قصة

 

حفل جنازة

آلاء محمود تهامي



 

                                حفل جنازة

 

" ها أنا وحدي على شط الممات

  والظلال السود تحمي مفرقي

  ليس في سمعي غير الصرخات

  أسفاً للعمر ماذا قد بقي...؟ "

                                      نازك الملآئكة

                             **********

الغرفة الصغيرة تكتظ بهن...

واحدة تضبط ثوبي,

و أخرى تصفف شعري,

و ثالثة تطلي بشرتي بالمساحيق...!

في أقصى الغرفة تقف بشعرها الرمادي ومنظارها الضخم مع باقي أفراد الأسرة كأطياف سوداء تحفر قبر روحي في سعادة...!

ومن النافذة... بدا القمر مكتملاً يتحرر من الغمامات ... لأول مرة أراه بشعا هكذا كروح نهضت لتوها من رقدتها الأبدية, و جائت لتصطحب روحي إلى وادي الظلمات.

ثوبي أبيض..أبيض كالثلج, لكنه بدأ يتلوث بقطرات دماء...

أيقنت أنها الروح... بدأت خطواتها الأولى إلى الفناء.

لازالت ظلال الموت تعد جثتي إلى عالم الجثث الحية, ومن صدري خرجت آخر تنهيدة حزن قبيل رحيل مشاعري إلى الأبد.

طفلة صغيرة... أم, أب... سعادة لا أول لها ولا آخر... شعور جامح بأن العالم بأسره ملك يمينك, ثم.....

  البقعة الحمراء آخذة في الأتساع على الثوب الثلجي....

تيتم... منزل العائلة المغلق على عالم متفرد كل من به يسكن برجه العاجي الخاص... إنعزال كامل عن المجتمع الخارجي... وحدة قاتلة... برد... سكون و...

  تسقط من الاشئ قطرة دماء أخرى ملوثة مساحة أكبر من النقاء

يثور النهر الراكض حين يجد من يهدم السد, فيتدفق إلى المحيط بكل سرعة, ورعونة, وغباء...!

ظهر فجأة من العدم... ظهر بنظرته الحالمة و بسمته الطفولية وكلماته المعسولة. فجر بركانا بداخلي... كان ملاذي الوحيد... معه تحسست طريقي إلى معان كثيرة ضلت عني. عرفت ماهو الحب.. ماهو الدفئ, وما هي الحميمية...! توقفت حياتي عليه حتى........

  لازالت الدماء تشمل ثيابي بسرعة رهيبة....!

أخبرتهم...

لقد أحببته جدا, و"جداً" هذه كسرت جدران صمتي... أذابت مدنهم الثليجية, وشحنتني بقوة هائلة...!

و لأنني أحببت.. حاكمونني...

عٌقدت المحكمة و... ثبتت إدانتي..!

لأنني أحببت.. عاقبونني..

لأنني أحببت سجنونني, و....

حكموا علي بالإعدام.

... ترتفع أصوات الموسيقى لتصلني بكائاً, تزغرد إحداهن عويلا و... ولازالت الدماء تحتل المساحات البيضاء...

-" عريس جاهز... لن تجدي مثله..."

-" نعم.. يمحو العار الذي ألحقته بنا."

لم أتعجب من مرادفاتهم الحمقاء... فمعاجمهم قاصرة عن فهمه, و كيمياؤهم عاجزة عن تفسيره. لا يمكنهم إدراك أن الزواج خياراً شخصيا متأنيا, لا واقعا إجتماعيا تفرضه رؤية الآخرين علينا..!

و في ظلمات الوحدة والبرد وآلام الأغلال و مصرع الحلم... تبدى وجهه الوضاء كطاقة من نور..

ألتمعت عينيه العسلية, و.....

سمعته يناديني...!

.....لم يعد الثوب الأبيض أبيضا, كما لم يعد القمر ساطعا بعد أن غطى وجهه بالغمامات السود..

أمدني بالقوة بعد دبيب الكهولة الذي حل بي... ترعرعت أشجار الأمل التي بذرها يوما بكلمات كالسحر...كلمات رسمت منزلاً صغيرا, وخطت حديقة جميلة, وهرة بيضاء شقية... كلمات طارت بينا لنرى كهلين غزا الثلج الأبيض مفرقيهما , ورسمت الأيام طرقاتها على وجهيهما.

تهاوت الأغلال تحت قدمي الحلم, أضيئت الظلمة بكل ما في داخلي من قوة وعزم, و.... هربت.

جريت أسابق شعاع الشمس المشرقة.. أسابق صدى ندائاتي عليه.. أسابق الزمن والأيام.

جريت بحقيبة أحلامي لأضعها بين ذراعي, فقد قاست البرد طويلا و آن لها أن تذوف طعم الدفئ.

-"هيا يا (حبيبة)..."

