مقال

 

فلسطين المكان: الناس والزمان

محمد المنصور الشقحاء



 

 

فلسطين المكان: الناس والزمان

 

 

محمد المنصور الشقحاء

هي عدة كتب تتحدث عن الجيش العربي السعودي الذي شارك في الدفاع عن فلسطين في حرب 1947 م ( 1367 / 1368 هـ ) لمنع قيام الدولة اليهودية تحت قيادة الجيش المصري بعد تجمعها ( الأسلحة والأفراد ) في العريش ودخلت فلسطين عن طريق

" رفح " كما جاء في كتاب الجيش السعودي في فلسطين إعداد صالح جمال الحريري1ومن هنا نجد أن القضية الفلسطينية تحولت من أمان المكان إلى حراك الناس ووعي الزمان وفق معطيات لم يؤخذ فيه للمكان اعتبار، يقال احتلت بريطانيا فلسطين بمساعدة العرب في عام 1917م كدعم للثورة العربية ( 1916ـ 1917م ) التي قادها الحسين بن علي ( 1856 ـ 1931م ) أمير مكة المكرمة المعين من الباب العالي في الآستانة لطرد الأتراك والانفلات من ولاء الدولة العثمانية التي انضمت للألمان في الحرب العالمية الأولى ( المانيا / النمسا / المجر / الدولة العثمانية ) بعد مراسلات مع بريطانيا التي أرسلت جواسيسها وعسكرها فتقاسمت الشام والعراق وفلسطين مع فرنسا وفق اتفاقية سايكيس بيكون فكان وعد آرثر بلفور عام 1917م الذي بموجبه تعهدت بريطانيا بوطن قومي لليهود في فلسطين متجاوزه تعهداتها للعرب بمنحهم حق الاستقلال وفي عام 1947م وافقت الجمعية العمومية على خطة لتقسيم فلسطين إلى دولة يهودية ودولة عربية0

وفي عام 1948م أنهت بريطانيا انتدابها على فلسطين فأعلن اليهود دولتهم وفشل العرب الفلسطينيون في تأسيس دولتهم فكانت هدنة 1949م بين إسرائيل ومصر ولبنان والأردن وسوريا فأحتل الأردن الضفة الغربية وجزء من القدس واحتلت مصر قطاع غزه ورفح وأنقسم عرب فلسطين بين مقيم في الدولة العبرية ولا جيء في مخيمات داخل ارض فلسطين أي في الضفة الغربية والقدس وفي قطاع غزة وآخر نزح بتشرده إلى الأردن وسوريا ولبنان0

إذا عام 1949م كان الشتات الفلسطيني ومنذ ذلك التاريخ: الناس والزمان يتشاوران في إيجاد وصف مانع وشامل للمكان حتى كان عام 1988م في الجزائر تم الإعلان عن قيام دولة فلسطين0

وفي عام 1994م دخل ياسر عرفات قطاع غزه كرئيس للسلطة الوطنية الفلسطينية بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من أريحا في الضفة الغربية وقطاع غزه التي تشكل مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني حسب بيان إعلان المباديء الموقع في واشنطن بين رئيس منظمة فتح ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابيين عام 1993م ( اتفاقية اوسلو )0

إذا بعد هذا الحراك نلمح أن التحرك كان خارج دائرة المكان وحسب أهواء الدوائر المساندة ولم يتشكل بمنطوق القرارات الدولية وفق الممكن؛ فقد تخلصت بريطانيا كدولة مستعمرة من فلسطين المكان بتسليم الأرض للأمم المتحدة ( عصبة الأمم ) عام 1948م بعد تقسيم الجمعية العمومية الأرض عام 1947م ( القرار رقم 181 في 29 نوفمبر 1947م ) ومن هذا الحراك ما جاء في كلمة السيدة انديرا غاندي ( رئيس وزراء جمهورية الهند ) أثناء مؤتمر حركة عدم الانحياز السابع عام 1983م المنعقد في كوبا ( إن كافة أعضاء الحركة يقفون إلى جانب الشعب الفلسطيني الشجاع الذي فقد وطنه والذي يتعرض للملاحقة باستمرار )2 ومن هذا الحراك غير النزيه قول السيدة فادية احمد الفقير ( فكان تأسيس هذا العمل التطوعي بعدما أصبحت القضية الفلسطينية قضية يومية داخلية إضافة إلى تمحور العمل السياسي حول مشروعين عربيين:احديهما تقليدي مرتبط بالغرب، والأخر مشروع عربي راديكالي )3 0

