قصة

 

إسرائيل و كارثة قطار مصر

محمد سنجر




دارت الدنيا من حولنا
انقلبنا رأسا على عقب
دوامات تنتزعنا عنوة
تتقاذفنا
الآلام التي اغتصبتنا كانت أكبر من أن نحس بها
فجأة
هدأ كل شيء
ساد صمت فظيع لبرهة
صمت مرعب
وجدتني فاقد الإحساس بالجاذبية
أعضائي لا وزن لها
قطعة خشبية أنا تطفو فوق الماء

حاولت تذكر من أنا
من أنا ؟
دارت الدنيا من حولي
نفس الإحساس كان ينتابنا أيام الصبا بعدما ندور ندور ثم نتوقف فجأة
مازلت مصمما على الرد
من أنا ؟

بدأت أشلاء الذاكرة المشتتة تتجمع تتراكب رويدا رويدا
نعم تذكرت
أنا صابر
نعم صابر عبد الموجود
و لكن ما الذي حدث ؟

منذ لحظات كنت أجلس بجوار أخي حامد
و لكن
ما الذي حدث ؟
نظرت حولي
لم أجد أي أثر لأخي
لا أثر هناك لمقاعد ...................
القطـــــــــــــــــــــــار

نعم القطار
لقد كنا نجلس بالقطار
نعم
و لكن أين القطار ؟
حاولت الالتفات

ما هذا الذي ألم بجسدي ؟
لا أستطيع الالتفات
خدر لفني متوغلا بجسدي
أحاول إسناد يدي إلى الأرض محاولا النهوض
خانتني الأرض
أين الأرض ؟
هاهي الأرض أراها ، نعم أراها
لكن لماذا لا أستطيع لمسها ؟
حاولت مرة أخرى
ارتدت أبواب الفشل بوجهي
حاولت جاهدا النظر إلى يدي
ما هذا ؟
أين كفي ؟
تسلقت بنظري لأعلى
أين يدي ؟
قفزت بنظري إلى الكتف
ما هذا الذي يحدث ؟
الدماء تغطي كتفي
لا أثر ليدي على الإطلاق
لا لا أكيد هذا كابوس
هيا هيا استيقظ
كما تفعل كلما أتتك الكوابيس هيا فأنا لا أحتمل مثل هذه الكوابيس
أغمضت عيني
فتحتها فجأة

رعب رج قلبي رجا
لم يتغير المشهد من حولي
خفت النظر لكتفي ثانية
أسرعت بإغماض عيني
ما المانع أن أتحسس كتفي بيدي الأخرى
حاولت بعد عناء رفع يدي الأخرى
تحركت متثاقلة
حاولت تحسس كتفي برفق
ليس كابوسا
و الله ليس كابوسا

إنها الحقيقة
( صرخت ألما )
: إنها الحقيــــــــقة أيها المخدوعـــــــــــــون
يا أبنـــــــــــــاء الصمت ، إنها الحقيــــــــــــقة

( حاولت الوقوف
و لكن لا فائدة
نظرت إلى قدمي
فإذا بساق واحدة هي التي ما تزال ملتصقة بجسدي )
: أين الأخرى ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

حاولت الوقوف بالاستناد إلى الأشلاء الآدمية و المعدنية المكدسة بجواري
نظرت
ما هذا ؟
دمار يطبق على كل ما حولنا
جثث ملقاة هنا و هناك
أجزاء من بشر متناثرة
بعضها مازال يتحرك
بينما البعض الآخر يغط في سكون عميق
عندها بدأت الأصوات تتحرش بمسامعي
رويدا رويدا بدأت إدراكها
صرخات الألم و الاستغاثة تتداخل متلاشية
عويل الفقد و الرعب و الانبهار تلف المكان حولنا

ذهول سيطر على كياني
وجدتني أصرخ دون شعور

:أيها الناس
أيها الناس ، إنه يوم سعدكم
افرحوا افرحواااااااااااااااااااا
أخيرا
أخيــــــــــــــــــــــــــــــرا
( حاولت الرقص ، انكفأت على وجهي ، حاولت الجلوس
بالكاد جلست ، رقصت مقعدا )