حبيبة...؟ حبيبة من أنا...؟

يأخذون بيدي الثلجية تحيطني الأطياف السوداء بين العويل والبكاء. تسقط يدي على ثوبي فتمتلئ بالدماء, فأنظر خلفي لأجد القمر يرحل مبتعدا منتقبا بالغمامات...

ترتفع الأمواج لتصطدم بصخور الشاطئ , و.. أجده هناك.. يجلس في صمت يتأمل معراج الشمس إلى عرشها بالسماء...

-" (أحمد).. لقد فررت منهم.."

يستدير نحوي في صمت مريب وقد أنعكست آشعة الشمس الملتهبة على صفحة عينيه ليلتمع عسلهما..

-" سيزوجونني بآخر لا أعرفه ولا يعرفني... كل ما يبغيه بقرة تنجب له أطفالا ليثبت خصوبته..!"

يعبث في الرمل بفرع شجرة.. ذلك الفرع الذي أعتدنا أن نستخدمه لبناء بيتنا بحبيبات الرمال..

-" (أحمد).. لقد دمرت أغلالهم وقهرت تخلف عقلياتهم بحبك لي... لنذهب.. لنذهب حبيبي إلى حلمنا.. إلى منزل صغير وحديقة وهر... إلى كعكة وخمسين شمعة فضية."

يرفع رأسه دون إجابة, أرمي برأسي على صدره طلبا للدفئ كما كنت أفعل لكن.... لأول مرة أشعر بعظام صدره تصدني في حدة ضانة علي بلحظات دافئة..!

-" (أحمد) أ....."

-" من فضلك..."

تكلم أخيرا وهو ينهض واقفا...

... يهبطون بي سلم القبر... أنظر إلى ثوبي الغارق في دماء تخثرت وصارت سوداء, فأرثي لحالي... يدفنونني دون تغسيل أو حتى كفن نظيف

-"أسمعينني جيدا.. لابد أن توافقي.."

-" أوافق..؟"تصرخ خلجاتي في رعب, وتتصدع مدن الأحلام بداخلي..

-" عزيزتي.. لقد كان حبنا ذاك حبا أفلاطونيا بحتا.. دعيه ينتهي عند هذا الحد دون مزيد من التعقيد"

-" لـ..لكن لماذا...؟أين أحلامنا..؟أين...."

يسير مبتعدا وهو يقول بهدوء:

"لابد أن تفهمي أنني عندما أحببتك لم أخطط للزواج منك. إن الرجل يحب ويعشق في بداية حياته كي يثبت أنه مخلوق رومانسي يعرف كيف يعزف على قيثارة الحب والكلام المعسول, ليثبت أنه ليس برجل الكهف الهمجي الذي يجذب أنثاه من شعرها. لكنه دائما ما يتزوج ليثبت أنه – أولا وأخيرا- رجل. ولكي يفعل ذلك لابد ألا تكون المرأة التي تثبت رقته و تطلع على مواطن ضعفه هي نفسها المرأة التي تهبه الإحساس بالرجولة و الخشونة. ألا ترين فشل أغلبية الزيجات التي تنشأ عن حب...؟!"

حاولت جاهدة أن أسجن أدمعي داخل مقلتي ... حاولت أن أشهد دمار منزلي الذي لم يبن, ورحيل هرتي التي لم تأت, وفساد كعكتي التي لم تخبز في صمت كما أعتدت أن أفعل.

-" الأولى ... شاعرية رومانسية بلهاء, والثانية .... بقرة...! وعلى المرأة أن تختار بينهما دون أن تجرؤ على الأعتراض...!!"

لكنها الدموع المراوغة التي تسللت عبر حدود عيني سيلاً, مارة على الجروح الغائرة ليلهبها السائل الملحي.

-" لا تبكين يا حمقاء..! ستفسدين ساعات من العمل عاى وجهك."

تقولها بصوتها الحازم ناظرة نحوي نظرة محذرة من خلف منظارها الضخم, نظرة تذكرني بنظراتها الشامتة عندما عدت رافعة راية الاستسلام, مسلمة لهم أمري كي يزينونني لليوم المشهود كما يضعون الورود حول عنق أنثى البقر في مواسم التزاوج...!

-" يداك باردتان.."

يقولها وهو يطبق على كفي في السيارة التي تقلنا إلى عالمنا الآخر.. أنظر إليه فأذكر حبيبا سابقا, فقط لأكتشف شيئاً هاماً لم ألحظه قبلاً ... أكتشف أنهم جميعا يتشابهون... الأول أبتاع روحي بكلامه المعسول ليرضي غروره كي يذبحها في النهاية ويغسل يديه بدمائها, والثاني... أبتاع جسدي بأمواله وجديته الزائفة كي....... يثبت رجولته...!!!

                                         **********

                                                             آلاء محمود تهامي

                                                            القاهرة   21-11-2005




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home