فن تشكيلي

 

تذكار من الجنة/ماتيس في المغرب



تذكار من الجنة

"ماتيس" في المغرب

 

                                                   ترجمة : يوسف إسماعيل شغري

 

كان "هنري ماتيس " يرسم من لوح مزج ألوانه الغني بالدرجات اللونية المتوهجة الصافية كموزاييك صارخ من ذلك العالم من الألوان المتوسطية . ففي البداية, أتى إلى كوليو حيث لأمضى صيف عام 1905. و كوليو مدينة فيها مرفأ منحدرة باتجاه حافة البحر و فيها قلعة و منارة و برج له جرس يتنافس ارتفاعاَ مع الجروف الصخرية. و فيها منازل بجدران بيضاء أمام بحر أزرق, وأسراب من القوارب الساكنة على الرمال الصفراء. و رغم الخمسة عشر عاماَ من التصوير, كان اكتشافه للقوة المتفجرة للألوان في كوليو. وبعد هذه الانعطافة في نشاطه الإبداعي, ترك نهائياَ الانطباعية باتجاه جديد وصف "كتصوير لا يهتم بالمصادفة, تصوير ذاته, تصوير بمادته الصافية, أي البحث عن المطلق"!

ثم سافر إلى المغرب حيث هرب من رطوبة الشتاء الباريسي إلى ارض مباركة بالشمس حيث الضوء يبهر و الظلال تسطع.. حيث الأرض نفسها سجادة متنوعة من الورود. لقد أضافت الرحلات التي قام بها إلى المغرب عام 1912 و1913 فصلا مثمرا ورائعاَ في حياته. وهذه الرحلات لم نستجب كثيراَ جداَ بفضل غناها اللوني الغريب بل بالانجذاب الروحي باتجاه الطبيعة بخضرتها المتمردة و عمارتها الخيالية و حزمها اللونية .., بشمسها اللاذعة طبعاَ و ضوئها الذي يعشي العيون. لقد خشي الفنان على عينيه ألا تحتمل كثافة الألوان التي كان "ماتيس"يبحث عنها ليبدع هذا الفردوس الأرضي.

كانت لوحات ماتيس الرائعة من المجموعة المغربية المدهشة لمعلمية المهارة الحرة للفنان ترسل بعيداَ الى روسيا , إلى سيجي ششوكين, واحداَ من الجامعين الرئيسيين لأعمال الفنان قبل الحرب العالمية الأولى.

وتنبغي الملاحظة أن سيرجي ششوكين مع جامع روسي آخر هو إيفان موروزوف, و هذا الأخير من الذين نوهوا بموهبة "ماتيس" قبل الكثير من النقاد الآخرين, كانا قد جمعا مجموعة من أجمل مجموعات العالم لأعمال الفنان حيث يفخر بامتلاكها اليوم كل من متحف التراث في لينينغراد و متحف بوشكين للفنون الجميلة في موسكو.

و في هذا المجال فإن الخدمة التي أداها ششوكين عظيمة على نحو خاص. إن حصوله على حوالي /40/ لوحة في عام 1910, كان قد طلب إلى ماتيس أن يرسم عمله العظيم حتى يومنا هذا المعنون " الرقص" و عمله الآخر " الموسيقا" ليضعهما في بيته في زقاق زنامسكي في موسكو.

لقد كان ششوكين حقاَ راعي الفنان المخلص خلال تجاربه الأولى.

و في عام 1911, دعا ششوكين " هنري ماتيس " ليزوره في موسكو حيث وصل عن طريق سان بطرسبورغ. وفي موسكو, دفعه فن الأيقونة الروسي لتأمل الأسلوب البيزنطي في التصوير حيث غدا عموداَ من أعمدة الزخرفة لديه.

