دراسات هامة

 

نظرات في إيقاع المعلقات

محمود العزامي



 

 

نظرات في إيقاع المعلقات

محمود العزامــي

التماثل الصوتي المقطعي

أصوات اللين : تمتاز أصوات اللين " بوضوحها في السمع إذا قيست بالأصوات الساكنة " (1)وقد ظهرت هذه الأصوات في المعلقات بصورة جلية ، على هيئة مقاطع صوتية طويلة مؤلفة من صامت وصائت طويل ( ص ح ح) وقد يكون الصائت الطويل متولداً عن ياء المد الناتجة عن إشباع الكسرة القصيرة ، سواء أكان الصائت الطويل ألفاً أو واواً أو ياءً ، وثمة وظائف فنية صوتية لمثل هذه المقاطع، إذ أنها تؤدي في كثير من الأحيان إلى تنويع النغمة الموسيقية، للفظة أو الجملة الشعرية ، فهذه المقاطع " ذات مرونة عالية وذات سعة في إمكاناتها الصوتية فتضفي موسيقى خاصة لها تأثير نفسي يشبه التأثير الذي يحدثه اللحن الموسيقي" (2)، ويمكن تلمس هذه الظاهرة الصوتية من خلال الأمثلة التالية :

قال امرؤ القيس :

فقلت له لما عوى إن شأننا                    قليل الغنى إن كنت لما تمول

ما /  وى  /     نا                                      نى  /       ما  / لي

وقربة أقوام جعلت عصامها                       على كاهل  مني ذلول مرجل(3)

وا/           صا/ها                        لي/كا/      ني / لو / لي

قال طرفة :

عدولية أو من سفين ابن يامن                     يجور بها الملاح طوراً ويهتدي

دو /     في           /يا                            جو          /ها / لا           دي

وإني لأمضي الهم عند احتضاره                  بعوجاء مرقال تروح وتغتدي(4)

ني / ضي                    ضا                    جا /   قا / رو          / دي

قال زهير بن أبي سلمى :

فلما وردن الماء زرقاً جمامه                            وضعن عصى الحاضر المتخيم

ما  / ما   / ما                                           صى / حا       /مي

ألا أبلغ الأحلاف عني رسالة               وذبيان هل أقسمتم كل مقسم (5)

لا  /لا   / ني  / سا                           يا                  /          مي

قال عنترة بن شداد :

هل تبلغني دارها شدنية                       لعنت بمحروم الشراب مصرم

ني  / دا  / ها                                    رو        را                  مي

فإذا ظلمت فإن ظلمي باسل                     مر مذاقه كطعم العلقم(6)

ذا  /  مي           با                                     ذا           /          مي

قال عمرو بن كلثوم :

ومتني لدنة طالت ولانت                      روادفها تنوء بما يلينا

طا       /لا                                   وا / ها/ نو/ ما/ لي / نا

ولا شمطاء لم يترك شقاها             لها من تسعة إلا جنينا (7)

لا  / طا   /   قا / ها                         ها           لا / ني / نا

قال الحارث :

فالمحياة فالصفاح  فأعلى             ذي فتاق مغاذب فالوفاء

يا        /فا          /لى                          ذي/ تا/ غا/ فا / ءو

فملكنا بذلك الناس حتى                        ملك المنذر بن ماء السماء(8)

نا / ذا / نا / تي                                 ما           /  ما

قال لبيد :

صادفن منه غرة فأًصبنها           إن المنايا لا تطيش سهامها

صا /              ها                           نا / يا / لا / طي/ ها/ ها

باتت وأسبل واكف من ديمة            يروي الخمائل دائما تسجامها(9)

با /وا              /دي                         وي / ما / دا / جا / ها

لقد زخرت المعلقات بأصوات المد الطويلة ، وهي أصوات بطبيعتها يحتاج نطقها إلى زمن طويل،  متناسبة مع دلالة الصوت المصاحب للنداء أو المخاطبة عــن بعد " (10)فكثير منها يوحي بنداء خفي يتمثل في المناجاة الداخلية للنفس ، وربما ينادي الشاعر حبيبته، أو خضرة ما ، تحل محل القفار الموحشة، وكأن الشاعر الجاهلي كان يحارب الجدب والقسوة والزمن باستغاثات ونداءات ضمنية صوتية ، ولعل الشاعر الجاهلي" لا يحاكي الزمن الذي يلف قسوة حياته بقدر ما كان يحاول أن يخلق زماناً جديداً (11)والزمان الجديد هذا ناداه الشاعر الجاهلي وحاوره وتعشقه وربما ذرف الدمع عليه .

