دراسات هامة

 

الصورة الروائية

د. جميل حمداوي



الصورة الروائية في رواية" اللص والكلاب"لنجيب محفو

1- القسم النظري( مفهوم الشخصية الروائية وخصائصها):
أ- بلاغة الصورة الروائية:

من أهم مكونات الرواية ومرتكزاتها الأساسية نجد صورة الشخصية الروائية التي تتضافر مع مكونات روائية أخرى كالفضاء والإيقاع والامتداد والتلقي لتكون عملا روائيا يمكن نعته على مستوى السياق الجنسي "رواية". ولايمكن تحديد صورة الشخصية باعتبارها مكونا واستخلاص سماتها إلا بوضعها ضمن سياقها الجمالي والأسلوبي وذلك بضبط قواعدها الفنية التي تستند إليها الصورة الروائية بصفة عامة. و ما الصورة الروائية إلا تجسيد جمالي وفني على مستوى اللغة والتعبير. ولهذه الصورة قواعد وضوابط جمالية تتمثل في الطاقة البلاغية واللغوية والسياق النصي والنوعي والذهني.  وبالتالي، فالصورة الروائية صورة جامعة لكل العناصر الفنية التي تجعل من الرواية رواية.
هذا، ولقد تعددت المقاربات التي تناولت الشخصية من عدة وجهات ومنظورات. فهناك المنازع السيكولوجية والواقعية إلى جانب المناهج البنيوية والسيميولوجية. وترتب عن ذلك أن انتقلت الشخصية من مرحلة اللحم والدم إلى مرحلة الكائن الورقي ( رولان بارت)، ومن الشخص إلى الشخصية(  ميشيل زيرافا)، و من الإنسان الواقعي ( القراءات الانعكاسية) إلى الشخصية المتخيلة أو إلى عامل من العوامل)( فيليب هامون،گريماس).
إلا أننا عندما نتعامل مع الشخصية علينا أن نستفيد من كل هذا الموروث النقدي الذي ساهم في تحديد الشخصية وفهمها خارجيا وداخليا، كما ينبغي أن نستعين بالطرائق الفنية التي تلتجئ إليها الأسلوبية والصورة الروائية. و لايمكن أن تؤدي صورة الشخصية وظيفتها الجمالية أو الفنية إلا ضمن سياقها النصي، ولايمكن أن تكون إنسانية في أعماقها إلا إذا أقنعت المتلقي بصدق متخيلها السردي. إلا أن كثيرا من الباحثين يربطون الشخصية بوظيفتها المرجعية لابسياقها الأسلوبي والإستيتيقي. فالبحث في موضوع صورة البطل - تؤكد فاطمة موسى- " في الفن القصصي شائق متعدد الجوانب يدخل في ميدان النقد والتاريخ الأدبي، كما يدخل في نطاق التاريخ الاجتماعي، فالأديب في تصويره للبطل في القصة أو المسرح يعبر عادة عن فلسفة معينة تكمن وراء رسمه لملامح الشخصية(...) والرواية من أكثر الفنون اهتماما بتصوير الإنسان في علاقته بالمجتمع، فهي في رأي الكثيرين ملحمة العصر الحديث، ولذا فإن تصوير الشخصيات فيها غالبا ذو دلالة مضاعفة".
ومثل هذه الدلالة المضاعفة هي التي تختزل - يقول أستاذي الدكتور محمد أنقار- " موقف النقاد الحائرين بين الصورة التخييلية للشخصية الروائية، وبين صورة الكاتب والعصر التي تعكسها تلك الشخصية"
