين قسمه وأوجد معها مدارس لا لكونها اكتشافا بل معرفة لما هو موجود في صلب الطبيعة .

            قسم الطبيعة لإخضاعها للدراسة والتعليم فكان دور الأخير إفصاحا لما هو بين يدي الإنسان من معرفة كسبا واكتسابا . والمعرفة في هذا المجال ومن بعض تعاريفها يمكنها أن تكون إدراك لتصور وتصديق سبقها جهل بمعنى أنها ليست بجهل بل إصرار في التحدي .

            الغرب أعطانا تجاربه بقوة لكي تلف مفهوم الفن وأثاره , ووزع على العالم – كرائد هو – ما عرفه عن الفنون وتنوعاتها , معتبرا من أن احتكاكه الدائم مع الحضارات العالمية أوجد عنده الصدق بالقول والأمانة بالبحث والنسخ والنقل , فعرفانه بنهضته بأنها قوة كاد أن يلامس التعريف وكاد أن يقتنع من أنها الوثبة في سبيل التقدم الاجتماعي ونحوه , وشحذ الأذهان يثيرها إلى الإقرار بالقناعة وأنه من الضروري أن تتصادم الأفكار لتتواجد حتى تتواجه , ومن تواجهها تأتي المتعة لتهب لنا الحياة وتخلق الفاعلية الموجبة كشعار جديد يدفع بالإنسان أن يعمل بلا خجل أو خوف .

            سقوط قناع الحرم الذي كان يلف طبقة النبلاء أوجب أيضا القناعة وأوجب معها تعريفا من أن العمل الذي كان عندهم نزلا ومشينا مع الاعتزاز الموصل إلى المجد , فلا خوف إذن من الثورات ولا خوف من إرسال نتاجاتها الفكرية والعلمية إلى السوق البعيد حيث الحضارات تتواجد تسبق وعي الغرب وتقدمه . بعد الوعي " القضية " بمفهوم الوثبة لم تعد تتحمل التسويف والتأخير فلا بد من قطع وبتر وظهور نهضة مشحونة بالعطاء , مسؤولياتها هي الاستفادة من الماضي وتحريكه نحو المستقبل وهذا معناه أن المدارس التي أوجدها العلم حديثا لم تسقط حساب الماضي أن يكون حافزا .

            أول خطوة خطاها الإنسان هي إيجاد مؤلف فني له قوى مجهولة أوجدت الماضي تقنياته حتى سادت كل ميادين عمل الإنسان . حين عرفها إنسان النهضة كانت بمثابة ربات الهام – كما اعتقد – لكل عبقري أوجدته النهضة أو اعتبرت أنها وسيلة من وسائل الإنتاج الجديد .

            ربات – كما وصفوها – لا يعرف الحدود ونشاطها , تجلت عند ليوناردو دافنشي وخلقت من عظمة علمه قوة يحيلها إلى إبداع واختراع . مثلها كمثل الذي يعطي الموسيقى إلهاما . لينجلي بمؤلف موسيقي لامع بصري عليه ولا هو تبطله من الطبيعة لرؤيته وإنما هو كما تردد في أقوال أصحاب الموسيقى الوحي الذي يسكب في الآذان ترانيم لها صدى يطرق باب الأذن لتسمع وتشهد في بوتقة صاغها حسن التدبير بحيث يتلهف إلى سماعها الإنسان المختص مصدقا موقعها مسجلا باعتزاز ما سمعه منها وما يترنم .

