مقال

 

لا شيء جديد بعد 11 سبتمبر

نبيل عودة



 

 

لا شيء جديد بعد 11 سبتمبر

 

بقلم : نبيل عودة

 

 

11 سبتمبر دخل التاريخ البشري كتاريخ فاصل بين مرحلة دولية سابقة ومرحلة دولية جديدة تماما بمعطياتها وتركيبتها .  وربما ما كانت هذه المرحلة الجديدة تأخذ ابعادها السياسية ووزنها النوعي لو وقعت في مكان آخر غير الولايات المتحدة .

لا يتعلق الامر بالارهاب الاسلامي ، فهو قائم ونشيط قبل 11 سبتمبر ، ولكنه كان  ارهابا مراقبا وحليفا  ، واكاد اقول مخططة له اتجاهاتة مسبقا ،الفكرية والعملياتية ،  ويقع تحت سيطرة أنظمة دعمته وسيرته لخدمة مصالحها وأهدافها  ، ومولته  ، لدرجة بات انضمام مئات الشباب العرب والمسلمين امرا مرضيا عنه ومرغوبا فيه  ، ويثلج صدر بعض الانظمة العربية والاسلامية ، بل وأنظمة ذات وزن دولي من الدرجة الاولى ، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا .

لم يعد سرا ان المخابرات الأمريكية مولت تنظيم القاعدة باكثر من ( 3 ) ملياردات دولار ، وبعدات قتالية متطورة ، وحتى السينما الامريكية ، كجهاز اعلامي ثقافي ، انتجت افلاما تمجد  البن لادنيين في مقاومتهم للجيش السوفييتي في افغانستان ، واظهرب البطل الامريكي في صراعه  ضد العدو الشيوعي المشترك للأمريكيين والاسلاميين في افغانستان .

التحالف الامريكي مع الارهاب الاسلامي هو استراتيجية وضعتها الادارة الامريكية ، ضمن استراتيجيتها المعادية للاتحاد السوفييتي ، وضمن الصراع الدولي الشرس الذي تخوضه امريكا ضد الشيوعية ودولها والدول المقربه منها ..

 من جهة اخرى ، سياسة ارهاب الدولة كانت سياسة الادارات الامريكية في التعامل مع دول امريكا اللاتينية ، وتميزت هذه السياسة بالتهديد المباشر ، والتدخل العسكري لعزل الأتظمة غير المرضي عنها امريكيا ، ومنع تطور القارة الامريكية اللاتينية بما يتناقض والمصالح الامريكية ، وكانت ابرز هذه العمليات الارهابية  عملية غزو كوبا ، المعروفة باسم عملية خليج الخنازير ، ولكن النظام التحرري الكوبي جند الشعب الكوبي وهزم الغزاة واضطرهم لدفع ثمن غزوتهم الفاشلة ...

ايضا نشير الى التآمر الامريكي مع الجنرالات الفاشيين في تشيلي على النظام الدمقراطي برئاسة ايندي واسقاطه لحساب الامريكيين ، كما اذكر لحماية احتكار النحاس الذي  كان تحت سيطرة الشركات الامريكية ، ولمنع امتداد ظاهرة كوبا التحررية في دول اخرى في القارة الامريكية ، وليس سرا التآمر على نظام هوجو شافيز الاشتراكي الدمقراطي في فنزويلا ... والقائمة الارهابية الامريكية طويلة .. وابرزها تغطيتها لارهاب الدولة الاسرائيلية ، واعطائها حصانة امريكية ضد اي محاولة دولية للحد من سياساتها المتطرفة والدموية في التعامل مع الفلسطينيين وسائر الاقطار العربية .

ما مهد الطريق الى 11 سبتمبر انهيار العدو الاكبر ، العدو الشيوعي ،  وان لا ننسى ان الفكر الاساسي الذي كان في جوهر الصراع   ضد الشيوعية هو الفكر السعودي الاسلامي الرسمي ، الفكر الوهابي الذي نشأ علية بن لادن ، وكان للدولة السعودية رضاء كامل على عمليات التجنيد في السعودية وفي العالم العربي والاسلامي وجمع التبرعات من اجل الجهاد الديني ضد السوفييت و"الشيوعية الكافرة " ، وهذا الرضاء تميز بالصمت العربي  على تجنيد الرجال والاموال والسفر لقتال العدو الشيوعي !!