: من سيربح المليون ؟ من سيربح المليون ؟
أخيرا أيها التعساء
أخيرا البؤس أدار عنكم وجهه ؟
أخيرا أيها ( الحثالة ) ابتسمت لكم الحياة
إنه يوم سعدكم يوم هنائكم
يا اللـــــــــــــــــــــــــــــه
اللهم لك الحمد
يد و قدم ؟
يد و قدم يا أولاد الأفاعي
كم تساوي اليد الآن في قائمة التعويضات ؟ هه ؟
أريد منكم أن تخبروني
كم تساوي القدم ؟
اللهم بارك
اللهم بارك في الإهمــــــــــــــــــــــال
( بدأت الدموع تفر من عيني تغرق الكون من حولي
لكنني حاولت التماسك )
: ألم أقل لكم ؟
فليفرح كل من فقد يدا أو ساقا أو عينا
ارقصوا يا أهالي الشهداء
فلقد فزتم بالحسنيين
استشهد فقيدكم فهو ينعم الآن في جنات النعيم ،
و كسبتم التعويضات فستنعمون بجنات دنياكم
اثنين في واحد يا أولاد الموكوسة ( تو باي ون )
عيني عليكم باردة
اللهم بارك لنا في العشوائية و اللا مبالاة
إهمال ، استهتار ، عشوائية ، لا مبالاة
كل هذا من أجلكم و من أجل مستقبلكم
بالله عليكم لولا الإهمال الذي أسدل علينا ستائره
كيف كنتم ستفوزون بفرصة مثل هذه
بمثل هذه التعويضات ؟
اللهم دم علينا الإهمال يا رب العالمين

( ارتج البكاء بصدري ، انفطر قلبي ، اعتصر حزننا على ما صرنا إليه
الألم الجسدي مقدور عليه ، أما انفطار قلبي ............... )

: منذ قليل كنت أسائل نفسي
من أين لنا بالنقود اللازمة لعمل ( النيولوك) لأم العيال ؟
كل صديقاتها .... يعيرونها فهي ... فهي الوحيدة من بينهم التي بقت على شاكلتها
من أين لنا بالنقود للذهاب إلى ....
إلى الساحل الشمالي أو حتى البحر الأحمر هذا العام ؟
من أين لي بالنقود لتغيير ......
لتغيير سيارة ابني الصغير ( ميزو ) ؟
كل ليلة كان يعود متشاجرا
أصدقاءه يضحكون لأن سيارته موديل العام المنصرم
( حاولت التماسك رغم اعتصار قلبي أكثر فأكثر )
اللهم دم علينا الإهمال
درت بنظري بين المحظوظين هنا و هناك
أحاول أن أشارك الكل فرحتهم
ف ليس منا من لم يهتم بشؤون المسلمين
وجدت شيخا مقعدا بجواري فقد ساقيه
: هنيئا لك يا عم
قدمان يا سيدي ؟ قدمان يا ابن المحظوظة ؟
الواحدة ليست أقل من خمسين باكو أغلى من قدم ( رونالدو )
( مسح دموعه ب كلتا يديه حاول التماسك و قال لي )
: لا تفرح أيها الحاقد ، لم يصبني إلا بعض الخدوش
: و قدماك ؟
: لا ، لقد فهمت خطأ , لقد فقدتهم بحرب أكتوبر المجيدة
: يا ابن المتعوسة
أيها الناس ، إنه نذير شؤم علينا ،
ابتعدوا عنه كي لا يعديكم ، ابتعد ، ابتعد
تعال هنا أيتها السيدة ، ابتعدي عن هذا التعس
هيه ؟ هل هو يوم طالعك ؟
ماذا فقدت ؟
( انتحبت السيدة لكنها حاولت التماسك و ردت علي بعد عناء )
: مجرد أذنان و عين واحدة و أعتقد جزءا من قدمي السفلي
فأنا لا أحس بها ، ادع لي يا بني ، فأنا في أشد الحاجة
فزوج ابنتي سيطلقها
( غلبتها الدموع فسكتت للحظات لكنها قاومت هذه الدموع و أكملت )
نعم سيطلقها إذا لم تقم بعمل ( سليكون )
كذلك فرح ابني ( توتي ) على الأبواب و أهل العروسة هددوا
إما نانسي و هيفا
يا إما ( كرسي في الكلوب) و ( يفشكلوا ) الفرح
: بل ادع أنت معي
اللهم أدم علينا نعمة الإهمال و العشوائية و الاستهتار
( أتتني أصوات الفقراء جميعا من حولي متكاتفة )
: آمـيــــــــــــــــــــــــــــــــن
: و أنت هناك
من هذا ؟
إنه أخي حامد
حامد ؟
لماذا لا يجيب ؟
أيها الرجل هناك ، هلا هززت الرجل الذي بجانبك فإنه أخي
: إنه ميت أيها الأبله
: مات ؟ حامد مات ؟
( حاولت التماسك )
و الله مكتوبة لك يا ابن الذين ....... ، طول عمرك ابن حظ
اللهم لا حسد ، اللهم لا حسد
هيه ؟ منذ قليل كنت تشكو لي
أن الأولاد لن يستطيعوا السفر إلى هاواي هذا العام لضيق ذات اليد
و لا تعلم بأن الهيئة تخبئ لك مفاجأة
لا لا لا و ألف لا
كنت تعلم
نعم تعلم
أيها اللعين
كنت تعلم بالحادث ، نعم فأصدقاؤك كلهم من الهيئة
( تحشرجت الكلمات لكنني حاولت استكمال ما بدأت )

