مقال

 

حسابات الحرب ...

نبيل عودة



حسابات الحرب .. حسابات خاسرة دائما !!

 

بقلم : نبيل عودة

 

 

 

في اسرائيل يفكرون بالحرب القادمة ، بتعزيز قوة الجيش .. فقط 30 مليار شيكل يلزم الجيش للحرب القادمة ( ما يقارب 7 مليار دولار ) .. ليس مهما ان هذه المليارات ستقتطع من ميزانيات الرفاه الاجتماعي والصحة والتعليم .. المشكلة ان الهزيمة التي تطارد العسكريين والسياسيين مرارتها اكثر علقما من تدمير المجتمع المدني في اسرائيل ، من تدمير برامج التعليم ، من تحويل اسرائيل الى دولة لا تنفذ الا برامج الحرب ، ولا تبني للمستقبل الا القنابل الذكية والجيوش التي تمارس القتل  وأسلحة الدمار الشامل  التي تواصل الصمت حولها . 

عناوين الصحف تصرخ : تريدون أمنا ؟ اعطونا 30 مليار شيكل ! من الجهة الاخرى ينضم عشرات الضباط ، وبينهم جنرالات ..  لحركة الاحتجاج التي نظمها المقاتلون والآباء الذين ثكلوا اولادهم في الحرب المجنونة ، ويرتفع سؤال كبير : ما الهدف الذي قاتل اولادنا وقتلوا من اجله ؟ مرة اخرى لا جواب . نحن العرب ربما نعرف الجواب افضل من الآخرين .. وزير الدفاع عمير بيرتس وجدها فرصة ذهبية لعملية عسكرية خاطفة وسريعة ونظيفة يمحو فيها حزب الله ويعزز مكانته كرجل قوي يستحق مقعد رئاسة الحكومة ، ويرفع اسهمه الأمنية .. خرج من الحرب مثل "مصيفة الغور" ، فشل حيث لم ينجح الجنرالات الكبار ، وخان المبادئ الاجتماعية التي اوصلته لقيادة حزب العمل -  خان مصوتيه ، ولم يربح في الخانة الجديدة التي اختارها لنفسه غير الفشل والأضمحلال . رئيس حكومته اولمرت  اندفع بغرور صبياني وبقرار غير مدروس ، وباستهتار متغطرس  بقدرة المقاومة اللبنانية ( او اي جيش عربي ) على التخطيط لمواجهة الجيش الذي " قدح امهات العرب كلهن "... والاهم ان السيد الامريكي اعطى الضوء الأخضر للعملية العسكرية الوحشية لتدمير لبنان وتعليم العرب درسا في فائدة الخضوع لسادة الشرق الاوسط .. الذي حدث هو تسانومي عصف بالواقع الشرق اوسطي ، والآن يحتاجون الى 30 مليار شيكل لاعادة ترتيب البيت .. هل المواطن الاسرائيلي المضلل على استعداد لشراء الامن المزيف من قادة فشلوا في الحفاظ على امنه ورفاهيته ومستوى معيشته ؟ رؤيتي ان المواطن في اسرائيل ، رغم كل الضلال الاعلامي ، مثله مثل اي انسان آخر ، يريد حياة استقرار آمنة ، حياة جوار وتفاهم ، ورفع مستوى حياته والضمانات الاجتماعية والصحية والتعليم .. هل سيقنعوا هذا المواطن مرة اخرى ان الحرب القادمة ضرورية من أجل أمنه ومستقبله ؟ بصراحة .. حتى اليوم نجحوا دائما في تضليل شعبهم .. ورغم الصحوات التي كانت تتبع كل مغامرة عسكرية ، الا ان المؤسسة الحاكمة في اسرائيل نجحت دائما في جر شعبها لدفع ثمن المغامرات العسكرية .

