القلم السياسي

 

بطولة المقاومة .. والواقع المأساوي للعرب !!

نبيل عودة



 بطولة المقاومة .. والواقع المأساوي للعرب !!


بقلم : نبيل عودة

شدتني احداث الحرب خلال الاسبوع الماضي ، لحالة من القلق غير العادي من الواقع العربي، الذي لا توجد كلمات لوصفه بدقة ، رغم بحر التوصيفات التي ملأت وسائل الاعلام في الحديث عن الحالة المرضية للواقع العربي .
قلقي وثورتي النفسية مبعثهما الأول ما يرتكب بحق الشعب اللبناني ، واشمئزازي من الواقع العربي برمته في ظل موجة التصريحات التي اذا غربلت لا يتبقى منها الا سواد الحبر الذي سجلها .. كنت اشعر بالكلمات تتفجر في اعماقي ، ولكن ما نفع الكلام ، امام موجات الهرطقة الاعلامية الرسمية وغير الرسمية ؟ وهل تنفع كلماتنا ومصداقيتنا في تحريك شيء من الخمول والعجز الذي اصبح خيارا سياسيا منذ صهرت مصر في فران كامب ديفد الامريكي – الاسرائيلي ؟ اليس كامب ديفد هو الشرق الاوسط الجديد الذي حول القوة العربية الاولى الى وسيط سياسي وتابع امريكي ، بدل ان تكون المبادر والمقرر في الواقع العربي للشرق الأوسط ؟ وهل بالصدفة ان المحور العربي يتشكل من الدولة الكبرى – مصر ، ومن الدولة الأغنى – السعودية ؟! وكلتاهما تابعتان لنفس السيد ... وهل من نقطة ضوء في آخر هذا النفق العربي ؟!
اوهمت نفسي ان ابتعد قليلا ، لعلي استعيد بعض هدوئي النفسي ، وارى الواقع ببعض التفاؤل ... فانا اتمزق امام ما يجري من دمار للبنان ، وصهيل النصر الذي يطلقه البعض مثير للاستهجان ، لا اعرف ما هو النصر وانا اتطلع الى اشلاء اطفال قانا واطفال لبنان كلهم ، اجهل معاني الانتصار وانا ارى تحول لبنان الى غزة جديدة .. وكم يؤلمني اني لست صاحب قرار، او تأثير على القرار ، وهو حال المثقفين العرب ، وكل ما اقدر عليه ، وتقدر عليه جحافل المثقفين العرب ، هو التعبير المنفرد عن المواقف .. التي لا تحرك اي مسؤول غبي . للأسف بعض المثقفين يعومون على شبر ماء ،
يسقطون في التهريج السياسي ، والمواقف العنترية وكأننا ما زلنا في زمن " كر وانت حر " التي اطلقت بطولة عنترة ضد خاطفي حبيبته .. فيقتلوننا بديباجتهم اللغوية ، متحولين الى جنرالات ، يقصفوننا بكلماتهم الصاروخية ، وتهريجهم السياسي والعسكري .. محتفلين بالنصر العربي الكبير ،
بالطبع على دماء لبنان وطنا وناسا .. ثم يذهبون لتلقي الاجرة من السفارة الامريكية ، او من حكومات بلادهم البليدة ... حتى نحن العرب في اسرائيل اصبنا بالمزاج العربي على آخر العمر ، وصار عندنا من المفكرين من يحولون دماء ودمار لبنان الى انتصار قومي .. واولئك اجرهم عند البعث السوري اجر كبير !!
حقا البعض يكتب بحرقة والم انساني ، ويحلم بغير المعقول ، متجاوزا منطق الاشياء ، ومتجاهلا الأبعاد المأساوية للتطورات القادمة ، "سلبية" كانت ام "ايجابية " ، ووضعت الحالتين بين الأقواس من رؤيتي المتشائمة ، حتى من اي انجاز عسكري ايجابي قد يحققه رجال المقاومة . حقا عواطفي واعصابي وانفاسي ليست مع جزاري شعوب الشرق الاوسط العربية ... وخوفي الكبير ان يكرس هذا الصمود الاسطوري في وجه آلة الحرب الاسرائيلية المتغطرسة بغير وجه حق ، رغم كل زوبعة التصريحات الايجابية التي تصم آذاننا اليوم . ومع ذلك لا تناقض ولا تردد في الرؤية السياسية ، والاسقاطات الايجابية (رغم الالم الرهيب) للنتائج العسكرية التي انجزت حتى اليوم ، وبغض النظر عن
النتائج التي تحاول اسرائيل الوصول اليها في الساعات او الايام القليلة التي ما زال السيد الامريكي يمد بها حلفاؤه ، على امل ( نأمل ان يكون وهما قاتلا ) ان يتحقق ما لم تحققة الأيام ال30 من الحرب الهمجية .
الانجاز الأهم حتى الان هو كسر عنفوان وغطرسة القوة العسكرية الغبية ، رغم قنابلها الأمريكية الذكية !! واترك الحديث عن اسقاطات هذا الانجاز على العالم العربي .. لمن هم ادرى بشعاب مكة ..
