القلم النقدي

 

شعر فاطمة عبد الحق من الرؤية الوجودية إلى الرؤية الإسلامية

د. جميل حمداوي



شعر فاطمة عبد الحق من الرؤية الوجودية إلى الرؤية الإسلامية


الدكتور جميل حمداوي


يمكن تصنيف الشعر المغربي المعاصر إلى ثلاثة اتجاهات أدبية أساسية من حيث المضمون والرؤية للعالم منذ سنوات الستين وامتداد سنوات السبعين إلى يومنا هذا، وهي:
1- الشعر الواقعي والإيديولوجي الذي ينطلق من منطلقات واقعية ذات أسس مادية جدلية هيجيلية أو ماركسية أو شيوعية؛
2- الشعر الوجودي الذي ينطلق من فلسفة الضياع والاغتراب والعبث والانتظار واليأس والتغني بالذات المهزومة المنكسرة؛
3- الشعر الإسلامي الذي يستند إلى العقيدة الإسلامية الربانية الشاملة القائمة على التوازن بين ماهو مادي وماهو روحي. ويقدم هذا الشعر حلا إسلاميا لمعالجة مشاكل الإنسان عن طريق تهذيبه روحانيا وتنويره دينيا و السمو به واقعيا من خلال التمسك بنور المشكاة و تمثل آيات الهدي القرآني والسير على آثار القبس النبوي والسعي نحو إحقاق الحق وإبطال الباطل.
ومن أهم رواد الشعر الإسلامي بالمغرب نذكر: حسن الأمراني رائد هذا الشعر بدون منازع، ومحمد علي الرباوي، ومحمد بن عمارة، وعبد الرحمن عبد الوافي ...، ومن الشاعرات نذكر: أم سلمى وفاطمة عبد الحق التي انطلقت في مسيرتها الشعرية من الرؤية الوجودية إبان مرحلة المراهقة والشباب إلى الرؤية الإسلامية مع مرحلة النضج والاكتمال الأنثوي والوعي الجامعي وممارسة الحياة الواقعية كما يدل على ذلك ديواناها الشعريان، وهما: زمن الانتظار ، وصهيل الحروف المهزومة...

1- الرؤية الوجودية في ديوان:( زمن الانتظار)( ):

تبدو الشاعرة فاطمة عبد الحق في ديوانها الأول" زمن الانتظار" إنسانة يائسة متشائمة تتلذذ بالانتظار والصبر القاتل والصمت المميت، ينخرها السواد والاغتراب الذاتي والمكاني والحزن الكئيب كما يظهر واضحا في قصيدتها ( في عينيك كل
الأقدار) ( ):
تغشاني حرقة الأسئلة
تشتعل الكلمات في صدري
غابات صنوبر
يقتلني الصمت في عينيك
والكبرياء.
أفكر
قد تكون حزينا مثلي
بلا وطن