            ولم تعتبر نشاط التجديد على ما كان يملكه الإنسان من آلات وأدوات وإنما خطا خطوات واسعة في ميادين الاختراع بحيث أوجد العديد من الآلات التي تساعده على إبراز إبداعه . فاخترع الكمان وسلمه الحاد كما سماه المبدعون انتصارا للفرد والنشوة . أفسحت المجال أمام بتهوفن أن يتعملق وأن يعطي من ألحان السماء ما لم يتوقعه أي إنسان من قبل . كذا في المسرح الفرد يأتي إلى الظهور متعملقا بعد أن كان دوره من أدوار الآخرين . فكانت الأشخاص قبل ظهور دوره كبطل لمسرحية , تلعب دورها ناقصا . مغطى بأدوار جامدة . وحين جاء شكسبير وأبرز ما لديه من عطاءات مسرحية رائعة كانت الدراما عنده قد نشطت وتحفزت لتعطي الفرد الفريد دورا لم يكن للمسرح أن يراه لولا اهتمام النهضة بالإنسان الصانع المخترع .

            وفي ميادين أخرى علمية وكشفية نجد أن التحول الجريء الذي ألغى مركزية الأرض ليحيلها إلى مذهب يخص مركزية الشمس , قد أثبت انتصار كوبرنيكوس في وجهات نظره من أن الأرض تدور حول الشمس وليس العكس . وهذا بائن عند أرشيشاس اليوناني قديما , ولم تظهر نظريته إلا في عصر النهضة بحيث أن اهتمامها بالقديم لا يعني نفيه بقدر الاستنفاع منه وهذا بالطبع قد تجلى بدراسات الحضارات القديمة واهتمام العصر بالإنسان الصانع المخترع إذ لولاه لما كان هناك عصر للنهضة بتجلياتها العظيمة .

            كانت كل هذه الأفكار العلمية والفنية موجودة في العصر الوسيط لم يستعملها العلماء لأنهم اعتبروها شيطانية كذلك الحديث عنها يجر صاحبه إلى الإعدام كما حصل لغاليلو الذي حكم عليه الإعدام شنقا لولا أن تراجع وتمسك بنقيضها حتى أصبح مؤيدا لها ولكن بسخرية لغلو مغالطاتها .

            الطبيعة تنفتح وتتفتح لناظرها الحاذق بينما كانت أيام العصور الوسطى وقبلها جامدة لا تقبل التبديل أو التحوير . فهي سكن للشياطين والإنسان فيها بالرغم من جبروته طائع , له مصير منها يسكنه القاع الذي لا قرار له سوى أنه الطرف الآخر المقدس الذي اعتبرته الأديان مأوى لكل إنسان طائع , عمل بالدنيا واستحقه . ولكمال هذا المأوى كان كل شيء فيه جاهزا لاستقبال نزلائه . والمناظر في الدنيا والتي يرسمها الفنان الوسيط ما هي إلا مرافق له للطرف الآخر . أحسن عملها وأظهر فيها رغبته في العيش فيها . كادت هذه الرغبة أن تكون بائنة في لوحاته . نظره دائما إلى فوق , إلى الفتحة التي تسمح له رؤية السماء متأملا الوصول إليها لولا الآثام التي جاءته من الدنيا . لقد نجا القديسون منها وأصبحوا من رواد ساكني الطرف الآخر لطهارتهم ونبل أخلاقهم ... لقد اهتم جبوتو بذلك كما فعل أيضا تشيمابوه حين قاموا برسم الأشخاص المقدسين .

            لكن وعندما تم اكتشاف علم التطور تحول منظار الفنان إلى معانقة الطبيعة وتحولت رؤياه إلى مكنوناتها فلم تعد سوى نوافذ لعينيه التي منها يراها بوضوح , جان فان أيك بعمله جال العالم بأناسه والطبيعة برفقته , حول الحياة إلى خبرة تعشقها الطبيعة كلي لتطبيع العقل فبدلا من أن تكون هدفا للتقديس أصبحت هي ومن معها في خدمة الإنسان . وقد تجلى ذلك عند ليوناردو دافنشي ( 1452 – 1519 ) حين نظر إلى الكون كله واعتبره " عبارة عن إنسان كبير واحد " يستحق العناية والرعاية والاحترام . والإلمام بكل ما يعطيه الإنسان من علم . انه بعد عصر النهضة أصبح قوة تفتح ذراعيها لاستقبال العلم وهي مفتاحه .