و نزولاَ على الطلبات الكثيرة من كلِ من شوكين و موروزوف, امتنع الفنان عن عزمه الأصلي بزيارة صقلية. وفي كانون الأول عام 1912, وصل إلى طنجة. وفي الحقيقة, كان كل ما شاهده في شهوره الأولى في المغرب مطر لا ينتهي يغلف بضبابية مشهد المدينة القديمة و مرفئها من خلال نافذة فندقه! إذن لا عجب من ألوانه القاتمة في لوحته "آنية السوس" حيث رسمها في غرفته في الفندق التي كانت تعكس جيداَ المزاج الحزين لرجل محبوس ضمن أربعة جدران. ولكن عندما حل الربيع في أوائل آذار ليقدم بكرمه العظيم عيداَ متنوعاَ للطبيعة, استهل الفنان مناظره الاحتفالية معظمها من الحدائق و البساتين المغربية المتناثرة على أطراف ثوب طنجة بخطوطها الخيالية و ألوانها الفرحة و خصوصاَ الأزرق الساحر, كانت لوحاته تذكارية لأول عمل زخرفي عظيم بعنوان "سعادة الحياة" ز عن استخدامه للون و إشعاعاته طافِ بالفرح و استخدامه لدرجات لونية صافية كونت انسجاما( هارموني ) في الألوان له قرابة بالموسيقا.

و عند زيارته الثانية لطنجة, نفذ "ماتيس" خصيصاَ لششوكين لوحتين شخصيتين( بورتريه) :تذكار مغربي إحداها لوحة " حميدو" لصبي مغربي خجول, و الأخرى لوحة "زهرة بالأصفر" لفتاة مغربية يضئ وجهها كالبدر. لقد اصبحت "زهرة" موديله المفضل" إذ سوف تظهر في لوحته الاحتفالية "ثلاثية مغربي" التي رسمها "ماتيس" لموروزوف.

إن رسوماته , مثل اسكتشات من الشارع,و مناظر المدينة, ومشاهد المقاهي التي تبدو للوهلة الأولى رسوماَ سريعة لمنها كانت في الحقيقة عميقة فيها كل الضوء المنبعث و الغنائية. و رغم أن الخط متحرك و طليق, و الرسم متكسر و حتى الفراغ يكون انطباعا لا يخطئ بالحجم. و تعليقاَ على معرض لوحات ماتيس المغربية الأول عام 1913, أشار مارسيل سيمبات:

" يشاهد المرء هنا مقهىَ مغربياَ فيه أشكال إنسانية متطاولة تحيط بوعاء من السمك الأحمر, لوحة يعطي الحكم فيها لحنينه للراحة والهدوء, إضافة للوحة لجندي بالأخضر. لكن ما يترك أثراَ بشكل خاص كانت بساتينه. أنا أعرف إحدى لوحاته التي رسمها ثلاث مرات برغبة للزخرفة, للهدوء و البساطة التجريدية الظاهرة أبداَ بقوة أكثر من مرة."

بالنسبة لماتيس, كان المغرب ملجأَ مباركا َحيث يستمتع بالفرح بالرؤية و التصوير. وعلى الرغم من انه لم يرجع إلى المغرب بجسده و لكنه عاد في لوحاته مراراَ و تكراراَ لتصوير المواضيع التي كانت تلهمه إياها تلك الرحلات , وحتى في لوحته الأخيرة التي أبدعها الفنان حين أصبح نصف أعمى في مغرب حياته, كانت تذكاراَ من جنته التشكيلية.

إن الفنان مدين كثيراَ جداَ للمغرب, وكذلك أيضاَ كان مديناَ إلى كوليو. لقد غير تقنياته و إدراكه الحسي الرقيق للعالم حوله الذي أوصله للنضج. حقاَ يحتضن الفنان مجد المكان في مجموعة أعماله الكاملة كالقمة التي يمكن أن تشاهد البانوراما الإبداعية الشاملة للفنان.

 

                                                                           عن صحيفة ( تشرين ) السورية




 

اطبع الموضوع  

Home