وقد يتحول الانتظار الوجودي العابث عند الشاعرة إلى كينونة متعفنة بلا معنى ولا قيمة، كأن الوجود أصبح ظلاما وطلسما بدون أمل ولاغد( ):
تتعفن الكلمات في صدري
أنتظر طويلا
أحترق في انتظاري
كالمساء الصغير
ولاشيء بعد
ربيع الحلم الداكن
تشتعل في البسمات
تخبو
تضيء السماء
تنطفئ
أحس الأشياء تذوب في العمق
تبدأ
تنتهي
تشتعل
تنزف
تخمد.
وتنطلق الشاعرة من رؤية وجودية مرتكزها العبث والضياع والانتظار على غرار فلسفة سارتر وألبير كامو وانتظار بيكيت. إن الوجود الإنساني كله عبث في عبث، وأنه لا يحمل- بالتالي- أي معنى ولا مغزى، وأن الحياة كذلك ليست سوى آلام وأحزان وملل قاتل. تذكرنا الشاعرة بالمبدعة العراقية نازك الملائكة التي بلغ بها الانتظار و التشاؤم شأوا كبيرا بعد أن فشلت جاهدة في الوصول إلى كنه السعادة الحقيقية ، تقول شاعرتنا اليائسة( ):
أولد أنا في لحظات
أموت
ولاشيء بعد
أقرر
أمشي بلا غاية
أحول كل الأهداف
أجتاز حقول التين والتمر والزيتون
أكتب على الجذوع
كلمات بلا معنى
لأحرق كل الأوراق الخضراء
وأبكي
حين أكتشف
أن الأوراق الخضراء
قد تحترق.
وقد أوصل اليأس والاغتراب الكينوني المميت الشاعرة إلى التمرد والثورة على القدر والسخرية منه بطريقة تتنافى مع حرمة الدين وقواعد الإيمان. وربما يعود ذلك إلى ماعاشته الشاعرة من ظروف ذاتية وموضوعية قاهرة، يمكن أن تتمثل في الفشل والهزيمة والسقوط والانتظار ، على غرار ما يعانيه الشباب ويكابدونه أثناء فترة المراهقة والبلوغ بعد أن تسد أمامهم أبواب متع الحياة ، ويتعرضون للحرمان والرغبات المكبوتة، فيدخلون في صراع مع الكبار ، وذواتهم المتمزقة في خطابات منولوجية، وحوارات صامتة ومتقطعة، ومناجاة خامدة بلا صدى ولا رنين، دون أن ننسى صراعهم السيزيفي مع متاريس الواقع المتردي والقيم المنحطة، تقول الشاعرة في حق قدرها ( ):
تحترق القوافي في صدري
تتعفن الكلمات
رائحة الدخان
أقداح الخمر تقرع
تعلن ميلادا جديدا
عربيد هو القدر
يتلكأ في كل الدروب والممرات
يتمايل
يصطدم بعمق اللحظة
يرتمي مصيرا مجهولا
تتكسر بقايا الجليد
على محطة النشوة والإدمان
تجتاز كل المطارات
تعلن..
" قلبي ياسادة
حقيبة منسية
في محطة منسية".
وبهذه السوداوية القاتمة، تثور الشاعرة على واقعها المحبط، و تتمرد عن قدرها المحتوم ومصيرها المكتوب، وتنطوي على ذاتها معلنة موتها وانتظارها السيزيفي الدائم.
هذا، وقد سكبت الشاعرة آهاتها وآلامها ومكابداتها اليائسة ومعاناتها العبثية الضائعة في قوالب شعرية جديدة تتمرد عن الكتابة الخليلية المعروفة بأسطرها المتوازية وإيقاعها الصارم. و تلتجئ الشاعرة في انزياحها إلى القصيدة النثرية كما في نص( ويحكي المساء) مستعملة الإيقاع الداخلي من خلال توظيف التكرار والإحالة والاتساق والانسجام والتوازي الناتج عن الائتلاف والاختلاف. كما يتعثر الإيقاع في القصائد الشعرية الأخرى القريبة من شعر التفعيلة، حيث نجد نصوصا يشتم منها الإيقاع من خلال فواصل سجعية متوازنة، وإيقاعات متوازية ناتجة عن توظيف التفاعيل العفوية التي تتوارد بشكل انسيابي عفوي ( مستفعلن ، فاعلن، فعولن...). وتكثر الشاعرة من الجمل الفعلية على مستوى التركيب؛ لأن الأفعال تدل على الحركة والتوتر والتطور الدينامي القصصي، وهذا يجعل بعض القصائد النثرية أقرب إلى خواطر وحكايا سردية. أما معجم الشاعرة، فيقترب من المعجم الوجودي الذي تنطلق منه رؤيتها العابثة ( عربيد، الخمر، الإدمان، أمشي بلا غاية، زمن الانتظار...). كما تستعمل الشاعرة بعض النصوص الغائبة كمستنسخات نصية وتناصية(سيزيف- بنلوب- زولا- أوديسيوس- النورس- موناليزا - هيكل الحلم...)، وهذا يحيل على تعدد الخطابات الحوارية في النص؛ ولكن بشكل مكثف وموجز( الخطاب الأسطوري، الخطاب الأدبي، الخطاب الشعري، الخطاب الفني، الخطاب الديني، الخطاب الفلسفي...).
وعليه، فديوان زمن الانتظار للشاعرة فاطمة عبد الحق يحمل رؤية وجودية قوامها العبث والانتظار واليأس، ويعبر عن أطروحة الإخفاق والفشل في حياة هذه الأنثى لعوامل ذاتية وموضوعية، ربما تكون الشاعرة قد مرت بها في مرحلة من مراحل حياتها المعيشية.