نعم ، قلقي ، الذي تحول الى كابوس .. دفعني للابتعاد نحو شرم الشيخ ، متوهما ان وقف اطلاق النار وبغض النظر عن المضمون الكامل للقرار الدولي ، اصبح غير قابل للتأجيل .. ولكن يبدو اني ما زلت طيب القلب في فهم ابعاد الجريمة الامريكية – الاسرائيلية التي تنفذ .. مما زادني قلقا ، هو ما شاهته وقرأته عن "الخطوات العربية " ، وخاصة الشقيقة الكبرى مصر في " دعم " لبنان .
ومن مفارقات القدر ان شرم الشيخ هي المكان المفضل للزعيم المصري ، في عقد قممه مع المخصيين من الاشقاء العرب ، هذه اللقاءات التي لم تسفر حتى اليوم الا عن مزيد من الانحلال العربي الرسمي ، والمزيد من التفريط بالحقوق العربية ، وربما المزيد من الاتفاق على البطش بالشعوب العربية ... لتنفيس غضبها بالارهاب والردع السلطوي .
لم استطع الانقطاع ، في ابتعادي .. عن همومي وقلقي ، وشعرت بالندم الكبير من اللحظة الاولى .. فأدمنت على شاشة التلفاز والصحف المصرية ، التي ضاعفت اضطراب معدتي باقلامها الرسمية ، خاصة "عبقرية " رئيس تحرير الاهرام اسامة سرايا .. المدافع التافه عن سياسة بلا كرامة وبلا ذرة
من الواقعية السياسية .. ويكفي ان اسجل ان مصر بدفاعها عن الامن العربي العام ، انما تعزز امنها وسيادتها ومكانتها العربية والاقليمية ، وتعزز قيادتها للعالم العربي مع كل ما يترتب على ذلك من مكاسب سياسية واقتصادية تحولها الى مركز منتج وليس مجرد تابع بمستوى عميل .
نحن لا نريد مصر المستباحة لقوى العدوان ، والتابعة سياسيا لهذه القوى .. هذه نكسة لمصر وللعرب ، نكسة يمتد تأثيرها السلبي على الواقع الاجتماعي والحضاري لمصر وسائر الاقطار العربية .
وما كان للمعتدين ان يتمادوا في جرائمهم ضد الشعب الفلسطيني بلا رادع منذ ستة عقود وضد لبنان اليوم وامس لو حافظت مصر على مكانتها السياسية المستقلة .. وهذا لا يعني ان تتورط في الحروب ، انما ان تقود موقفا عربيا فاعلا ومؤثرا بقدراته الاقتصادية والسياسية والعسكرية .
ثورة نفسي لم تهدأ ولم اعرف لحظة راحة وانا انظر عاجزا لمشاهد الدمار والموت .. وازداد شعورا بالعجز وانا استمع للجنرالات العرب الملمعين وللمفكرين "الجنرالات "، والذين تحولوا الى بضاعة اعلامية رائجة .. وهم يعلنون النصر ، وكأنهم لا يرون ذبح الشعب اللبناني ذبح الشياه . هذا
اللغو الجنرالي المذهل في تفاهته وبعده عن الحقيقة الاساسية ، بأن دولة عربية تستباح ارضها ويهدر دم ابنائها ، لأن حزبا ما ، مهما حقق من صمود اسطوري ، ومهما أنجز من تحطيم للعنجهية العسكرية .. قرر المغامرة غير المحسوبة... الى جانب صمتهم المطبق عن الواقع العربي العسكري ، ومتطلبات رفع الجاهزية العربية وتطويرها لتصبح كفوءة في تحمل مسؤولية الأمن العربي ، الذي لا يمكن تجزيئه ... او خصخصته وتحويله الى مهمة للأحزاب والمنظمات !!
ان القول اننا لا نريد سيوف وقلوب الانظمة العربية ، هو قول تتمته في حالتنا تعني تلقائيا اننا نستعيض عنهم بسيوف وقلوب حكام ايران .. ونأمل الا يكون هذا صحيحا كما طمأننا السيد حسن نصرالله .
اعترف اني اتكلم بعقلي وليس بعواطفي ، بصراحة ، عواطفي مع ابطال الجنوب ، ومع ما يجترحوه من ملحمة بطولية اغريقية .. ملحمة لا مثيل لها في التاريخ العربي الحديث ، ومع ذلك مأساة الشعب اللبناني لا تغيب عن ذهني ولو للحظة ... ولا استطيع الشعور بنشوة الصمود والهزائم التي يذوقها
المتغطرسون ، وانا ارى الأشلاء البشرية وبراءة الاطفال التي تستباح .. واشلاء لبنان العمرانية .. ومآسي النازحين .
كسر هالة الردع امر ايجابي ، ولكن بين هذا وبين النصر او الصمود مآس انسانية رهيبة لا يجوز التغاضي عنها ، ورؤية النتائج العسكرية فقط هو موقف فيه من الولدنة اضعاف ما فيه من العقل .
ان قوة الردع الاسرائيلية الجريحة والمهانة ستزداد شراسة في الايام القريبة القادمة ، بعد صدور قرار وقف الاعمال الحربية .. ، وسترتكب كل اشكال المجازر دون ان تجد من يصدها .. لسبب بسيط هو غياب الدور العربي واستسلامه المهين .
ربما لن يتحقق شرق اوسط امريكي اسرائيلي ، ولكن قد يتحقق شرق اوسط جديد ايراني ، وهذا ليس اقل سوءا من الآخر.. ويجب ان لا يغيب عن ذهننا




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home