نعم تعلم ، فلقد لاحظت بأنك كنت تنظر للساعة كل فترة
و لذلك عندما اقتربت ساعة الصفر قمت كمن لدغته حية منطلقا إلى مؤخرة القطار
لتكن من المحظوظين و تتركني أنا مصابا أندب حظي
أهذه هي الأخوة ؟
لا بارك الله في مثل هذه التعويضات التي تبخل على أخاك بها
ألم تملأ عينك تعويضات العبارة ؟؟؟؟؟؟؟؟؟
ألم تغنك تعويضات قطار الصعيد ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
أم تريدون أن تسيطروا على كل شيء في هذه البلد ؟؟؟؟؟؟؟؟
و الله سيصرفها أولادك على علاج أو مرض أو يضربون بها ما طاب لهم من ( البانجو)
طالما لا تحب الخير لأخيك
ألا تعرف ( حب لأخيك ما تحب لنفسك) ؟
يارب يطيروهم في الهوا
روح يا شيخ قلبي و كبدي و طحالي غاضبون عليك

( انخرطت في الضحك ممزوج بالنحيب
تقلبت بين هذا و ذاك
زاد البكاء من حولي تحول إلى صراخ و عويل
فلقد لهوتهم عما هم فيه و لو للحظات
فمنهم من انحشر داخل الحديد أو انحشر الحديد داخله
و منهم من فقد بعضا من جسده من فقد نصفه و منهم من فقده كله
و هذا من كتب الله عليه الهناء فلقد ذهب إلى جوار الكريم

بدا لي الجميع منشغلا بجمع أشلائه المبعثرة هنا و هناك
رأيت رجلا يحمل يدي ، ناديته )
: هيه ،
أنت هناك إنها يدي يا سيدي
: ألن تأخذ حقها ؟ فما لك أنت بها الآن ؟
: أي حق أيها الخسيس ؟
و الله لو وضعت الدنيا كلها تحت قدمي
فلا تساوي عندي أنا الفقير ـ و الفقير إلى الله فقط ـ
لا تساوي عندي طرفا من قصاصة أظافري الأسبوعية
فهل صدقت ما كنت أقول أيها الخنزير
ها ها ها هيء هيء هــــــــيء
( ضحكت ألما على ما صرنا إليه )
( طارت ورقة من صحيفة ملوثة بدماء الغلابة ملتصقة بوجهي
أبعدتها بيدي الوحيدة
وقعت عيني على بعض السطور التي لم تغطها دماء الشرفاء )
السطور تقول
: إسرائيل تغزو لبنان بسبب ( اثنان من الأسرى الإسرائيليين )
إثنان فقط ؟

( عندما قرأت ما بين السطور
ضحكت باكيا حتى استلقيت على قفاي أركل بقدمي الوحيدة الأرض)
ها هــا هــــا هــــــاي هي هـي هــي هــــــيي هو هـــو هـــــــو هـــــــــوي





  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home