2- الرؤية الإسلامية في ديوان: صهيل الحروف المهزومة( ):

في ديوان " صهيل الحروف المهزومة"، ننتقل مع الشاعرة من رؤية وجودية عابثة إلى رؤية إسلامية ملتزمة قوامها النضال والكفاح والدفاع عن القضية الإنسانية والعقيدة الربانية. فالشعر لدى الشاعرة ليس أداة للعربدة والحب والمجون، بل هو سلاح من اجل إحقاق الحق وإبطال الباطل:( ):
شاعر حب أنت
شاعر الماء والخضرة
شاعر الأحلام الوردية
تقول شعرا في الحب
أقول في الحرب
تقول في الهوى
أقول في القضية
إن كان شعرك قرين الأوهام
فشعري توأم للبندقية
إن كان شعرك عصارة الحب القيسي
فشعري عصارة الدماء الزكية
سأكتب شعرا للطفولة
وأكتب الحروف الأبجدية
ولن أكون جميلا وقيسا
لأني حضنت السكين
وعزفت لحن المقصلة.

تستلهم الشاعرة الخطاب الديني تناصيا من خلال استحضار سورة الشعراء التي تحصر وظيفة الشعر في تمثل الإيمان والقيام بالعمل الصالح، وقول الصدق والحقيقة، والابتعاد عن الكذب والمبالغة والتمويه الباطل والعبث الماجن . يقول عز وجل متحدثا عن الشعراء:" والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون مالا يفعلون، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ماظلموا، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون".
وتثور الشاعرة على واقعها المتردي والمنحط وذاتها المستسلمة، مستشرفة واقعا أفضل وأسمى، يطغى فيه الكيف على الكم، وتتوازن فيه الرغبات، وينتشر فيه العدل والفضيلة، ويتحقق فيه الإيمان والحق الصادق. لذلك تستنجد الشاعرة بالفاروق عمر بن الخطاب كشخصية بطولية على غرار الشخصية المرتقبة في الفكرين: الشيعي (المهدي)،والمسيحي( عيسى عليه السلام). تقول الشاعرة في قصيدتها رسالة مفتوحة
إلى الفاروق ( ):
فيا أيها الفاروق
هلا رجعت
تحق الحق
تجتاح وجه الليل
" متى استعبدتم الناس"
إنا اخترناها
صراطا
ودينا
يانور الله
متى تأتي؟
ياعدل الله
متى تأتي؟
أيا روح الله
إنا ابتلينا...
من خلال هذا المقطع، تلح الشاعرة على النهج الإسلامي بديلا لمشاكلنا المستعصية، فعمر بن الخطاب ليس سوى رمز ديني يمثل الإسلام الذي رفع الإنسان وكرمه ودافع عن حريته وحرم استعباده بأي وجه من الوجوه. ويصبح عمر بطلا دينيا ومنقذا ضروريا لبشر هذا الزمان على غرار البطل اليوناني بروميثيوس أو البطل الغربي الحديث سوبرمان. وتدل القصيدة في جوهرها على انعدام القيم الإنسانية وانحطاط الفضائل الأخلاقية لكثرة الظلم والجور والضلال الديني والروحاني في المجتمعات المعاصرة.
وتستحضر الشاعرة كذلك ثنائية قابيل وهابيل لتجسد صراع الخير مع الشر والحق مع الباطل. كما تندد الشاعرة بواقعها الذي ينخره الكفر والفساد وكبرياء الطواغيت ، ولا ترى من مسلك لإنقاذه سوى الارتماء في أحضان الذات الروحية والذات
الربانية:( ):
يا...يازمان السلم
ياعصر الخطايا
والجور المستعر
خطيئتان
ثم كتاب العمر
بالدم سطر.
يارب
من ينقذ ذا الإنسان
من بحر الدم
من الهوان
إذ هو في غياهب الكون
سدر.
من ينقذ ذا الإنسان
إذ أخو الإنسان
بالحق كفر...