ومن الذين ربطوا الصورة الروائية للشخصية بالمأزق المرجعي والتصور الإيديولوجي للكاتب تجاه عالمه وعصره نجد طه وادي الذي ينظر إلى الرواية على أنها تصور" تجربة إنسانية تعكس موقف كاتبها إزاء واقعه بنفس القدر الذي تفصح فيه عن مدى فهمه لجماليات الشكل الروائي، والرواية تقول هذا وأكثر من خلال أداة فنية مميزة هي(الشخصية)، وهذا ما جعل النقاد يعرفون الرواية بقولهم: إنها فن الشخصية".
هذا، وتستخلص الملامح الإنسانية الرفيعة للصورة الروائية للشخصية التخييلية من السياق الكلي للرواية بعد تضافر مكونات الرواية الجمالية وسماتها الفنية داخل نسيج الوظيفة الجمالية لصورة الشخصية. ويعد كل هذا في رأي الباحث المغربي الدكتور محمد أنقار  منظر الصورة الروائية أقل خطرا من القول بــــــ"الانعكاس الاجتماعي" بمفهومه الموضوعي الواسع اعتمادا على مااهتدى إليه" يوري ريوريسكوف" أثناء كشفه عن ملامح إنسانية عميقة، من خلال التركيز على بعض تفاصيل البطلة في رواية" أنا كارنينا" لتولوستوي.
إن صورة الشخصية ذات مرجعية إنسانية ووظيفة جمالية أسلوبية، لاتتشكل إلا في سياقها النصي والذهني وإطارها الخارجي، وعبر الطاقة اللغوية المكثفة والطاقة البلاغية المشخصة بالمشابهة تارة والمجاورة تارة أخرى ولكن في سياقها الكلي لا الجزئي، وفي أبعادها الرمزية والتأويلية لا في تمظهراتها الخارجية أو السطحية فحسب.
وبناء على هذا الاستنتاج، يمكن القول: إن " الصورة الإنسانية للشخصية الروائية لاتتحقق بذاتها، بل بواسطة الكائنات والفضاء الذين يحيطان بها(...) وهذا يعني أن الوعي الكامل بصورة الحياة في الرواية، إنما يتحقق على مستوى التلقي وليس على مستوى الشخصية الرئيسية، التي تظل محدودة الإدراك مهما شحنها المبدع، وتفنن في تنميطها، ووسع دائرة وعيها"
وعليه، فإن البعد الإنساني هو الذي يحدد هوية صورة الشخصية ومفعولها الحيوي في العمل الأدبي ويكسبها حيوية وخصوبة ثرية في تلقي البناء التشكيلي لهذه الصورة عبر امتدادها الروائي وإيقاعها الدينامي أو المتوتر. وبالتالي، فهو الذي يصنف الصور الروائية إلى صور مختلة وصور متوازنة. كما: " أن الإلحاح على إبراز البعد الإنساني لصورة الشخصية الروائية، سيجنبنا - يقول الدكتور محمد أنقار- سبيل التحمس المبالغ فيه لهذا المكون أو غيره، فإذا كان لوبوك قد أكد أن الموضوع هو الذي يملي على الأسلوب الروائي إرادته، وتبنى ميشال زيرافا بدوره الأطروحة التي ترى أن الشخصية هي التي تملي على الكاتب الأشكال المناسبة، فإن الإشكال الأساس، في رأينا، ينحصر في محاولات النقد لضبط المنطق والقوانين المورفولوجية للشخصية الروائية في فضائها الإنساني، أي فيما يسميه باختين بصورة الإنسان في اتصاله بالحدث الآني غير التام".