الخطأ الامريكي  كان في الرؤية الايجابية  والرضاء الكامل  لتعزيز قوة وقدرات مجموعة بن لادن ومنظمة القاعدة وسائر المنظمات المسلحة الاسلامية في افغانستان والدول العربية ( الافغان العرب ) والدول الاسلامية ..

 لم تأخذ الولايات المتحدة في اسوأ حساباتها ان  ينقلب الوحش الذي سلحته لضرب السوفييت والشيوعية ، الى اخطر عدو لها ، يكرهها بنفس القدر الذي كره السوفييت وربما اكثر ، بسبب الممارسات السياسية الامريكية في الشرق الاوسط ، بالتغطية الكاملة للعدوانية الاسرائيلية  ، وللتنكر للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ، وللهيمنة الامريكية على العالم العربي ، وتحويل النفط ، هذه المادة الاسترتيجية فائقة الأهمية ، الى قوة استراتيجية تخضع لسيطرة الامريكيين اكثر مما تخضع للسيطرة العربية ، ولخدمة المصالح العربية والتطوير الاقتصادي في العالم العربي .

11 سبتمبر كان في الصورة ، ربما اختيار الاهداف هو المفاجأة وليس توجيه الضربة .. الصراع الامريكي الاسلامي ( اعني ما بات يعرف باسم المنظمات الارهابية الاسلامية ) كان محتوما .

 اعتقد ان الصدمة العربية  (صدمة الأنظمة الرسمية ) لم تقل في قوتها عن الصدمة الامريكية . الأنظمة العربية ، خاصة الممول العربي الاساسي للمنظمات الاسلامية المسلحة ، بالمال والفكر والرجال ، السعودية ، كانت مفاجأتها وصدمتها ورعبها اكثر هولا من الصدمة الامريكية .

ان قوة الصدمة وهولها تتوقف على قدرة الطرف المصاب في توقع الضربة والتحضر لها ومحاولة افشالها او صدها او التقليل من عنفها .. وهذا ما فشلت فيه الادارة الامريكية بالكامل .. وهو ايضا فشل الانظمة العربية التي تدور في الفلك الامريكي ، وساهمت في انتاج هذا الوحش الارهابي .. ولم تستطيع ان تتوقع اتجاهاته المستقبلية ، واليوم تحاول مع حليفها الامريكي ، ان تعيد الزمن الى الوراء ... عبر القمع  ، غير ان الزمن لا يتوقف ولا يغير اتجاهه بالقمع .

ان الصراع بوسائل القمع والارهاب ضد المنظمات الارهابية ، سيقود الى المزيد من سفك الدماء . 

الواقع العربي كان وما زال ارضية خصبة لنمو الفكر الارهابي ، بدون احداث نقلة نوعية في التنمية العربية ، والدمقرطة ، والتعددية الفكرية ، ونشر التعليم ، سيظل العالم العربي " مفقسة " - دفيئة لانتاج التطرف ...

 كذلك بدون حل مقبول للقضية الفلسطينية والعراقية ، سيبقى الشرق الاوسط البؤرة التي تنتج الهزات القاتلة لأمن العالم ...

 الحديث عن الارهاب الدولي يتجاهل جذور الارهاب .. ويكاد يبدو الصراع بين ارهابيين من مدارس ارهابية مختلفة .. الضربة في 11 سبتمبر دفعت امريكا الى مزيد من الارهاب والتعنت السياسي ، والى المزيد من دعم نهج التنكر للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وتجاهل  الاعتداءات الدموية على السكان المدنيين ، والى وقوف امريكي سافر وراء العدوان الهمجي التدميري على لبنان ، واعطاء اسرائيل ما طلبته من  الوقت لتحقيق اهدافها .. وفقط عندما بات التمديد بلا جدوى اقر وقف اطلاق النار ... هذه السياسات لا تدفع المنظمات الارهابية فقط لعداء امريكا انما تخلق قناعة عربية واسلامية كاملة ضد  النظام الامريكي . . وتمهد الطريق امام المتطرفين !!

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home