تنطلق الشاعرة في ديوانها" صهيل الحروف المهزومة" الذي يجسد الهزيمة والتردي وانهيار القيم العادلة من كيانها الذاتي الذي اختار الثورة والكفاح والتمرد والدفاع عن القضية الإسلامية إلى ماهو محلي ووطني وصولا إلى ماهو قومي من خلال تصوير القضية الفلسطينية في صورة محمد الدرة في قصيدتها(درة الأقصى)، وتجسيد الجرح العربي في قصيدتها(الجرح العربي).
إذاً، لقد اختارت الشاعرة في ديوانها الجديد الانطلاق من الرؤية الإسلامية للتعبير عن همومها الذاتية والوطنية والقومية من خلال مزج عدة أشكال وقوالب إيقاعية: القصيدة الخليلية وشعر التفعيلة والشعر المنثور والنشيد( الجرح العربي). كما استعانت بالنص الغائب الديني لتشكيل رؤيتها الإنسانية والعقدية، والتي تتمثل أيضا بكل وضوح في المعجم الذي يمتح ألفاظه من القرآن والسنة النبوية ومن التاريخ والواقع الإنساني. وهنا يتجلى بكل جلاء مدى التزام الشاعرة بنقل واقعها وهمومها الذاتية بكل صدق وموضوعية من خلال الدفاع عن شعر القضية بدلا من شعر الحب والهوى والمجون.
وخلاصة القول: لقد انتقلت الشاعرة المغربية فاطمة عبد الحق من رؤية شعرية وجودية عابثة إلى رؤية شعرية دينية إسلامية قوامها: الالتزام بمبدإ الإسلامية والدفاع عن الحق وبناء الإنسان الفاضل، فضلا عن تنقية معجمها الشعري دينيا، والابتعاد عن الغموض والإبهام الأدونيسي في استخدام الصور، واللجوء إلى تشكيل صور شعرية واضحة هذبتها الصياغة الدينية و الاقتراب من صدق الواقع والذات. كما استندت الشاعرة إلى تضمين الخطاب الديني في ديوانها عبر آليات تناصية تتمثل في المستنسخات النصية والمقتبسات والإحالات والتعابير الدينية المسكوكة. كما يؤشر الديوان على االتوفيق بين طريقتين في الكتابة الشعرية الإسلامية المعاصرة : التجريب والتأصيل في الإبداع الأدبي.

الهوامش:

- فاطمة عبد الحق: زمن الانتظار،المطبعة المركزية بوجدة، المغرب، الطبعة
الأولى، سنة1995؛
- فاطمة عبد الحق: زمن الانتظار، ص:9-13؛
- نفس المصدر السابق، ص:11،
- نفس المصدر، ص:12-13؛
- نفس المصدر، ص:14-15؛
- فاطمة عبد الحق: صهيل الحروف المهزومة، مؤسسة النخلة للكتاب، وجدة، المغرب، الطبعة الأولى، 2004؛
- نفس المصدر السابق، صص:10-11؛
- انظر سورة الشعراء، الآية:224-227، القرآن الكريم؛
- فاطمة عبد الحق: المصدر السابق، ص:44؛
- نفس المصدر السابق،ص:38-3




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home