القلم العلمي

 

لسنغ والإسلام والتسامح

سيلفيا هورش/ ترجمة محمد شاويش



لسنغ والإسلام والتسامح
سيلفيا هورش- ترجمة محمد شاويش


مقدمة المترجم:

السيدة سيلفيا هورش هي باحثة ألمانية شابة نالت أطروحتها للماجستير عن "العقلانية والتسامح، معالجة لسنج للإسلام "، التي نشرت في كتاب صدر عن دار إرغون في فورتسبورغ صدى طيباً في الأوساط الأكاديمية والأوساط الاجتماعية الألمانية المهتمة بدعم الأصوات المتعقلة الداعية للتفاهم بين البشر من ثقافات متعددة، وتحجيم التيارات المتعصبة الداعية للعداء والكراهية.
وقد دعيت السيدة هورش لإلقاء محاضرات تتعلق بموضوع الكتاب في أماكن مختلفة من ألمانيا، والمترجم استمع لهذه المحاضرة التي هي عملياً تقديم للكتاب في أحد هذه الأماكن(جامعة برلين الحرة) وطلب منها إعطاءه حق الترجمة، وتفضلت بذلك مشكورة.
يعد الشاعر والمسرحي والمفكر الألماني الكبير لسنغ(1729-1781) واحداً من الأصوات القليلة في العصر المسمى "عصر التنوير" الذي عالج مشكلة "التسامح" عبر الدعوة إلى قراءة يسيرها الاحترام للأديان والثقافات الأخرى لا الانحياز المسبق. علاقة عصر التنوير مع موضوع التسامح هو بخلاف وجهة النظر الوردية التي يقدمها عنه عادة المثقف العربي علاقة هي غالباً غير مشرفة، والبعد العنصري الذي لم يتم التركيز عليه كان ثغرة كبرى "للمنورين" جعلتهم عملياً ونظرياً يناقضون مفاهيمهم عن الحرية العقلية والتسامح الديني منذ أن يخرج الموضوع عن حدود الثقافة الغربية.
وتسلط السيدة هورش الأضواء على هذا الجانب من خلال أعلام تنويريين من نوع فولتير وكانط.
المحاضرة التالية ألقيت في ندوة دراسية في الأكاديمية الإنجيلية أرنولدهاين.
وضعت الأسماء غير العربية بأحرفها الأصلية إلى جانب وضعها بالأحرف العربية ما عدا الأسماء الشهيرة جداً. المترجم.

I لسنغ والإسلام- موضوع راهن:

لقد كان إنجازاً للسنغ قبل كل شيء أن الإسلام قام بدور مهما يكن هذا الدور في المداولات حول التسامح التي شهدها القرن الثامن عشر: يكتب موسى مندلسون Moses Mendelssohn إنه   قبل لسنغ ما كان هناك تفكير إطلاقاً " في الوثنيين واليهود والمحمديين و أتباع الديانات الطبيعية من أجل جعل أسس التسامح أكثر إشكالية أو في أحسن الحالات بقي الأمر في طور النية". موضوع التسامح هو واحد من الجوانب التي غالباً ما عولجت في عمل لسنغ، لكن معالجته للإسلام هي بالتأكيد ولحد بعيد لم تنل اهتماماً. وقد تغير هذا الحال لاحقاً في موعد أقصاه كانون الثاني 2004 عندما تكلم الرئيس الاتحادي يوهانس راو Johannes Rau  في فولفنبوتيل  بمناسبة عيد ميلاد لسنغ عن العلاقة بين الدولة والدين، وفي الجملة أيضاً عاد إلى "الجدال حول الحجاب".  وفي نفس المكان تكلمت بعد أسابيع قليلة يوتا لمباخ Jutta Limbach، الرئيسة السابقة للمحكمة الدستورية الاتحادية، ضمن سلسلة المحاضرات "التنوير في القرن الحادي والعشرين"  عن "واجب التسامح" وفي هذه الكلمة أيضاً دار الحديث حول التعامل مع الأقلية المسلمة في ألمانيا.
إن العودة بالذاكرة إلى لسنغ ترتبط بهذه الطريقة مع أسئلة سياسية واجتماعية راهنة للغاية: ما هو معنى التسامح في مجتمع تعددي؟ هل يستخدم التعامل مع الأقلية المسلمة في ألمانيا في تثبيت قيم "غربية" مفهومة على أنها إلزامية أم يرى كفرصة لتحويل هدف بناء مجتمع يفهم نفسه على أنه تعددي ومنفتح إلى واقع متحقق؟
حيال هذه الخلفية فإن معالجة علاقة لسنغ بالإسلام هي أيضاً إسهام مساعد جداً في مداولة اجتماعية راهنة. ومن الطبيعي أن النية هنا ليست "جعل لسنغ راهناً" بطريقة تتجاهل التغيرات الاجتماعية والسياسية العميقة التي حدثت بين القرنين الثامن عشر والحادي والعشرين. ومع هذا فإن صورة الإسلام عند منور مثل لسنغ هي بالنسبة إلينا ذات أهمية لأن مفهوم "التنوير" يستعمل كثيراً للتشديد على وجود تناقض بين "الغرب" و "الإسلام".
وفي هذا المجال غالباً ما يكون استعمال المفهوم غير دقيق: من النادر أن يجري التفكير بعمق  في واقعة أن "التنوير"   هو تسمية لحقبة من التاريخ العقلي  الأوروبي  شروطها التاريخية الخاصة وعواقبها لا يمكن سحبها ببساطة على العلاقات الموجودة في ثقافات أخرى. إن المفهوم يستعمل أكثر بكثير من هذا بمعنى عام: أن تكون "منوراً" تعني أنك تركت وراءك اللارشد واللاعقلانية و حررت نفسك من الإلزامات التي يشترطها الدين  وأنك تغلبت على التعصب. و إن المرء ليصادف غالباً الرأي القائل إن الأوروبيين قد تجاوزوا هذه المرحلة من التطور على حين  لم تزل ثقافات أخرى لم تبلغها بعد- وبالذات الإسلام. إن البحث في معالجة لسنغ للإسلام هو مهم في هذا السياق لأنه واجه صورة للإسلام نشأت قبل كل شيء كتركيب انعكاسي هو صورة سالبة-نيجاتيف  للمجتمع الذي يعيش فيه من تخيل الصورة (أو صورة سالبة للمثل العليا لهذا المجتمع). لقد شغل لسنغ نفسه بالإسلام سواءً في ميدان تاريخ الثقافة أم في ميدان اللاهوت كما لم يفعل أي مؤلف ألماني آخر في القرن الثامن عشر: لقد قدر إنجازات المسلمين العلمية والثقافية وعاد إلى الإسلام في كتاباته النقدية اللاهوتية واستخدم مضامين التاريخ الإسلامي والعقيدة الإسلامية في مسرحيته "ناثان الحكيم Nathan der Weise" التي صدرت عام 1779. كان ما يشغل اهتمامه هو المعرفة الدقيقة والحكم العادل و إزالة الأحكام المسبقة التي تعرقل المعالجة الحقيقية للإسلام كدين وثقافة.

II لسنغ وصورة الإسلام في الفكر التنويري:

لا بد للمرء من أن يلقي نظرة على صورة الإسلام في الفكر التنويري لكي يستطيع أن يقدر أهمية معالجة لسنغ للإسلام. إن فكر التنوير شجع معالجة الأديان والثقافات الأجنبية، وللمرة الأولى نشأ اهتمام علمي أصيل بالإسلام، ولكن المرء لا يستطيع أن يتكلم مع ذلك عن تغير كبير في الرأي بعمومه.
أنّه ماري شمل Annemari Schimmel تتحدث بحذر وهي في إطار التقييم عن "تحول في موقف مجموعة محددة من العلماء". ويحكم إدوارد سعيد بصورة هي بعد أكثر نقدية على هذا التطور: إن الميل المعلمن (بكسر الميم الثانية.م) للفكر التنويري برأيه لم يجتث هكذا ببساطة النماذج الدينية للعصور الوسطى، و إنما هي بالأحرى "أعيد بناؤها وطبقت ثانية ووزعت في الأطر العلمانية من جديد".
الأشياء التي استمرت في الوجود متضمنة قبل كل شيء في النظرة للإسلام على أنه الغريب. بالنسبة للعصور الوسطى كان الإسلام هو النموذج الأصلي للغريب والعدو حين فهم على أنه هرطقة أو وثنية أو عمل من أعمال الشيطان. و على خلفية صورة الفكر التنويري الجديدة للإنسان، تلك التي قدمت توجه الإنسان العقلي، تغيرت أيضاً صورة الغريب تغيرات محددة. لقد تشكل نقد جديد في الحقيقة "للآخرين" في الفكر التنويري "موضوعه الرئيسي النقص المزعوم في العقل"] هنتغس Hentges [. إن هذه النظرة للإسلام تقابلنا أيضاً عندما ننظر في المصادر التي أخذ منها لسنغ معلوماته عنه.
بالإمكان القول أن لسنغ قد قرأ كل الأدب الذي كان في ذلك الزمان متاحاً عن الإسلام. ومن الطبيعي أنه لم يكن يعرف العربية أو التركية ولهذا كانت المراجع التي اعتمد عليها من الأدب الاستشراقي قبل كل شيء، وفي هذا السياق صادف مواقف مختلفة جداً، فقد   عرف مثلاً ترجمة القرآن التي قام بها جورج سيل George Sale وهو محام إنجليزي عام 1734، وقد كانت إلى حد ما أول ترجمة موثوقة في لغة حديثة. وقد سبقت هذه الترجمة بكلمة تمهيدية مطولة Preliminary Discourse وفيها استند سيل في تقديم الإسلام على مراجع مسلمة أيضاً (أي ليست غربية فقط.م). إن علماء مثل سيل اجتهدوا في أن يفندوا الحكام المسبقة ضد الإسلام ويعالجوه بصورة موضوعية. وقد قرأ لسنغ ما هو بعد أكثر بكثير، وهو ما لا نستطيع أن نسوقه هنا بكامله(من ضمن ما قرأه أعمال لبوكك Pocock، ريلاند Reland، ديربلو d`Herbelot، أوكليي Ockley، غاغني Gagnier، رايسكه Reiske، أي الأسماء المعروفة آنذاك في علم الاستشراق). ولكنني أريد أن أتكلم عن عمل كان في عصر لسنغ منتشراً بصورة واسعة  ومعروفاً عنده أيضاً.
الكتاب كان قد كتب عام 1697 من قبل كنسي إنجليزي هو همفري بريدو Humphrey Pridaux  وعنوانه: The true Nature of imposture fully displayed in the Life of Mahomed   (أي الطبيعة الحقيقية للاحتيال معروضة بالكامل في (مثال) حياة محمد).
إن الإسلام موسوم في العمل كله على أنه ببساطة "الاحتيال" The imposture ومنظور إليه على أنه عقوبة من الرب للمسيحيين، محمد طبعاً ليس نبياً ولكنه صاحب سلطة بلا ضمير وشهواني والوحي المزعوم ما هو في الحقيقة إلا نوبات صرع وما الإسلام إلا هرطقة و إلخ... وهكذا لا نجد شيئاً يغاير جوهرياً اتهامات القرون الوسطى المعيارية.
الآن استخدم هذا العمل أيضاً من قبل المنورين كمصدر للمعلومات عن حياة النبي. مثلاً الفيلسوف بيير  بيل Pierre Bayle يوصي به  في مقال عن النبي محمد في قاموسه التاريخي والنقدي واسع التأثير Dictionaire Critique وفي مقاله ماهومت Mahomet
يتبنى تقييمات بريدو بلا مساءلة ويعيد القارئ إلى معلومات إضافية عن النبي في هذا الكتاب، وبهذا يرينا المقال أن حال تنوير الإسلام في الفكر التنويري  ليست جيدة كما كان المرء ينتظر. ولكن هناك بعض المؤلفين الذين رأوا في الإسلام ديناً متعقلاً. وقد نشر رد مباشر على بريدو مغفل من التوقيع عنوانه Mahomet No Impostor, or a Defence of Mahomet (ماهومت غير محتال، أو دفاع عن ماهومت.م)، وموه الرد بأنه رسالة لمؤلف مسلم. وظهر مؤلف هنري بولنفيليه Henry Boulainvillear  (1658-1722) La Vie de Mahomet (حياة محمد.م) فقط عام 1730 بعد وفاة المؤلف وترجم إلى الألمانيا عام 1768. وهذا العمل هوجم بشدة حيث أن محمداً ظهر فيه كأداة إلهية عن طريقها كان يجب ان تنتشر المعرفة بوحدة الإله، وظهر الإسلام كدين تتفق تعاليمه مع العقل. إن مثالاً آخر مثيراً للاهتمام قدمته مخطوطة هنري ستب Henry Stubbe (توفي عام 1676) وهو طبيب إنجليزي لم تطبع مخطوطته  An Account of the risc and Progress of Mahometanism (تقرير عن صعود وتقدم الماهومتانية.م) إلا سنة 1911.
وهو أيضاً يصف تعاليم الإسلام بانه على وجه الخصوص عقلانية و متطابقة مع القانون الطبيعي. إن الظرف المصاحب لهذه العمال المتمثل في أنها جميعاً إما ظهرت بعد وفاة أصحابها أو كانت مغفلة من التوقيع يجعل من الوضوح بمكان حقيقة أن النظرة الإيجابية للإسلام ما كانت مقبولة اجتماعياً، وهو أمر تجب إعادته بصورة رئيسية إلى ميلها الناقد للمسيحية. ليس هناك أيضاً أدلة على أن لسنغ قرأ هذه الكتابات. لقد كان مطلعاً اكثر على منظور آخر يرى في الإسلام تعبيراً عن التعصب.