 

التضمين الخارجي

للتضمين تعاريف كثيرة منها "  أن يكون الفصل الأول مفتقراً إلى الفصل الثاني والبيت الأول محتاجاً إلى الأخير، ولا يتم المعنى في البيت الأول حتى يتمــه البيت الثاني "(12)، وقيل إنه "تعلق القافية أو لفظه مما قبلها بما بعدها" (13)، فيقطعه بالقافية ويتمه  في البيت الثاني " وعد عيباً من عيوب الشهر و أطلق عليه اسم (المبتور) "(14)أما بعض المحدثين فقد أطلقوا عليه اسماً جديداً وهو " الموصول" (15)وذلك تخفيفاً من حدة ( البتر) التي عدت غيباً ، ولأن البيت الأول موصول بالبيت الثاني وبذلك يتم المعنى ، قال امرؤ القيس:

وليل كموج البحر أرخي سدوله             علي بأنواع الهمـوم ليبتلــي

فقلت له لما تمطــى بصلبـه           وأردف أعجازاً وناء بكلكــل:

ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي           بصبح وما الإصباح منك بأمثلِ (16)

فنلاحظ أن البيت الثاني لا ينفصل عن البيت الأول ، لأن ضمائره لن تجد مرجعاً في سواه، والبيت الثاني آخذ بزمام البيت الثالث، لأنه يقول القول في البيت الثاني، ووصفت هذه الأبيات بأن " الإحسان اشتمل عليها، وروح الحذق كانت بها" (17)ولقد انتبه السكاكي – رحمه الله – إلى هذه الحقيقة والأساس لديه أن ما يعتبر عيباً لخروجه عن النظام المعياري المتبع يمكن هو ذاته" أن يؤسس لنظام متناسق يسمح ببروزه كنظام قصدي يتحدى المتفق عليه" (18).

ويصرح السكاكي بذلك قائلاً : " وأعلم أن لك في كثير من عيوب القافية أن تكسوها بهذا الطريق ما يبرزها في معرض الحسن" (19)وكأن السكاكي يروض أحد عيوب القافية ليصبح مصدراً للشاعرية  ودليل العبقرية، كما يقول البعض " يكمن في التماسك  والوحدة " (20)وكثيراً من الشعر الحسن، ما افتقر البيت فيه إلى بيت أخـر يليه ، في معناه ومبناه الموسيقي ، قال طرفة:

فلولا ثلاث هن من عيشة الفتـى                     وجدك لم أحفل متى قام عودي

فمنهن سبق العاذلات بشـربــة               كميت متى ما تعل بالماء تزبد

وتقصير يوم الدجن والدجن معجب           ببهكنة تحت الخباء المعمـد (21)

وكري إذا نادى المضاف محنبــاً           كسيد الغضا نبهته المتــورد

فيما مضى كان الحديث عن التضمين الخارجي ، وأقصد به ما يتعدى حدود البيت إلى البيت الذي يليه، وثمة تضمين آخر، له صلة جمة بالصوت وموسـيقى البيت ، وهو التضمين الداخلي وسأعرض له بعون الله في موضع آخر.

 

 



 [1] ـ د. إبراهيم انيس ، الأصوات اللغوية ، مكتبة الانجلو المصرية ط5 القاهرة 1979 ص30 .

 [2]-  أماني سليمان داود (علي عبد الله ) شعر الحسين بن منصور الحلاج ، دراسة اسلوبية ، رسالة ماجستير ص 65

[3] ـ   ابو يكر الابناري ، شرح المعلقات السبع ، ص 80 ، ص 81 .

[4] ـ المصدر نفسه ، ص 137 ، ص 149 .

[5] ـ ابو يكر الابناري ، شرح المعلقات السبع ، ص 251 ، ص 265 .

[6] ـ المصدر نفسه ص 317 ، ص 336 .

[7] ـ ابو يكر الابناري ، شرح القصائد السبع ، ص 382 ، ص 385 .

[8] ـ المصدر نفسه ، ص 435، ص 574.

[9] ـ أبو يكر الأنباري ، شرح القصائد السبع ، ص 577 .

[10] ـ أماني سليمان داود ، شعر الحسين بن منصور الحلاج ، دراسة أسلوبية ، رسالة ماجستير ص 66.

  [11]-  د. ريتا عوض بنية القصيدة الجاهلية ، الصورة الشعرية لدى امرئ القيس دار الآداب – بيروت ص 185 .

[12] ـ ابو هلال العسكري ، الصناعتين ، ت : محمد البجاوي ومحمد ابو الفضل إبراهيم ، القاهرة ط2 1952 ص 42 .

[13] -  ابن رشيق القيرواني ،العمدة ص 171 .

[14]- قدامة بن جعفر ، نقد الشعر ت: محمد محيي الدين عبد الحميد، ط4 دار عطوة الطباعة- القاهرة 1978 ص 209 .

[15] ـ مجلة مهرجان الشعر الخامس 1963 الاسكندرية الجمهورية العربية المتحدة ، مقال بدوي طبانة بعنوان الوحدة في الفن والشعر ص 252.

[16] ـ ابو بكر الانباري ، شرح القصائد السبع ص 75 .

[17] ـ المرزباني ، الموشح ص 112 .

[18] ـ د. محمد العمري ، تحليل الخطاب الشعري، الدار العالمية للكتاب ط1 ، الدار البيضاء 1990 ، ص 260.

[19] ـ أبو يعقوب السكاكي ، مفتاح العلوم ، ضبطه وشرحه نعيم زرزور ، بيروت 1983 ص 576 .

[20]-  مجلة مهرجان الشعر ، مقال بدوي طبانة ، ص 253.

[21] ـ أبو بكر الانباري ، شرح القصائد السبع، ص 194 ، ص196.




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home