ومن مفارقات جامعة الدول العربية نتذكر إن مجلس الجامعة في دورته الثانية عشرة عام 1950م أصدر بيانا يؤكد على انه ( لا يجوز لأية دولة من دول الجامعة العربية أن تتفاوض في عقد صلح منفرد أو أي اتفاق سياسي أو اقتصادي أو عسكري مع إسرائيل ) ولما صدر قرار التقسيم 1947م قرر مجلس الجامعة ( أن الحكومات العربية لا تقر قرار الأمم المتحدة، وتعتبر التقسيم باطلا من أساسه )4 وتتضح الصورة جلية في نظريات الأحزاب الشيوعية في العالم العربي التي استنكرت حرب عام 1948م وتبنت الدعوة إلى الإخاء العربي اليهودي لمقاومة مشاريع الاستعمار/5 0

كما تتضح القضية الفلسطينية ثابتة في سياسة المملكة العربية السعودية كما جاء في تقديم الصحفي محمد حسنين هيكل لكتاب الاستاذ عبد العزيز بن عبد المحسن التويجري لسراة الليل هتف الصباح ( وربما إن جزءا كبيرا من شرعية الدور الذي قام به الملك عبد العزيز هو انحيازه التلقائي والفطري في بعض الأحيان لقضايا الأمة، وفي مقدمتها قضية فلسطين0 وهذا الانحياز التلقائي والفطري للملك عبد العزيز لقضية فلسطين حقيقة تشهد بها المواقف والوقائع وتسجلها الوثائق الدولية بما لا يترك سببا للشك )6 0

ومن المفارقات المستحدثة في القضية الفلسطينية التوصية التي خرج بها المؤتمر الشعبي لمقاومة التطبيع مع الكيان الصهيوني في الخليج المنعقد في الدوحة عام 2004م ( وان الشعب العربي الفلسطيني ليس بديلا عن الأمة في تحرير فلسطين وإنما هو طليعة لها، مما يترتب عليه حماية المقاومة وردفها بكل أسباب الصمود، ومنع إغلاق ملف القضية الفلسطينية )7 يلاحظ إغفال ممثل فلسطين دور السلطة الفلسطينية كما لم يتطرق المتحدث الفلسطيني القادم من الأردن عن دولة فلسطين

مما سبق نجد إن جامعة الدول العربية بعد هدنة عام 1948م لم تسعى إلى قيام دولة عربية للفلسطينيين على المتبقي من ارض فلسطين التي هي الضفة الغربية والقدس الشرقية وغزة بل جعلتها تحت الوصاية المصرية والأردنية حتى احتلتها إسرائيل عام 1967 في حرب الأيام الستة مع الجولان وجزيرة سيناء التي استـعادتها مصر بعـد توقيع معاهـدة السلام بيـن مصـر وإسرائيل عـام 1979م

( اتفاقية كامب ديفيد ) وبالتالي فقد العرب الأرض التي تركها اليهود؛ نواة دولة فلسطين العربية كما جاء في قرار التقسيم ألأممي، ( المحزن انه في نوفمبر عام 1988م أعلن الأردن فك الارتباط مع الضفة الغربية والاعتراف بها كجزء من فلسطين) 0