ب- مقاربة الشخصية الروائية عند جورج لوكاش ولوسيان گولدمان:

وقد عرفت الشخصية الروائية قبل هذا الطرح البلاغي الجديد(بلاغة الصورة الروائية)امتدادات نوعية وتجنيسية عبر امتداد الفن الروائي، فبعد الشخصية الملحمية والتراجيدية سنجد الشخصية الإشكالية ذات الطابع السلبي والإيجابي من خلال مواقفها اللوكاتشية الثلاثة:
1- الرواية  المثالية :  فيها ينتصر الموضوع على الذات( رواية دونكيشوت لسيرفانتيس مثلا).
2- الرواية الرومانسية  : فيها تنتصر الذات على الموضوع(رواية مدام بوفاري لفلوبير مثلا),
3- رواية المصالحة: فيها تتكيف الذات مع الواقع الموضوعي
( رواية سنوات تعلم فلهلم مايستر لجوته).
وبعد الشخصية الإشكالية، كان الأمل الكبير معلقا على الرواية ذات الشخصية الجماعية الإيجابية( البطل الجماعي) ذات المنظور الاشتراكي ( روايات تولوستوي وماكسيم گورگي).
وقد حدد لوسيان گولدمان ثلاثة أنماط من الشخصية   في الرواية الغربية انطلاقا من تماثلها مع تطور الوضع الاقتصادي الأوربي ابتداء من القرن التاسع عشر الميلادي إلى منتصف القرن العشرين، وهي  الشخصية البيوغرافية  التي تتسم بالفردية والتنميط الحضوري في الرواية الكلاسيكية الواقعية، و الرواية المنولوجية  التي ستصاب فيها الشخصية بالذوبان تدريجيا، و الرواية الجديدة التي ستؤول فيها الشخصية إلى التفكك والزوال لتحل محلها الأشياء والأرقام.
ولقد حظي مبحث الشخصية بأبحاث الأنجلوسكسونيين في القرن العشرين وبدراسات النقد الفرنسي الجديد الذي استند في تنظيراته وتطبيقاته إلى الإرث الشكلاني الروسي، كما استفاد مبحث الشخصية بدراسات جادة  على يدي ميخائيل باختين و ميشيل زيرافا. فما هو مفهوم باختين و زيرافا للشخصية  الروائية؟

ج- صورة الشخصية عند ميخائيل باختين وميشيل زيرافا:

