خاطرة

 

النقد الذاتي

حسين أحمد سليم



النقد الذاتي

 

حسين أحمد سليم آل الحاج يونس

بعلبك – النبي رشادي

 

           

الأخلاق نوعان : كريمة وقبيحة ... ومنها ما هو على جانب من السوء مثل " الادّعاء " - تناقض كل خلق جميل محمود – وهي متفشية بكل أسف في كثير من الناس , ناهيك عن الضرر البالغ الذي تلحقه بهم , وبالمجتمع الذي يعيشون فيه , ويتعاملون مع شرائحه المتعددة الألوان ,المختلفة المشارب ...

 

الادعاء خلق وضيع يصيب البعض , وهو ردة فعل سلبية , تتفاعل في مطاوي الشخصية الضعيفة , الفاقدة لأدنى مقومات المناقب الرفيعة , والأخلاق القويمة , لترسم لها سرابا , وتزين لها يبابا , صورا مجملة , وصروحا مكملة , في خيال مستفيض مديد , فإذا بها تسقط من حيث تدري أو لا تدري في متاهات تضيع عكسيا بسالكها ...

 

فعل الادعاء , حالة مرض نفسي , تصيب الكثير من الناس , أفرادا وجماعاتٍ , في عملية وهمية لرفع المكانة من مستوى وضيع إلى مستوى رفيع , وهي تنسيب التعاريف , لمن لا يحملونها صدقا , فتأتي بهتانا وزورا لمفتعليها , تؤدي بهم إلى متاهات هم في غنى عنها لو فكروا بعواقبها الإنسانية والاجتماعية , ناهيك عن التفاعلات النفسية , التي تصيب مرضى هذا النوع بالاضطراب الشديد ...

 

وظاهرة الادعاء , في المنحى التحليلي , تتأتى من حركة تفاعل الحسد في مطاوي النفس البشرية , وفعل تحرك الأنانية في الذات الإنسانية , والغيرة في نفسية الإنسان ...

 

وبعض الناس يدعي نسبة عالية من الكمال بفعل الغرور الذي يحمل , ولهذا فإنه يخلق بقصد وبغير قصد هالة ضعيفة في مضمونها من المظاهر الخادعة حول شخصه الضعيف , يريد بها أن يجمل من مظهره وأن يغطي على نقائصه , وأن يظهر محاسنه وفضائله ... وهذا ما يُعتبر مظهرا من مظاهر الأنانية  التي تتحكم بعواطفه ولكن بأقدار متفاوتة ... منها ما يستعبده , منها ما يستبعده , ومنها ما يتحكم فيها ويلجم عنفوانها , فيناضل في نقد الآخرين وينسى الجهاد الأكبر ... جهاد النفس فإذا به جبان أمام نقد نفسه ...

 

              إن الإنسان الذي يحاول أن يعيش في جو خيالي مثالي يقترب نسبيا من الكمال المنشود , يخطط لعملية خداع وغش مع نفسه , قد يصحو منها بعد تورط لا يستطيع تقدير خطورته ومداه ... وعالمنا اليوم الذي قرب الناس بعضهم إلى بعض عن طريق الاتصالات والسفر أو وسائل العلم أو الإعلام بوسائله المرئية والمسموعة والمقروءة المختلفة ... هذا العالم كشف الأسرار المكتوبة , أو التي كانت في علم الغيب عن حياة الإنسان في صحرائه أو قريته أو مدينته فسطعت شمس الحقيقة وسلطت أنوارها بروح العلم المبني على الصراحة والصدق والواقعية ...

 

إن أجمل الأوقات هي تلك التي يقضيها الإنسان مع نفسه , بحثا دؤوبا في أعماقه عن جواهرَ مكنونةٍ أو أمراض مدفونة , وهذه العملية للنقد الذاتي هي أحسن معلم لنا , لأن في ذلك فقط اكتشاف الحقيقة التي نفتش عنها , وهي ما فيها من ينابيع الخير والمحبة إما أن نعيش على وهم خلقنا نحن بدافع الغيرة والأنانية على أننا أعلى مستوى من أقراننا في مجتمعنا , فان ذلك لا يغير شيئا من مواقعنا ...

 

             والادعاء يدفع بالنفس إلى امتهان الأنانية والعجب ... فالأنانية والعجب بالنفس صفتان أو خلقان ترجعان إلى معين واحد ؛ هو إفراط المرء في حب نفسه والادعاء بما ليس فيها , ولا يعنيه إلا ما فيه الخير له , ولو على حساب غيره , وبالتالي تقديره لما يكون فيه من قول أو فعله , حتى ليعتقد أنه لا أحد أفضل منه بشيء ...

 

             إلى هذا فإن إعجاب الإنسان بنفسه من ناحية عقله ورأيه مثلا أو حسبه وشرفه أو غير ذلك , من الأسباب التي تدفع إلى هذا الخلق المقيت الذي يضر بالإنسان ضررا بليغا ... ومن إعجاب المرء بنفسه وفعله أن يرى أنه يبلغ من سداء الرأي والتفطن لدقائق الأمور ما لا يبلغ إليه غيره وهذا نوع من الكبرياء ...

              وبالتالي لا يمتهن مثل هذا الخلق الوضيع إلا من كان منافقا , يحمل الخيانة للأمانة , ويتعامل في كذب الحديث , ويغدر في العهد , ويتخلف عن الوعد , ويمارس الفجور في الخصومة ...

                                                                                   

             إن النقد الذاتي للإنسان نفسه تعتبر شجاعة أخلاقية راقية وشجاعة أدبية مميزة , لا يمارسها إلا أصحاب النفوس الكبيرة ... أما أولئك الذين يعيشون على الوهم والإيهام والتوهم ورؤى السراب والخيال اليباب , فهم أصحاب النفوس الصغيرة التي تعيث ادعاء , وتتخبط غرورا , وتتيه أنانية , وتتنافخ خيلاء وعجبا ...

 

تعديل وتفعيل

هـ . شـ .




  خواطر سابقة

اطبع الموضوع  

Home