خاطرة

 

المايم * ورقصة الخلاص

نجلاء صبري



 

المايم * ورقصة الخلاص
 
( 1 )

يرغب البوح في إرتداء الصوت ويحلم بالتسرب من الفكرة لحد التنفيذ.. من حد الأعصاب لحد الحنجرة، فحد تخلل آذان الآخرين فنفوسهم والتأثير بذواتهم... يرغب فى معانقة مستقبِِلات الآخرين ليشكل الرغبات لهم بتجسيد صوتي ويرفع عريضة الذات والمشاعر الحسية العميقة؛ يصطخب ويصطك سريعاً سريعاً ليتخطى كل الحدود متهيأً لذاك الموعد، وعلى باب السجن الشفاهي وقبل أن ينفرج شطريه المنغلقين سامحا له بالمرور؛ يموت البوح هناك مختنقاً بإبتسامة شبيهة برقصة "البانتومايم" البوحي.
 

( 2 )

على باب الحلم حيث يغفو قلبها من دهرين وزمن منتظراً حبه القادم منذ استدركتها الرغبة له، منذ استهجانها لتلك البرودة القاطنة بين ضلعها والوريد، منذ رغبت لو تتلحف بجسده من صقيع الوحدة الخادعة بحضورها وسط الجموع. وعلى بعد خطوتين من التلاشي التحققي بتلك الرغبة. دق جرس كابوسي ليخبرها بأن الحب ما عاد يأتي لقلوب العذراوات وأنه ما عاد يأتي بنقاء الرب، فقد سلبوه المعنى وأودعوه قاع الجمود على بعد خصرين ونحر لغريقة تشبه "أوفيليا" وقتما كانت نظراتها تتراقص بلغة المايم أمام عشيقها المنفلت فهماً لبوح الحب الصامت.
 

( 3 )

نرسيس ما كان نرجسي وما كان يعشق صورته في الماء... بل كان عاشقاً يدرب ملامحه على المايم العشقي يومياً... كان خجولاً ينكمش صوته اللاموجود من رجفة اللقاء... كائن حبه يقطن فى قعر الروح ويتمنى لو استطاع يوما استقطابه للسطح... تمنى لو كان مثل كل البشر يملك حروفاً ولغةً ليعبر بها لمحبوبته عن بواطن روحه...
نرسيس كان مسكين... خلقه الله دون كلمات فاختلق مرآته المائية لتدرب ملامحه على البوح بكل ذاك الحب المنبعث ضياءً من عينيه ورجفة وجنتيه وحرارة أنفاسه واختلاجات ملامحه...
وذات يوم وفي عبق نشوته بتدريب الملامح جاءه خبر وفاة محبوبته، ومن فورة الحب وقوته وعذوبته ونقاءه؛ تجسد الحب من خلال ملامحه؛ ليرسم صورة الحبيبة ليعكسها بمرآته المائية. ومن وقتها لم يستطع رفع عينيه ولا منع وجهه من تأمل محبوبته فسقط هناك ليتلاقى معها للأبد...
ولأن هناك حمقى لا يدركون ماهية الحب ولأنهم موبوؤن بداء اللوم وسوء النية... قالوا نرسيس مجنون يعشق صورته فى الماء... نرسيس نرجسي!!

فطوبى لك نرسيس... أيها العاشق حد التوحد... تلك كانت بشارة لمن تلاشى حبيبه واختفى في طريق الفناء الكوني فما عليه سوى تعلم لغه المايم النرسيسي.
 

( 4 )

أيها الممتهن مهنة التمريض تعالى إلى صدري لأمرضك... تعالى لأخلصك من جل وجعك الداخلي على مريضك.. فأنت تتحمل كل ألمه وتتحمل ألم الشفقة الذاتية الداخلية عليه.. بل وتتحمل أيضاً مجهوداً بدنياً وتمريضياًوتأنيب طبيبك على بعض التقصير من وجهه نظره، وفي الليل حينما تهدأ رجفة مرض مريضك تعتريك أنت رجفة المكبوت اليومي، رجفة كل هؤلاء المرضى بتنوع أمراضهم. وبتوالي عملك تتراكم تلك الخبرات وتخلق تورما بالذاكرة... فتعالى إليّ لأعلم ذاكرتك كيف تفرغ جل شحنتها برقصة بانتومايم ذهنية.. وحينما أنتهي منك وحينما أبعث ذاكرتك نقية كسلة تم إفراغها من القمامة التى تثقلها... ستجد وصيتى معلقة على جبيني مسطور فيها:
"ابحث لي عمن يفرغ صندوق ذاكرتي ويعلمني رقصة البانتومايم الذهنية"
وحينما ننتهى بالتوالي أنا وأنت وآخرون، وبعد استنفاذ كل الوصايا، وبعدما يعالج الرب آخر ذاكرة بشرية.. سنشفق على الرب فمن سيعلمه تلك الرقصة ليهدأ من آلام هذا الكون.
 

( 5 )

الحياة مسرح استعراضي كبير، وكلنا نمتهن مهنة التمثيل المسرحي ونحب الرقص والحركة العضلية والتعبير بلغة الجسد والحركة، بل والصمت... وفي خضم إعادة التاريخ لنفسه ومن كون المايم والبانتومايم لبنة المسرح وفنه الأول الصامت، وفي معترك تسلط رؤساءنا علينا وانزوائنا يبدو أننا عدنا لتلك المسرحيات والرقصات والحركات الصامتة. فمتى ستنبع تلك الثورة الحسية العميقة فينا ومتى سنطبق يوما شرع الديمقراطية والسلام والحرية لنبعث مسرحياتنا الناطقة من جديد ولنخلص العالم من كل تلك الشرور والحروب المقيتة ولنتخلص من كل تلك العرائض التى نشجب ونستنكر فيها بصمت مستتر بالإفصاح المريض... متى ستكون تلك الصرخة القوية: "ارحموا أطفالنا، وابعثوا من جديد فينا الصوت... ارحموا أطفالنا وإبعثوا من جديد فينا الصوت".
 
 
نجلاء صبري
أخصائية نفسية وكاتبة مصرية




  خواطر سابقة

اطبع الموضوع  

Home