مقال

 

من يحتاج لجنة تحقيق ؟

نبيل عودة



من يحتاج لجنة تحقيق ؟

 بقلم : نبيل عودة

 

 

 

كما هو متوقع لم تنته الحرب اللبنانية في اسرائيل بعد ، ما زال المجتمع الاسرائيلي ، بأحزابه وافراده مشغولا بالحرب ونتائجها التي لم تحقق ادنى الشروط الملائمة لاسرائيل  . واكثر من ذلك ، نشرت وسائل الاعلام الاسرائيلية ان حسن نصراللة ، العدو اللدود ، انتصر على الاعلام الاسرائيلي ايضا ، وكان المواطنون في اسرائيل ينتظرون ظهورة التلفزيوني لمعرفة ما يجري على الساحة العسكرية .. اي تحول الى مصدر ثقة اعلامي للجمهور الاسرائيلي ، وهذه الهزيمة الاعلامية تقلق القيمين على برمجة العقلية الاسرائيلية وخلق القناعات السياسية والعسكرية العامة .

المطالبة بلجنة تحقيق  رسمية تزداد حدة ، ورغم ان الحكومة اقامت عشرات لجان التحقيق لفحص حرب لبنان الاخيرة  ، في محاولة للحيلولة دون اقامة لجنة تحقيق رسمية .. مثلا في الجيش هناك عشرة اجسام تحقق في الجوانب العسكرية ..  ومع ذلك يصر الجمهور على اقامة لجنة تحقيق رسمية برئاسة قاضي المحكمة العليا " براك " .. الامر الذي يشير الى ثقة الجمهور بنزاهة رئيس المحكمة العليا والجهاز القضائي بشكل عام ، وفقدان الثقة بأجهزة السلطة المدنية والجيش ...

بالطبع اللجنة اذا اقيمت لن تحقق بالمسائل الاخلاقية  واللاانسانية  للحرب .. لن تحقق بالضرورة العسكرية لتدمير لبنان وقتل وجرح عشرات اللآلاف من المدنيين اللبنانيين ، ولن تحقق بتشريد مليون لبناني ، وبالطبع لن تحقق بتصريحات قائد الاركان الذي اعلن انه سيرجع لبنان 30 سنة الى الوراء .. هذه الامور لا قيمة لها ، وبالطبع لن تحقق بخيانة عمير بيرتس مثلا لمصوتيه ، الذين غرر بهم برفعه العلم الاجتماعي ليتحول الى قاتل  ومسؤول عن تنفيذ ابشع الجرائم التي عرفتها الانسانية بحق الشعبين الفلسطيني واللبناني .. هذه الجرائم  التي ادانها المجتمع الدولي والامم المتحدة لا قيمة لها بالحسابات الاسرائيلية .. لأن امريكا ترفض ادانتها . لجنة التحقيق لن تبحث بمسؤولية الجيش و السلطة السياسية عن الاوضاع المأساوية في قطاع غزة والضفة الغربية وقتل اكثر من 250 فلسطينيا معظمهم من الاطفال والنساء، اثناء الحرب على لبنان ، اي اكثر مما قتل في اسرائيل اثناء الحرب اللبنانية الثانية من المدنيين . لا احد يحاسب اسرائيل على المدنيين الفلسطينيين ..او اللبنانيين .. او غيرهم من العرب ،  امريكا لا تقر ان الاطفال الفلسطينيين واللبنانيين  والنساء الفلسطينيات واللبنانيات  يشملهم  القانون الدولي حول  حقوق الانسان وحق الحماية من القتل ، فلماذا نقلق ما دامت  امريكا " معنا " ؟!  ما يحدث من جرائم حرب  ضد الشعب الفلسطيني ، او أي شعب عربي آخر .. لم يعد يحرك حتى العرب ، فلماذا نقلق ونحقق ...؟! هل يستحق الموضوع الفلسطيني او اللبناني جهد لجنة تحقيق اسرائيلية للبحث في الاسباب التي قادت الى الانتفاضتين الفلسطينيتين   وحربين ضد لبنان  والجرائم التي التي اصبحت نهجا سياسيا وعسكريا ، احيانا لا يستحق خبرا في عناوين الصحف  الاسرائيلية ؟