بعد كل ما سبق ذكره من تصورات تاريخية حول الشخصية الروائية،  لابد من الوقوف عند بعض مواقف  كل من ميخائيل باختين وميشيل زيرافا حول صورة الشخصية. فلقد خصص باختين فصلا لدراسة البطل بعنوان" البطل وموقف المؤلف تجاه البطل في إبداع دويستفسكي"،وتوقف في هذا الفصل  إلى  ثلاث لحظات تترتب عن بعضها البعض علاقة منطقية ، وهي حرية البطل النسبية، واستقلاليته ،وعلاقة ذلك بصوته في ضوء خطة تعدد الأصوات. فالبطل عند دويستفسكي هو عبارة عن وجهة نظر محددة عن العالم، وعن نفسه هو بالذات. أي إنه ذلك الشخص الذي يحمل رؤية للعالم ولذاته، يقول باختين:" البطل مهم بالنسبة إلى دويستفسكي لا على اعتباره ظاهرة من ظواهر الواقع، تجسد سمات محددة مميزة على المستوى الفردي، ونمطية صارمة على المستوى الاجتماعي، ولا على اعتباره هيئة محددة تتألف من ملامح أحادية الدلالة وموضوعية، قادرة بمجموعها على توفير إجابة عن سؤال"من يكون؟ كلا، فالبطل يهم دويستفسكي بوصفه موقفا فكريا وتقويما يتخذه إنسان تجاه نفسه بالذات، بوصفه موقفا فكريا، وتقويما يتخذه إنسان تجاه نفسه بالذات، وتجاه الواقع الذي يحيطه، المهم بالنسبة لدويستفسكي لا من يكونه بطله في العالم، بل بالدرجة الأولى ماالذي يكونه العالم بالنسبة للبطل وما الذي يكونه هو بالنسبة لنفسه ذاتها" .
المهم - إذاً- بالنسبة لدويستفسكي هو موقف البطل من العالم ومن نفسه. وهذا الموقف فكري وإيديولوجي وتقويمي وشهادة على الواقع والذات، ولايهمه موقع البطل في العالم، ومركزيته فيه، وأن ما يجب" الكشف عنه أو وصفه واستخلاصه، لا الواقع الحياتي المحدد الخاص بالبطل، لاصورته القوية، بل المحصلة النهائية لوعيه بالعالم ووعيه بذاته، إنه في نهاية المطاف كلمة البطل الأخيرة حول نفسه بالذات وحول عالمه".
إن البطل عند دويستفسكي هو عبارة عن شخصية حوارية لها منظور رؤيوي عن العالم وعن ذاتها، وهي بالتالي حرة ومستقلة نسبيا، لايتحكم المؤلف في تقرير مصيرها. وتقوم بوظيفة لانهائية وغير مكتملة، وغير منجزة. ومن ثم، يمكن الحديث عن صورة الشخصية غير المنجزة عند باختين.أما البطل المنولوجي الذي يوجد في أغلب الروايات الغربية فهو بطل مغلق، يسيره المؤلف كيفما يشاء. يقول باختين:" من وجهة نظر منولوجية، يعتبر البطل مغلقا، أما حدوده الدلالية فواضحة للعالم: إنه يفعل، ويعاني، ويفكر، ويعي ضمن حدود وجوده المتحقق أي في حدود صورته الفنية المحددة بوضعها واقعا حقيقيا، إنه عاجز عن التوقف عن كونه ماهو عليه بالفعل، أي عاجز عن الخروج من حدود شخصيته من نمطه الشخصي ومن مزاجه، دون أن يخاطر في هذه الحالة في خرق خطة المؤلف المنولوجية عنه".
هذا، وإن شخصية دويستفسكي شخصية منقسمة على ذاتها وغير منجزة، تفتقر إلى الكمالية والأداء الفعلي الكلي لأدوارها والمطابقة الحقيقية للذات البطلة، ولا تشبه هذه الشخصية الإشكالية البطل الملحمي الذي نجده في الملاحم اليونانية وملاحم راسين. وهكذا فالبطل الراسيني الملحمي هو بكامله"الحياة الصلبة والراسخة، أشبه بعمل من أعمال فن النحت، أما بطل دويستفسكي فهو بكامله وعي ذاتي، بطل راسين هو في جوهره قيمة ثابتة ونهائية. أما بطل دويستفسكي فهو وظيفة لانهائية. إن بطل راسين مساو لنفسه هو بالذات، أما البطل عند دويستفسكي فلن تجده مطابقا لنفسه، في أي لحظة من لحظات وجوده لكن البطل الفني عند دويستفسكي دقيق بالضبط مثل بطل راسين".
وإذا انتقلنا إلى ميشيل زيرافا فلقد اهتم بدوره بصورة الشخصية، واعتير أن ما يملي الأشكال المناسبة على الكاتب هو مكون الشخصية.  وبالتالي، فالسؤال الذي هيمن على نقاد العشرينيات من القرن الماضي هو العلاقات الموجودة بين شكل الرواية وانسجام الشخصية أو اتساقها أو وحدتها؛ لأن تشتت الشخصية وتفككها ينتج عنه تفكك البنية الروائية. إن الشكل الروائي بلا اتساق أو انسجام يشهد على عدم انسجام الموضوع المختار من طرف المبدع.  ويعني هذا أن ثمة علاقة ضرورية بين الشكل الروائي ومفهوم الشخصية. أي إن الشكل الروائي هو الذي يفرض على الكاتب أن يختار الشخصية المناسبة لعمله الفني والإبداعي.
وعليه، فالشخصية هي كائن رمزي يدل على فكر الكاتب، وتكون مكونا من مكونات الرواية التقنية، والرواية  كذلك هي مقصدية وبناء و إجراء تخييلي منظم، هذه الخصائص- التي تميز الرواية عن الملحمة والتراجيديا- يعكسها سلوك الشخصية الروائية؛ لأننا نراها تفكر، حذرة، تحاول التكيف منطقيا مع الظروف الطارئة، المتنافرة الغامضة في الحياة.