وكما فشلت جامعة الدول العربية في تبني قيام دولة فلسطين عام 1948م فشل الفلسطينيون في بناء دولتهم؛ نجد عرب الداخل لم يناقشوا حكام الأردن وقادة مصر في تحقيق هويتهم حسب المشروع الدولي وفشل فلسطيني معسكرات الدول العربية في توحيد أهدافهم فكانوا سلعة بيد التوجهات السياسية قومية وشيوعية فكانت دكاكين المنظمات الفلسطينية في دمشق وبيروت وعمان أداة تنفيذ للعواصم العربية على حساب القضية الفلسطينية، وكان أثرها في المزايدة فشل السلطة الفلسطينية منذ قيامها عام 1994م حسب مشروع منظمة التحرير الفلسطينية

( فتح ) وكوادرها في الخارج ممن دخل غزه بمرافقة ياسر عرفات في استيعاب فلسطيني الداخل ولم تتمكن من تفكيك معسكرات اللاجئين في غزه ولم تدرس إعادة تقويم معسكرات اللاجئين في الضفة الغربية بل تركتهم تحت رعاية وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين في الشرق الأدنى ( الأنورا ) وكأنهم عنصر غريب في كيان الدولة الفلسطينية وبالتالي فشل مشروع السلطة في تثبيت قواسم الدولة الفلسطينية مما جعل إسرائيل تتدخل في الشأن الفلسطيني مستغلة الصراع القائم بين فلسطيني الداخل وأطماع رجال السلطة ( كوادر فتح في تونس ) والفرح ألمؤد في وجدان فلسطيني الداخل وبين كوادر فتح وباقي المنظمات في لبنان وسوريا والأردن ( الجبهة الشعبية / الجبهة الديمقراطية / بعض عناصر منظمة التحرير الفلسطينية ) التي لم تجد لها مكان في الدولة الفلسطينية التي تبناها العالم وأرسلها بالطائرات والبواخر إلى القاهرة حتى تستقر في غزة ثم تتوسع في أريحا وجنين0

واليوم وبعد حرب لبنان وإسرائيل وقرار الأمم المتحدة رقم ( 1701 ) هل يستوعب أبناء فلسطين توحد الجبهة الداخلية في لبنان حتى انجلاء الغمة وهاهم برغم التباين يعيدون بناء ما تهدم كلبنانيين؛ فيكون التوحد الفلسطيني لتقوم السلطة الوطنية بدورها في قيام دولة فلسطين العـربية التي ننتظـرها كعرب لنا مشروعنا القومي: منذ 29 نوفمبر 1947م ويكون التآلف بين الأرض والناس والزمان لصالح أبناء فلسطين أتمنى ذلك0&

ــــــــــ الهوامش ـــــــــــــ

1 ـ ص 10 من كتاب الجيش السعودي في فلسطين ط2ــ 1422هـ / 2001م تأليف صالح جمال حريري

ولمزيد من المعلومات ينظر كتاب فهد المارك سجل الشرف ذكرى الخالدين وكتاب احمد زيد العتيبي السعوديون ودورهم في قضية فلسطين وكتاب محمد بن ناصر الياسري الاسمري الجيش السعودي في حرب فلسطين 1948م

2 ـ ص 204 من ملف خاص عن ( حركة عدم الانحياز ) منذ مولدها حتى انعقاد مؤتمرها السابع / إعداد وكالة الأنباء الكويتية مايو 1983م

3 ـ ص 187 من كتاب المواطنة والديمقراطية في البلدان العربية / مركز دراسات الوحدة العربية ـ الطبعة الثانية 2004م

4 ـ ص 47 من كتاب جامعة الدول العربية ( 1940/ 1985) دراسة تاريخية للدكتور احمد فارس عبد المنعم / مركز دراسات الوحدة العربية 1986م وللمزيد من المعلومات عن جامعة الدول العربية كتاب جامعة الدول العربية مدخل إلى المستقبل للدكتور مجدي حماد / كتاب عالم المعرفة 299 الكويت

5 ـ لمزيد من المعلومات كتاب الشيوعية المحلية ومعركة العرب القومية / الحكم دروزه ط3/ 1963م

6ـ ص 14 من كتاب لسراة الليل هتف الصباح تأليف عبد العزيز بن عبد المحسن التويجري ط2/ 1997م

7 ـ ص 254 مجلة المستقبل العربي ـ مارس 2005م العدد 313




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home