قصة

 

زيارة مريضة

مالكة عسال



 

زيارة مريضة

 شدتني من تلابيبي  برفق قائلة

من هنا من هنا

 دلفت نحو باب هشيم مفتوح ،وضعت رجلي على أول السلم سائلة:

 في أي دور؟

 أجابت:

 في السطح في السطح وليس في الدور  ...

فهمت...وتابعت  الصعود إلى أن انغمست في ظلام دامس أخذت أتحسس الجدار مخافة الكبو، إذا بأشياء مثل الفتات تتساقط،  وأخرى كالعلك تلتصق بيدي؛ وكم من حفرة استفزت قدمي ساخرة من غربتي الغية واصلت السير بوقع هامس حتى لا يتطفل على البيوت المجاورة استسمحيي ياخاله أتعبتك فاهت الصغيرة بحرج لا عليك كم بقي من دور ثلاثة لأننا في الدور الثاني انقطع الحوار وتلاه صمت مؤقت ترادف الخطوات بنبضات متلاحقة ولهات مرتفع جف على إثره الحلق ..فلاحت إلى مخيلة صورة أحد السلالم الرخامية المتلألئة العاكسة لطيفك تحت خيوط الإنارة .وكأنك تسير على لجة ماء ...ورائحة المنظف المنعش تشظف أنفك والجدران ترد الصدى .مزدانة جنباتها بأصيص الأزهار أمسكت بناصية المسكن المركن في السطح .بابه متخل عن مصراعيه .اللهم الستار المتدلي المظلي ببقع سخافة الأيام .مساحته تقل عن أربعة أمتار سقفه قصديري به ثقوب .لا ماء ولا كهرباء محط أنواع هزات فصل الشتاء .كما هو مستودع عفوا قمامة لذرع زوابع فصل الصيف ...وقفت مشدوهة أمام هذا الصندوق العجيب الذي يسكنه ألإنسان في حجم وصيده كلب بإحدى الفيلات لحراسة حديقتها .وعادة الكلاب يكرهها الأطفال .يتضايقون منها .فتراهم يتحاملون عليها رميا بالحجارة إلى أن تتوارى .بينما يداعبون القطط والكتاكيت برفق ...ومرة سألت طفلا ..لماذا تهاجم هذا الكلب يا بني فهذا  حيوان وعليك اللطف به

فرد الطفل وعيناه جاحظتان ملاحقا الكلب

إن الكلب حيوان غدر

الكلب حيوان أمين يحرس بيتنا

لا..الكلب مفترس إذا أمسك بك ينهش لحمك ويمتص دمك  يتلذذ .لا تتقي فيه فالكلب كلب ولا شيء غير أنه كلب ادخلي يا خاله ادخلي ...قالت الطفلة عند مقربة الباب لطمتني رئحة ما ...رفعت الستارة وأحكمت تعليقه جانبا .فتراءى لي سرير وسط الغرفة مشلول .عوضت ساقه المبتورة بحجر يجاور صندوقا خشبيا يحتضن أواني لقيطة .وفي ركن آخر كلكل من  الأسمال الممزقة .وسطل تجرد عروته .ربما وضع للتبول والتغوط .المريضة على شواردها تلعق مواجعها القاسية بالفينة والأخرى تداريها بأنات عليلة متواصلة .قربت الابنة منها هاتفة

أمي أنظري هذه زائرة جاءت تخبر أحوالك استيقظي .طالما شكوت انعدام الزيارة والزائرين التفتت المرأة برأسها الملفوف .يعكس حفريات السنين  الأليمة .ووجه شاحب يحمل عينين يابستين وشفتين ذابلتين يعلو جانبيها زبد ...أخرجت يدها النحيلة لجذب الغطاء وهي ترتعش مرحبا بك بنيتي عبارة انزلقت مرتجفة من بين الأسنان .وهي تفتح جفنيها تارة وتغمضها أخرى

هذا واجب .قولي يا خالة ما الذي تحسين به ألم تخبرك الطفلة يا بنيتي قالت والحروف تتلكأ

لا أبدا

فأزاحت الغطاء وأخرجت ثديا سقيما ينز قيحا عليه ما يشبه الوحل مرجاني اللون

أريتك الرحمة يا بنيتي ثدي مريض بالمرض القبيح حفظك الله منه

وما هذا الطلاء ألأحمر قلت متعجبة

إنه سيدي المهدي الظاهر ممزوجا بالماء يشفي هذا النوع منا ألأمراض على حد نصائح بعض السيدات

يا خالة هذه أوساخ والجرح يلزمه التطهير وأدوية طبية لا هده الأشياء قلت بقلب يمتعض حسرة

من أين لي بثمن الأدوية والطبيب قالت بعينين دامعتين

المستشفى العمومي .ألم تفكري فيه

وهل المستشفى العمومي مجاني

تدفعين ورقة الاحتياج .أليس كذالك

وهل الحصول على ورقة الاحتياج أمر سهل

جوابها مقنع حقا فكم من ورقة لغرض ما .لا تتسلميها إلا بالمقابل وإذا كنت حذقا .وعلى دراية بمجرى ألأمور ومستلزمات الإدارة وحاولت تنبيه المسؤولين .فتحت باب التسويف لا خروج منه إلا بحركة عنيفة

شرد ذهني ثانية فاستعرضت صورة زيارتي لزميلة لي في الفصل أصيبت بنزلة برد خفيفة

دخلت من الباب إلى حضن حديقة بأشجار الفواكه ففناء الدار المكسو بأنفس الطنافس  وأنواع الديكور وصلت غرفة المريضة حيت هي ممدودة على سرير حريري الأفرشة في الجهة اليمنى مائدة مزينة بمزهريات الورد الطبيعي وفي الجهة الأخرى طبق بصنوف الفواكه والأدوية على مقربة منها ممرضة تراقب حركات المريضة وسكناتها .وإذا عطست تمدها بمنديل أو هي ذاتها تكفكف لها الرذاذ المريضة مسنده على وسادتين صوفيتين .خصلات ناعمة تتدلى على وجه تضيئه لمسات راحة البال تداعب بأناملها مجلة نسائية ...جلست هنيهة ثم انتقلت إلى غرفة الضيافة خلف احد جدرانها الزجاجي الشفاف تلمح أرضا خضراء بمجمعات الزهور تتوسطها نافورة يحيط بها سرب طاووس

تخيل معي المرض والمرض والدواء والدواء وسرب الطاووس وسرب الصراصير

 

أدخلت إلى حافظة نقودي ناولتها ما يحتمه الواجب ودعتها ثم خرجت نتوأدة

 

 

       

مالكة عسال  

قاصة وشاعرة من المغرب

                                                                             

بتاريخ  14 04 04                                                           




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home