قصة

 

الحلم المغتال

غلاب فؤاد



التقيا كالغرباء وتحابا كالغرباء وافترقا كالغرباء وعادا بهم الزمن الى نفس المكان والى نفس الحديقة التي جمعتهم ذات ربيع مشمس وكلاهما مثقلا بجراحاته الدامية لتعود القصة من جديد من مقبرة الزمن وقد مزقت اكفانها بعد عشرين عاما خلت وعاد البوح على طاولة القلب مكفنا في اريج الورد بعد ان ضاقوا ذرعا بهذا الصمت الطويل وانحنت الاشواك صاغرة فاسحة الطريق لقلبين مزقهم البعد والهجر لنستمع...
قالت له هل تقرا لغادة السمان
قال لم افرغ بعد من قراة نفسي
قالت انت تحاول ان تخفي نفسك عن نفسك
قال لا ابدا انا منذ زمن احاول ان التقي بنفسي خارج هذه الفوضى في هيكل الحياة
قالت هل تسمح لي بقراة هذه القصيدة التي بين يديك
قال سمكة تمردت على قانون الماء فلقت حتفها
قالت انت تتفلسف
وهل تزعجك فلسفتي
قالت حبذا لو تكون اقل غموضا
قال على قدر غموضي يكون وضوحي
قالت دعني القي نظرة على لوحتك الزيتية
قال وردة القيت على اشواك
قالت وهي تتصفح ملامح اللوحة ولكن ماذا يفعل هذا العصفور هنا
قال العصفور هو امل الزهرة في التخلص من جبروت الشوك
قالت وهي تخفي دهشتها المتعثرة لم اتصور ابدا انك تتقن الازدواجية في التعبير عن نفسك الغائبة
قال امل المتكلم الصمت وامل الصامت التكلم
قالت كل كلمة تقولها تصبح قصة وكل قصة تصبح رواية وكل رواية تصبح مالا نهاية.و...و....و
قال ربما هي رغبة الروح في الانفصال عن الجسد للعيش خارج حدود كهف الحياة
قالت هل افهم من كلامك انك تعشق الحرية ولو كان ثمن الحرية الموت
قال اجل فالمرء تبداحياته بشروق وتنتهي بغروب و في اعتقادي لا تتم الحرية الا في حدائق الروح
قالت وكانها تعيد ترتيب هندام سؤال معجز ارغب في قراءتك ككتاب مفتوح فماذا ستقدم لي
قال وهو يطفئ سيجارته اقدم لك احزان الغروب وحرائق الروح وبعض من زهور جبال هالا المعطره..
قالت وماذا تود انت مني
قال(هل تسمعين صهيل احزاني)
قالت ولكنك رميت بانفاسي العطرات للريح قبل عشرين عاما وكنت قد تخليت عن احزاني وسخرت منها وهي تعبر الشباك في ليلة ماطرة في طريقها اليك
قال وكانه تلقى صفعة في قلبه // لا جدوى من النفخ في رماد الماضي//
قالت ولكنه ماضي امراة يتيمة حانية وهبت لك روحها وحياتها ودفى مشاعرها ولم يخبوا لهيب شوقها لحظة واحدة
قال وكانه ينتشل نفسه من فوضى خواطره عشرين عاما من الفراق والصمت عشرين عاما وانا اعيد قراءة رسائلك المعطرة بانفاسك والمبللة بدموعي على ضوء شمعة
قالت وهي تمسح دمعة حارة ولم تقوى على كبح جماحها عشرين عاما وانا اقرا رسائلك الاخيرة بنفس الوجع وبنفس الالم وبنفس الفجيعة
قال ولكنك تخليت عني واخترت باريس.....
قالت وكانه صفعها في قلبها لم اختر باريس ولم اتخلى عنك ولو تخليت عنك ماكنت عدت لاجلك..
باريس منحتني كل شيء الا انت والوطن.......عشرين عاما وانا اتقمص واعيش في شخصية غريبة عني.........
قال وانا ايضا منحتني الجزائر كل شيء الا انت ومنذ عشرين عاما وانا احاور الصمت وافكلر في اخر جملة وردة في رسالتك الاخيرة-//ابي لن يبارك زواجنا ابدا//-
وكنت انذاك مجرد طالب جامعي لا يملك في الاحيان ثمن السجائر بغص النضر عن ذالك الشعور الذي كان يمتص دمي...
قالت ومات هو ذالك الشعور الذي يمتص دمك من عروقك وانت في الجامعة
قال كنت اشعر في الرغبة بالموت وانا ارى الحلم يحتضر امام عيني ويلفظ اخر انفاسه ولكن اغتيال الاحلام رميا بالرصاص ليس من عادة العشاق
قالت هذا صحيح ولكن ابي متزوج من فرنسية وانت تعرف ذالك فهي ترفض ان العيش في الجزائر وابي يؤفض ان يتركني هنا حتى لا اشعر بانه تخلى عني بعد رحيل امي الى العالم الاخر................وتبكي فراق الام وفراق الحبيب والوطن.....وسافرت رغما عنها تاركة قلبها معه...سافرت عائدة الى باريس جسدا بلا حياة وحياة بلا معنى تاركة اياه على قارعة الضياع باع لوحاته بثمن بخس الا وردة القيت على اشواك قبل ان ينتهي به الامر الى الجنون
النهاية




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home