            لكن برونو الفيلسوف يزيد في مفهومه الفلسفي إيضاحا لمما كان عليه قديما بأن الكون جاء منفردا لا يصطحب الآلهة وأنه بعد ظهور مذهب الحلول : وحدة تجمع الله والكون في الجوهر والهوية لا بالرفقة . فكل ما شخصه العالم المنتهي أصبح بعد الحلول ومن مداه إلى عالم لا منتهي يفيد الإنسان بأن ينتصر على كل ما يحد من ذكائه وقدرته فبعمله الدؤوب أصبح للعالم ميلاد جديد وأصبح سيد الكون الإنسان له السيطرة على قدرة تحقيق ما يبغيه من أحلام .

            " أنا أفكر إذن أنا موجود " قالها ديكارت بقوة ليضع الحجر الأساسي لفلسفته الجديدة , معتبرا أن من أقواله ما يفيد إلى وجود " الإله الآخر " الذي يحكم بالعلم وكل مخالفة لفلسفته مغاير للحقيقة .

            وبعد كل هذا فان ما قلناه ما هو إلا ممهدات للوصول إلى عالم جيد يسوده العلم . وهذه نظرية سيطرت على عصر النهضة لأنها تبغي الإنسانية التي هي ملك للبشر وليس ملكا لأفكار الموروثة .

            إن الإنسان في صراعه مع الطبيعة والكون زاد من غوره في معرفتها , مما أدى إلى حماس في اقتفاء آثار الأقدمين وتفهم مواقفهم منهما ( الطبيعة والكون ) وفق ما كانوا يملكونه من وسائل هي بحد ذاتها تعني قدرته على معالجة ما كان يحيط به من مظاهر طبيعية وكونية .

            اغتصاب الطبيعة لا يتم بالمجادلة والحث على مراعاتها خوفا منها أو إبقاء على ما ورثه الإنسان . ولكن بهزمها بعد حصوله منها على قوانين شتى ساعدته على دراسة وإبراز قوانينها العلمية المخبأة في جوفها أو البائنة في ظواهرها دراسة جيدة مفيدة من أن ما يأتي منها هو التنبؤ من أن رؤيانا لا هي الصيغة التي لم نرثها وراثة بل أوجدناها صراعا يكاد أن يكون الحلة الجديدة التي جاءتنا بعد تجربة ممكنة تكاد أن تكون نبراس تشريح الطبيعة أو الدفع الموصل إلى مقولة أطلقها بيكون حين عرف بقوله " من أن الطبيعة تهزم بالطاعة " حين نفككها لنحللها ثم نعيد صياغتها من جديد , حتى يستفيد منها الإنسان وفق متطلبات حياته في هذه الدنيا . إن الصيغة الجديدة مدار البحث هي أو تكاد أن تكون منحصرة بمعنى هو أن الطبيعة الإنسانية هي وريثة للطبيعة الطبيعية لا نفيها . فإذا ما تم تحديث يأتي لصالح الإنسان ويخدمه في حينه ولا يصبح قديما إلا بعد إحداث الجديد . كل لحظة تمر هي من عداد الماضي ولا تصبح من المستقبل إلا بعد الاستفادة منها علميا . فالعلم وحده هو المنقذ وهو دائما الباب الذي يجعلنا ننظر منه إلى المستقبل فرحين من أنه بين أيدينا . كثرة العلم كثرة في الملك والعالم كله يصبح صغيرا عندما نحيطه بالعلم . بوضعه في جعبتنا كالمسبحة التي نلعب بحباتها حين نعدها . وما أصعبها من لحظة حين نصل بالعد إلى البداية ولم نحترم وجودها ولا إطلالاتها علينا . إن الماضي قفزة للمستقبل إن لم يكن كذلك فهو أرض قاحلة لا تتفسر إلا ببريقها فقط والإنسان من حولها يعجب , هل من مجيب له يحيلها إلى قوة تدفعنا إلى الأمام . انه العلم بفنه وحنكته .

 




 

اطبع الموضوع  

Home