المتتبع للواقع الاسرائيلي يجد العجب العجاب ، بعد الحرب الكل ضد الحرب ، خاصة اذا كان الثمن مرتفعا كما في الحرب الاخيرة . في آخر استطلاع للرأي أجراه معهد  " داحف" المشهور بدقته ، بادارة الدكتورة مينا تسيمح ، هناك هزة ارضية .. او الأصح القول  "تسانومي " .. هناك انقلاب مذهل في الشارع الاسرائيلي  بكل المعايير ، وليس فقط اتجاها مؤقتا قد يتغير بعض الشيء .. ونتائج الاستطلاع الاساسية تتحدث عن نفسها بدون جهد للتفسير والدلالة على تحولات ممكنة .. الاستطلاع اعطى اجوبة لا حادة وقاطعة...

مثلا 63% قالوا انه على رئيس الحكومة اولمرت ان يذهب الى البيت . 79% قالوا ان وزير الدفاع عمير بيرتس فشل  وقام بمهامه بشكل سيء خلال الحرب. 54% يطالبون باستقالة قائد الاركان حالوتس و63 % قالوا انه قام بمهامه بشكل غير جيد خلال الحرب .

والمميز المثير الآخر ان حزب العمل الذي نقش على واجهته في الانتخابات الاخيرة صيغة سياسية اجتماعية – اشتراكية دمقراطية ، سيختفي عن الصورة تقريبا اذا اجريت انتخابات جديدة . حزب قاديما سيتحطم ويخسر اكثر من نصف مقاعده . وحول سؤال من هو الانسب لرئاسة حكومة اسرائيل ، حصل اولمرت على 11% وبيرتس على 1% بينما ممثلي اليمين المتطرف  جاءوا في الطليعة ، بيبي نتنياهو 22% والفاشي ليبرمان 18% ... اضافة الى انقلاب واضح لصالح الليكود ( نتنياهو) ويسرائيل بيتينو( ليبرمان )

الصورة ليست جميلة بالتأكيد .. زيادة قوة اليمين  لن ينقذ المجتمع الاسرائيلي من ازمته ، انما هو تعبير عن الغضب من الفشل الذي لم تتعود عليه اسرائيل ، وخاصة من انكشاف العمق الاسرائيلي امام ضربات عسكرية لم تعرفها اسرائيل بهذا القدر من الخطورة والقوة في كل حروبها ، وكان الشعار الدائم ان الحرب ستنقل فورا الى عمق الاعداء .. وفي الحقيقة هذا تحقق دائما وبشكل مطلق !!

هناك مميز جديد في الدراما "الاوديبية" التي تحدث على الهواء مباشرة في اسرائيل ، وهي الفضائح الجنسية التي يتهم بها رئيس الدولة كتساف ووزير العدل حاييم رامون ، الذي اضطر للآستقالة ، والذي قلب جلده في الحرب الاخيرة وتحول الى اكثر الاسرائيليين تطرفا في الحرب ... هذا عدا وجود ملفات تحقيق ضد رئيس الحكومة نفسه ( متهم بتلقي الرشوة ) وضذ الوزير  (الأثري ) شمعون بيرس ، وضد اعضاء آخرين في الكنيست ( البرلمان ) امثال الوزير السابق تساحي هنغبي من قديما ..

بعد الحرب القادمة سيحتاجون الى اضعاف هذه المليارات .. هذا الامر لا أهميه له اذا تحقق " الانتصار " .. ولكن لا احد يعرف  بالضبط التكاليف الحقيقية للحرب  الاخيرة .. هناك من يقول انها وصلت الى اربعين مليار شيكل ، الا يجوز لنا ان نضيف لهذا المبلغ تكاليف الاستعداد للحرب القادمة ايضا ، اي ال 30 مليار شيكل المقترحة حيث ان حاجتها جاءت من فشل الحرب الاخيرة ؟ وربما ان نضيف ايضا ما سيخصص للحرب الاخرى بعد الحرب القادمة اذا فشلت الحرب القادمة في تحقيق النصر المؤكد والمرغوب لبقاء الغطرسة وجنون التدمير ؟!اما الخسائر الانسانية في الارواح ، فهذه لا قيمة لها في عالم حروب امريكا واسرائيل !!

 

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home