2- القسم التطبيقي( الشخصية في رواية اللص والكلاب لنجيب محفوظ):
سوف نحاول في هذا القسم التطبيقي أن نرصد صورة الشخصية في رواية نجيب محفوظ "اللص والكلاب" من خلال التركيز على شخصية واحدة ألا وهي شخصية سعيد مهران.
سعيد مهران في رواية "اللص والكلاب " شخصية متأزمة تعيش مأزقا مصيريا، إنها تذكرنا بالبطل الإشكالي اللوكاشي والگولدماني. يحمل البطل قيما أصيلة يحاول أن يغرسها في المجتمع الذي يعيش فيه إلا أنه يصاب بالخيبة والفشل عندما يحتك بواقعه المنحط الذي تسوده القيم الكمية الزائفة والوساطة المادية التبادلية. ولم يستطع تغيير واقعه على الرغم من محاولاته الخاطئة التي كانت تصيب الأبرياء فقط دون أعدائه. إن سعيد مهران لم يستطع أن ينجز الأفكار والمبادئ التي كان يؤمن بها والتي تعلمها من رؤوف علوان؛ لأن الواقع كان مهترئا تسوده السلبية المتدهورة ، كما أن هذا الواقع الذي يحاول أن يفجر فيه سعيد مهران أفعاله هو واقع غير مكتمل وغير منجز، تعبث به أيدي الإجرام والخيانة والغدر.
يصور نجيب محفوظ شخصيته الأساسية في الرواية باعتبارها شخصية مأساوية على عتبة القرار الأخير في لحظة الأزمة وفي لحظة انعطاف فعلها نحو اللاجدوى واللافعل أو نحو فعل غير منجز وغير محسوب.
تصور رواية اللص والكلاب شخصية سعيد مهران بأنه لص خرج من السجن صيفا بعد أن قضى به أربعة أعوام غدرا لينتقم من الذين اغتنوا على حساب الآخرين، وزيفوا المبادئ، وداسوا على القيم الأصيلة مثل: رؤوف علوان وعليش سدره ونبوية لكي يجعل من الحياة معنى بدلا من العبثية ولا جدواها. وهكذا قرر أن ينتقم من هؤلاء الكلاب إلا أن محاولاته كانت كلها عابثة تصيب الأبرياء وينجو منها الأعداء مما زاد الطين بلة. فصارت الحياة عبثا بلا معنى ولاهدف ، ولقي  مصيره النهائي في نهاية الرواية بنوع من اللامبالاة وعدم الاكتراث:" ولم يعرف لنفسه وضعا ولا موضعا، ولا غاية وجاهد بكل قسوة ليسيطر على شيء ما ليبذل مقاومة أخيرة، ليظفر عبثا بذكرى مستعصية، وأخيرا لم يجد بدا من الاستسلام،فاستسلم بلا مبالاة...بلامبالاة".
تتموقع هذه الصورة الروائية الدرامية - سياقيا -عندما حوصر سعيد مهران من قبل المخبرين والكلاب في آخر نهاية الرواية. فهذه الصورة الروائية ذات قاموس وجودي تتمثل في الكلمات الآتية: غاية، عبث، بلا مبالاة، لم يعرف وضعا ولا موضعا. إنها تؤكد مدى سيزيفية شخصية سعيد مهران التي أصيبت بالخيبة عندما انهارت قيم المجتمع ومبادئه الأصيلة. وتوصف شخصية الرواية الرئيسية  بأنها شخصية متأزمة متوترة تعيش فضاء العتبة، فضاء القلق والتردد والتمزق بين الذات والموضوع. إنها شخصية مغلقة لاوجود لها، مصيرها عبث بدون كينونة حقيقية، ولامكان لها ولاهدف، إنها حياة بلا طعم ولا لذة.  وذهبت محاولات سعيد مهران كلها سدى، لم تستطع أن تجعل من الحياة هدفا ذا معنى. فلم تكن مقاومته في الأخير إلا عملا غير منجز وغير مكتمل، انتهى بالموت والمصير المحتوم. لذلك ارتضى بطل الرواية سبيل الاستسلام والموت الرخيص مادامت الحياة عبارة عن لامبالاة. ولقد كرر السارد هذه الكلمة تأكيدا على عبثية الحياة وعدم استحقاقها لأن تعاش، مادامت القيم الكيفية أصبحت قيما منحطة ومشيأة:" وأخيرا جاءت الكلاب وانقطع الأمل، ونجا الأوغاد ولو إلى حين، وقالت الحياة كلمتها الأخيرة بأنها عبث ومن المستحيل تحديد مصدر النباح الذي ينطلق مع الهواء في كل موقع وألا أمل في الهروب من الظلام بالجري في الظلام، نجا الأوغاد وحياتك عبث"