لو "انتصرنا " ، حتى بثمن محو الشعب الفلسطيني ، وتدمير لبنان واعادته للقرون الوسطى .. هل كنا سنشاهد هذه الحرب الاسرائيلية الداخلية حول حرب لبنان ونتائجها ؟

الفلسطينيون اصبحوا خارج المجتمع الانساني ، حتى على مستوى "الأشقاء العرب ". من يقلق لمقتل فلسطيني اليوم ؟.. امريكا لا تقلق ، العرب لا يقلقون .. الجيش المصري للدفاع عن مصر فقط .. حتى لو ذبح كل العرب حول مصر .. ما دامت السلطة بخير ، والتوريث مضمون ، فالدنيا بخير  . من يهتم بمكانته السياسية  وامنه المنطقي ، الايكفي رضاء السيد بوش ؟!

 هذا يعيدنا الى المقولة الاسرائيلية التي كانت قاعدة سياسية وما زالت والتي تختصر كل المفاهيم الامنية الاسرائيلية ، بجملة تقول ان " العربي الجيد هو العربي الميت "

 وما تقوم به اسرائيل ليس تدميرا وقتلا وتشريدا انما تحويل العرب الى " جيدين ".. هل هذا يستحق لجنة تحقيق ؟! حقا الفشل الذريع في تحويل اللبنانيين الى " جيدين" خلق ازمة في اسرائيل يجب التحقيق فيها .. لماذا فشلنا ؟! ما الذي تغير ؟! هل التغير حدث فجأة ؟ هل كنا نعلم واهملنا ؟ هل العرب في لبنان هم نفسهم عرب ال 67  ؟ كيف يجوز ان ينهزم الكومبيوتر امام التعويذة ؟ وان ينهزم الاكاديمي امام الأمي ؟ وان ينهزم اقوى درع امام جندي نصف عار ؟

قرارات الحكومة من رئيسها ووزير دفاعها ، حتى الوزير المتهم بتقبيل جندية في مكتبه عنوة ، اصبحت تحتاج الى لجنة تحقيق .. لان النتائج تختلف عما  " تعودنا عليه " من جنود عرب يسقطون صرعى بالمئات ويستسلمون رعبا بالآلاف ... ربما لهذا السبب مبارك المصري لا يريد حربا لا تفيد الطبقة الحاكمة  في مصر ، وقد تقود الى تكرار عام 67 وعام 73 عام " النصر" الذي انتهى بهزيمة !! ولكن المفاجأة لم تكن متوقعة ، لأن التفكير العربي لم يأخذ باعتباره الا الهزائم .. شكرا حسن نصرالله .. على الأقل ناقضت كل حسابات العرب .. من اجل هذا الانجاز تستحق الشكر..

 الذي يظن ان لجنة التحقيق الاسرائيلية  ستحقق بالقضايا الاخلاقية .. بخيانة الناخبين ، بتضليل الرأي العام  وبشل شمال اسرائيل وتعرض الجبهة الداخلية لضربات وخسائر مؤلمة ، هو واهم ... لو تحققت الأهداف الاسرائيلية لشاهدنا مهرجانات الرقص على الدم اللبناني .. ولما تحدث احد عن فشل عسكري وسياسي .. حتى لو كان الثمن الاقتصادي والانساني الذي دفعته اسرائيل اضعافا مضاعفة .. لماذا لا يقلق الجمهور الاسرائيلي من المذابح المريعة في قطاع غزة مثلا ؟! هناك " نحن المنتصرون " !!

من الصعب البوح بكل ما في القلب .. الألم اكبر من النصر الذي يدعيه اي طرف كان .. لا منتصر اطلاقا في الحسابات النهائية ، الخسارة شاملة ومؤلمة .. وكنت آمل ان تكون مهمة لجنة التحقيق ، الكشف عن النهج السياسي والعسكري  لاسرائيل .. منذ اقامتها وبدء غزوات القتل الحدودية وحرب 1956 وحتى حرب لبنان الثانية .. وبالطبع الحرب التدميرية غير المتوقفة ضد الشعب الفلسطيني ...




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home