مقال

 

هل هذا رجل؟

محمود الباتع



أثار حفيظتي ما أوردته الصحف حول استقالة وزير العدل الإسرائيلي حاييم رامون بسبب اتهام بالتحرش الجنسي وجه إليه، حيث ادعت عليه امرأة (قيل أنها مجندة) إسرائيلية بأن الوزير قام بتقبيل شفتيها (بدون موافقتها). و جرى ذلك، بحسب الجرائد، في الثاني عشر من شهر آب الجاري، أثناء احتفال رسمي جرى في تل أبيب !
أنكر الرجل التهمة ودفع ببراأته واستقال. لكن المدعية ماضية في ادعائها وتصر عليه، و بناءً عليه سيقدم رامون إلى المحاكمة.
سأحاول التجرد من أي شعور شخصي تجاه الخبر، وسأنسى تماماً أن الشخص المعني إسرائيلي، ولن أطرح الأمر من زاوية سياسية، فهذا لن يدين إسرائيل كدولة، ولن يعطينا صك براءة من ممارسات يومية مشابهة تجري بين ظهرانينا في الخفاء، ولو انكشفت لاستحقت صفة "الفضائح" بكل جدارة، كما ينطبق عليها القول الدارج (من كان بيته من زجاج فلا يقذف غيره بالحجارة).

من الزاوية الأخلاقية والإنسانية المجردة، أعطي لنفسي الحق وأسأل ما الذي يدفع برجلٍ كهذا إلى اشتهاء امرأة كهذه (أو كغيرها) فضلاً عن التجرؤ عليها، رغم عدم وجود سابق معرفة بها من قبل (كما يقول الخبر)، وإذن لم يسبق لها أن بادلته مثل هذه المشاعر. أتمادى في التساؤل، كيف استطاع إقناع نفسه بأن من حقه القيام بهذا الفعل المشين، وكيف عجز عن إدراك عواقب فعلته هذه؟ إنه انفلات الغريزة، وجموح الشبق دون أدنى شك ! ولكن كيف ولماذا لم يتمكن السيد رامون من لجم انطلاقة غريزته حتى انفلتت منه في غير مكانها وزمانها؟

أخونا حاييم رامون هو وزير العدل، وهو حقوقي متمرس، كما هو ضابط سابق في الجيش، تدرج فيه إلى أن وصل إلى رتبة مقدم (وهي رتبة ليست صغيرة)، وهو متزوج ولديه ابنتان، وفوق ذلك هو في السادسة والخمسين من عمره. كل هذه الصفات تجعل من اليسير عليه، بل من الجدير به أن لا ينزلق إلى منزلق شهواني حضيضي كهذا.

كونه محامياً، يوجب عليه معرفة المسافة بين الرغبة في شيء والحق في الحصول عليه، وهي مسافة كبيرة. وكونه ضابطاً عسكرياً، يحتم عليه الانضباط في معاملة الآخرين قبل كل شيء، أما كونه أباً لابنتين فيفرض عليه التمتع بالحد الأدنى التربوي من أخلاقيات وسلوكيات القدوة الأبوية، وبالتأكيد أن وضعه كوزير يفرض عليه الاتزان وعدم الاندفاع الطائش في أي تصرف، وأخيراً هناك سنه المتقدمة (قليلاً) والتي تفترض فيه من الحكمة والتعقل ما يمنعه من التهور والانجرار الغريزي ... ولكن برغم كل ذلك، وقع المحظور كما يبدو، وما حصل قد حصل.

يبدو من الصور المنشورة في الصحف للسيد الوزير، أن لديه قدراً معقولاً من الوسامة النسبية مقارنة بسنه، وكذلك بزملائه من رجال السياسة الإسرائيليين (باستثناء وزيرة الخارجية). ولكن هل كون الشخص وزيراً ذو سلطة وشاباً حليوة (..) يخوله أو يسمح له بأن يطيح ببنات الناس بوساً وتقبيلاً عن أبو جنب كلما سولت له نفسه ذلك؟
يا ترى لو كان أخونا حاييم بقالاً أو سائق أوتوبيس مثلاً، هل كانت نفسه(مهما كانت أمارةً بالسوء) لتأمره أن يأتي مثل هذا العمل؟ ولو كانت ملامحه من ذلك النوع الذي ينتمي إلى نظرية دارون، هل كانت وساوسه لتزين له عملاً كهذا؟ أشك في ذلك بشدة. ولو فرض أن ذلك حصل، هل كان ينبغي له أن ينساق وراء وساوس شيطانه؟

لقد لعبت السلطة في رأسه كما تلعب الخمر برأس السكران، كما لعب به غروره الشخصي الذي أوحى إليه بأنه، وكما نقول بالعامية (ولد خزيق)لا يقاوم، واجتمع هذا (ربما) مع ما كانت تتلقاه دولته من صفعات في لبنان، فأحب أن يجرب حظه في ميدان آخر، على قاعدة (تعيس في الحرب، سعيد في الحب) فانهال على شفتي المخلوقة تبويسا ...

إن انكفاء الرجل على ذكورته ولو للحظات، كلفه الكثير من الاحترام الذي بناه لنفسه على طول حياته العملية والاجتماعية، رغم أنه كان الأجدر به -وتلك مواصفاته- أن يتكئ إلى رجولته بدلاً عن إهدارها مع ما أهدر من الكثير من سمعته ومكانته. وهاهو اليوم يستقيل في محاولة للملمة أشلاء تلك الرجولة التي أراقها بيديه على ضفاف نزوته المعيبة.

أتساءل، ما فائدة العلم والخبرة والموقع المسئول، إذا عجز صاحبها عن كبح جماح طيشه ونزواته؟ وهل تتمكن الذكورة من الرجال حتى وإن كانوا في وضع مرموق، ويفترض أنه حصين، كوضع السيد رامون؟

لا أستسيغ فكرة انهيار بنيان رجل أمام الأنوثة، مهما كان طغيانها، خصوصاً إذا كان الانهيار نتيجة قرار ذكوري أحادي الجانب، ليس للأنثى فيه دور فاعل.

قبل أن أنتهي، راودني سؤالٌ (أعترف بأنه آثم قليلاً)، لكني لن أجد غضاضة في طرحه لمجرد التأمل،

ماذا يا ترى، لو قامت وزيرة الخارجية الإسرائيلية الست تسيبي ليفني بتقبيل أحدهم من شفتيه عنوة .... هل كان الأمر سينتهي بها كزميلها إلى الاستقالة؟

لا أنتظر جواباً .........




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home