يتسم المعجم اللغوي في هذه الصورة  الروائية بالطاقة الرمزية والشحنة الإيمائية والكنائية. فالكلاب هنا رمز للخونة والانتهازيين الذين غدروا بسعيد مهران وداسوا على المبادئ التي كانوا ينادون بها كالحرية والعدالة الاجتماعية ولاسيما رؤوف علوان وزوجته نبوية التي غدرت به وتزوجت عليش سدره .أما كلمة الأوغاد فهي دلالة على اللصوص الحقيقيين الذين خانوا العهد وفرطوا في القيم الأصيلة التي كانوا يتشدقون بها. أما الظلام فيتضمن بعدين: بعدا مرجعيا وبعدا رمزيا، فهناك الظلام باعتباره مؤشرا على سوداوية الفضاء وتأزمه، والظلام بالمفهوم الكنائي يعني الظلم الاجتماعي والسياسي وضغط الحكومة وجور سلطتها وانتهازية أعوانها . هذا،وتصور هذه الصورة مأزقية الشخصية الروائية (سعيد مهران) عندما ووجهت من كل مكان من قبل الشياطين الآدمية وقوى الكم والإحباط ، وخصوصا أن سياق الصورة يتموقع عندما بدأت الكلاب سواء أكانت حقيقية أم مجازا تتبع آثار اللص الذي اختفى في الظلام بين القبور، هذا الفضاء الذي يؤشر على الموت والنهاية التراجيدية، ولكن هذه النهاية بلا أمل ولا غاية.
أما على المستوى البلاغي، فالسارد يعمد إلى تشخيص الموقف عبر تأزيمه عندما جعل الحياة تحكم على إنجازات سعيد مهران بالفشل والعبثية لأنها إنجازات غير مكتملة ،وبالتالي لم تحقق معناها في هذا العالم غير المكتمل ،كما ساهمت هذه الاستعارات الروائية في مأساوية الموقف ودراميته عندما كررت الحياة حكمها على لسان السارد بأنها عبث. كما وظف نجيب محفوظ تقنية الالتفات وذلك عندما تحدث عن نجاة الأوغاد ، وأن الحياة قالت كلمتها الأخيرة بأن حياة سعيد مهران عبث، والتفت بعد ذلك إلى نباح الكلاب لتحديد مصدرها. ومن ثم، انتقل من الغياب إلى الخطاب، ليلتفت إلى شخصية مهران رغبة في تأكيد عبثية حياته. وهذا الالتفات على مستوى التلقي له وظائف جمالية عدة من بينها: التشويق حيث ينتظر القارئ نهاية الشخصية واندحارها وذوبانها بعد أن تحاصرها الكلاب. إلا أن السارد قبل أن يحدد هذا الحصار، يوقف القارئ إلى عبثية الشخصية، ثم يعود إلى تأكيد الحصار وتعدد مصادر نباح الكلاب، ويعود في الأخير ليؤكد عبثية  حياة سعيد مهران ولا جدواها:" وصاح صوت وقور:
- سلم، وأعدك بأنك ستعامل بإنسانية.
- كإنسانية رؤوف  ونبوية وعليش والكلاب!(....)
- - حسن ماذا تنوي؟ اختر بين الموت وبين الوقوف أمام العدالة.
- فصرخ بازدراء:
- - العدالة!
- أنت عنيد، أمامك دقيقة واحدة...
ورأت عيناه المعذبتان بالخوف شبح الموت يشق الظلام".
في هذه الصورة الروائية، يتم تصوير موقف الحصار وتأزيمه عبر توتر الأحداث ودراميتها  باعتباره سياقا للصورة. يطلب أصحاب القرار والسلطة من سعيد مهران أن يسلم نفسه وأنه سوف يعامل بإنسانية؛ بيد أن سعيد مهران سفه عبر المناجاة الداخلية والمنولوج من خلال حوار الذات المتأزمة منطق تلك الإنسانية . وإن علامة التعجب التي استخدمها الكاتب أيقونيا دلالة على الاستهزاء والسخرية والتهكم من مفاهيم الواقع المتعفن وتصوراته الإيديولوجية المستلبة . إن الإنسانية في هذه الصورة الروائية مكثفة بالترميز والإيحاء  الذي يلمح إلى التفكير البراجماتي القائم على المصلحة والمنفعة.
إن سعيد مهران كما يتضح من خلال الصور الروائية الجزئية والبناء الكلي لدلالة العمل رمز للوطنية الصادقة والروح الشعبية الحقيقية والنضال الاجتماعي المستميت من أجل المبادئ والقيم الأصيلة. وقد كان بمثابة نبراس يستضيء به الكثيرون من أبناء الشعب الكادح والمقهور في حياتهم التي يسودها النفاق الاجتماعي والابتزاز اللامشروع باسم النضال. إن شخصية سعيد مهران لهي شخصية متمردة عن قيم المجتمع ومبادئه الزائفة التي طالما دنست كرامة الإنسان وأنفته.

