قصة

 

أحلام السراب

محمد البوزيدي



قصة قصيرة

أحلام السراب

محمد البوزيدي

 

بعيدا عن الجبل الذي لم يستوعب أحلامه،بعيدا عن عواء الذئاب الذي يخترق صمت الزمان وقسوة المكان، ينسحب إلى حيث الهدوء، يسير بتؤدة عجيبة بعيدا بعيدا...  يداعب خصلات شعره التي بدأ الشيب يقتحمها قسرا ....لم يشعر إلا وهو يجد نفسه بعيدا عن منزله .لقد وصل لمكان خاص اختاره بعناية...

وهناك برمجا اللقاء..وجرى الاتفاق على الموعد المحدد.

هاهي من الضفة الأخرى ..تسرع الخطى وسط الحقول ، بين المروج ، بين أحضان الطبيعة. تتأمل صورته الأخاذة التي سحرت قلبها قبل عينيها ، متأبطة لحافا قديما لإفتراشه حماية لجسدها النحيل من الحصى .

جلس القرفصاء يتأمل الكون ، يستجلي أسراره في ظلمة هذه الليلة الليلاء، يتملى بالزهور المتناثرة حوله، يتسلى بعد النجوم التي ظنها أقمارا اصطناعية تراقب حركاته وتحصي أنفاسه.

يسافر بعيدا ليستحضر ذكرياته اليومية وليحضر برنامج غده الذي يشبه برنامج يومه ،وعندما يتحرك غصن سنبلة أو تتمايل أوراق شجرة ما يتسلل إليه اعتقاد خاص أنها حركات عنصر بشري ينبطح أرضا ،حينها يتلمس الحصى والتراب مرددا في اندهاش :هل فعلا آدم من تراب ؟

هاهو يحس بخطواتها تقترب، يخفق قلبه بسرعة متلهفا للقاء وما أكثر ما انتظره...لقد أصرت الظروف على جعله يعيش تجربة الحب الخيالي دون الحقيقي لكن قدره اليوم أنه قد يخرج من الوهم إلى الواقع يردد في انشراح خاص

سألقاك

وحيدا بين المروج

وبين الستار نلحن لحن الخلود

فوق الأعشاب نصلي في محراب الحب

ونحكي الشجون

ويا أيها الزمن المتهالك

انثر ربيعك الأخضر على الشفاه

ووزع أزهارك الصيفية على رؤوس العاشقين

زهور، هذا الإسم السحري الذي يعبر عن ورود مزركشة وسط طبيعة خلابة كثيرا ما ردده وكرره وأعاد ترتيب حروفه محاولا فك طلاسم العلاقات المعقدة بين هذه الحروف.

صرخ فجأة :*من سماك *؟؟ من أبدع رمزك الخاص ، لقد تمنى من أعماقه استبدال اسمها باسم جديد يراعي تطور علاقتيهما الخاصة . فكر أن يطلق عليها اسما مستعارا تمويها للآذان الإستخبارية التي تراقب جل حركاته لكنه تراجع في آخر لحظة ،إنها ذات من حقها المحافظة على جوهر كيانها ألا وهو اسمها الخاص .لقد كان يظن أن استبدال الإسم سيساهم في ولادتها من جديد بإخراج بهيج.

هاهي تقترب ،وهاهو يستمع بخفقان إلى صوت تنفسها الذي يخفي خوفا عاما يتشكل في مثل هذه اللقاءات الحساسة في هذا الوسط الحساس ،ومع اقترابها كان يعيد نسج أحلام وردية طالما راودته من قبل واصطفت في مخيلته مثل مزهرية جميلة في بيت أنيق وجميل .

ووصلت خجولة، أطلت محتمية بلحافها القمحي اللون الذي يشبه في قتامة لون وجهها الذي انهالت عليه كل مؤثرات الزمن القاتل:الفراغ المعنوي..الإحباط النفسي ...القلق من المستقبل..العنوسة...ورغم ذلك احتفظ الوجه الصغير باخضرار خاص يعكس تفاؤلا وطموحا متزايدا يحارب ولو ظاهريا التشاؤم المخيم من كل النواحي......

يتأملها، وجه صبوح كالقمر في ليلة جميلة،عينان سوداوان متفتحتان على كل جديد وتحتضنان مقلا أسالت من دمع الشوق كثيرا ،خصلات شعر يداعبها النسيم العليل ، صدر صغير ، قلب كبير يتسع للأحلام وما أكثرها ، قامة تشتعل حيوية كشمعة بيضاء وسط ضوء مصباح شديد اللمعان .

هاهي تجلس معلنة بتحيتها الخجولة التي همست بها في أذن حبيبها انطلاق طقوس اللقاءات الحميمية التي بدأت بالتشكل ، يحرسها الظلام الدامس، وتذكي شوقها نيران المحبة الصادقة من الأعماق .إنه سريان الحب الذي يجري في ثنايا عروقها يخاطب أذواقهما بعد أن اقتحم خلسة كينونتهما دون استئذان ، تهمس له: ياقيس يجيبها بحنان خاص :حبيبتي ليلى.

ويسود الصمت المعبر، ويتواصل المشهد الخاص على ضوء القمر الذي انتصبت جذوره عميقة في قلبيهما، ويجد تعبيراته على شفتيهما، يتحسس كليهما الآخر، كأنهما يكتشفان بعضيهما على مهل ودون تسرع.

وبين البرهة واللحظة يطرح كل منهما نفس التساؤلات من داخله ،يحاولان الإجابة ،لكن جوانحهما تكظمها قسرا فيستسلمان للصمت ..

يمر الزمن مسرعا ، تنقطع الكلمات التي أحسن كل واحد منهما اختيارها بدقة من معجمه الخاص ،وأعاد الإختيار والتنقيح..كمن يفرز الغث من السمين ...تلعثم بداية ..لكن جرأته طاوعته على المضي قدما...قبل أن ينهار بين الأحضان ويختفي الكلام وتسيطر الأحاسيس ويصبح الجسد لغة بذاته يتكلم لغته الخاصة.

وانهار ، لقد أصبح العبد وسط-ها-المعبود والمعبد ..

فجأة سمع زغرودة طائر ليلي فاهتز اهتزازا لأثير واختلاج عبير..حاول الهروب، لكن قبضتها كانت قوية من كل انفلات متوقع .

لقد كان اهتزازه صرخة داخلية..نفض كل شئ ،وحاول القيام للهروب ،وعندما وقف انفتحت عينيه على غرفته التي كان ينام فيها..

حاول النوم من جديد لكن هيهات ...فالشمس أطلت من نافذة غرفته التي تطل على الشارع الرئيسي معلنة قدوم يوم جديد ،حينها زفر زفرات عميقة صائحا على لسان المغني محمد الحياني : وحين تغيبين.......




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home