استنتاج وتركيب:

وفي الأخير لايسعنا القول إلا أن نؤكد بأن صورة الشخصية لايمكن أخذها مأخذا جماليا وفنيا إلا في إطارها الإنساني وسياقها الجزئي والكلي عبر مستوياتها الخمس: قواعد الجنس والطاقة اللغوية والطاقة البلاغية والمستوى الذهني والسياق النصي.
وهكذا اهتدينا في مقالتنا إلى إثارة الانتباه إلى أهمية الصورة الروائية وضرورتها في كل عملية تحليلية يمكن" أن يخضع لها نص روائي، مبرزا فعاليتها الجمالية في التكوين النصي، ولقد ترتب عن تبني الصورة الروائية باعتبارها مكونا بلاغيا جديدا ضرورة استثمار مكونات وسمات روائية قلما استغلت طاقاتها في مجال التحليل الروائي كالامتداد والتوتر والتكثيف والدينامية والصور الذهنية والجزئية والكلية".
وبناء على ماسبق، لابد أثناء مقاربة الصورة  الروائية للشخصية من مراعاة خصوصيات التجنيس الروائي السردي، وتجاوز مفاهيم الشعر ومصطلحاته الإجرائية  إلى التسلح بمفاهيم مستمدة من جنس الرواية بصفة خاصة وفن السرد بصفة عامة.
وهكذا نؤكد  مطمئنين أن الصورة الروائية لقراءة جادة ومعاصرة في مقاربة النصوص الروائية في أبعادها الجمالية والأسلوبية والإنسانية والبلاغية عبر سياقاتها الذهنية والخارجية والنصية.
الهوامش:

  - انظر أطروحة الدكتور محمد أنقار: بناء الصورة  في الرواية الاستعمارية، مكتبة الإدريسي، تتوان، الطبعة الأولى، 1994، وهي أطروحة قيمة تنظر للصورة الروائية  من خلال منظور أسلوبي  روائي جديد؛
  - فاطمة موسى:  بين أدبين، دراسات في الأدب العربي والإنجليزي، مكتبة الانجلو المصرية، ط1965،ص:29؛
  - د. محمد أنقار: الأطروحة السابقة، ص:27؛
  - طه وادي: صورة المرأة في الرواية العربية، دار المعارف بمصر، ط2، 1980، ص:3؛
  - محمد أنقار: المرجع السابق، ص:27؛
  - محمد أنقار: نفس المرجع السابق، ص: 28؛
  - المرجع السابق، ص:28؛
  - انظر جورج لوكاش: نظرية الرواية، ترجمة الحسين سحبان، منشورات التل، الرباط ،المغرب،ط1 ن 1988؛
  -  انظر لوسيان گولدمان وآخرون :الرواية والواقع، منشورات عيون المقالات،الدار البيضاء، ط1 ن 1988؛
  - ميخائيل باختين: شعرية دويستفسكي، ترجمة نصيف التكريتي، دار توبقال للنشر،ط1 ،1986، ص:67؛
  - نفس المرجع السابق،ص:67؛
  - نفسه، ص:72؛
  - نفسه، ص:72؛
  -M.Zeraffa: Personne et personnage.ED. Klincksiek, 1971.p:9;
  - IBID,p:32;
  - IBID, pp30-31;
  - نجيب محفوظ: اللص والكلاب، دار القلم، بيروت، لبنان، ط1، 1975، ص:220؛
  - نفس المصدر، ص:216-217؛
  - نفس المصدر ، ص:218؛
  - محمد أنقار: المرجع السابق، ص:243؛

 




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home