الإسلام كتعصب:

يتلقى لسنغ ابن الواحد والعشرين ربيعاً تكليفاً بأن يترجم بضعة كتابات لفولتير إلى الألمانيا (الكتابات التاريخية الصغرى 1752)  ومن ضمنها كان النص القصير (عن القرآن وماهومت) وفي هذا النص يرى بوضوح أن فولتير لا يرى في الإسلام  ديناً عقلياً أو طبيعياً البتة، وفي النص يزعم أن محمداً "بائع مغرور طائش يروج بضائعه بالزعيق"، و أن القرآن "خلطة لا ترابط فيها ولا نظام ولا فن"، و أن العرب  شعب سراق.
لا علاقة للإسلام بالعقل عند فولتير له علاقة وثيقة مع "الجنون Rasery" و "الهيجان الحماسي Enthusiasterey". ورأيه بمحمد والقرآن يبينه بجلاء في رسالته إلى فريدريش الكبير: أنه[محمد] يتباهى بأنه ارتقى في السماء وهناك تلقى جزءاً من ذلك الكتاب صعب الهضم الذي هو في كل صفحة منه يجعل الفهم البشري يرتج، أنه لكي يحقق لهذا العمل الاحترام جلب الويلات لوطنه، (...)  هذا ما لا يمكن لبشر بالتأكيد أن يغفره ما لم يكن جاء إلى الدنيا تركياً أو خنقت فيه الخرافة كل نور طبيعي".
وبهذا  يغدو الإسلام نموذجاً قياسياً للتعصب الذي هو  بالنسبة لفولتير صفة ملازمة لجميع الأديان ويرتبط في فكر التنوير مع الكلمات الكفاحية المركزية: "الخرافة" و "الحماس الأهوج"  Schw?rmerei  و "التعصب".
"الحماس الأهوج" يسم حالة من الجنون الديني ولكنه يمكن له أيضاً أن يعني طاقة وهم متصاعدة مرضية. وفولتير يستهدف بالمفهوم "التعصب" الذي هو بالنسبة إليه مرادف لمفهوم "الاعتقاد الخرافي" ظلامية الكنيسة الكاثوليكية غير المنورة قبل كل شيء. لايبنتس اعتبر الاعتماد على الدليل الحسي المباشر بدون وساطة العقل "تعصباً"- فالتعصب إذاً يدلنا على نقص في التعقل.
وعبر تطبيق هذه المفاهيم على الإسلام حددت طبيعته  كنوع من التفكير المضاد للتفكير التنويري.
ويطرح السؤال نفسه: كيف أمكن أن يكون للإسلام تقييمات مختلفة كهذه- دين للتعقل من جهة وخرافة وتعصب من جهة أخرى. إن تشكل طريقتين متناقضتين في النظر إلى الإسلام قد يكون مرتبطاً بميلين للفكر التنويري يبدو أيضاً أنهما أيضاً متناقضان. من جهة كان ثمة استعداد لاكتشاف عناصر قرابة  في "الآخر" وهو ميل  للقرن الثامن عشر  يطلق عليه سعيد وصف "التماهي الخفي" sympathetische Identifikation وميل من هذه الميول يعبر عنه القول إن موهبة التعقل هي خاصية في كل البشر. وهذا الاستعداد نتج عنه الانفتاح على الأديان و الثقافات الأخرى.
من جهة أخرى يتبدى الميل لتصنيف الشعوب والبشر ونسبة صفات مميزة لهم- وبالتالي هي وجهة نظر جوهرانيةEssentialistisch.
 عمانوئيل كانط (1724-1804) يعيد الفروق بين الشعوب إلى مسببات متعددة مثل المناخ والهواء والتغذية (وبالمثل هردر Herder). ولكن العلامات المميزة الخارجية تعيد أيضاً إلى استعدادات نفسية وخواص طبعية ثم هرمية ترتبط مع هذا: "عرق البيض" يحتل المكان الأعلى بعيداً عن "الهنود الصفر" و بعيداً جداً عن "الزنوج". وهذه الهرمية ترى أيضاً عند عرض حال المسلمين حيث يضاف هنا إلى كونهم "عرقاً آخر" مثل- اليهود- كونهم من عقيدة أخرى. المسلمون موجودون قبل كل شيء في الشرق وبالتالي في بلدان حارة ومناخهم بالتالي ليس بلا تأثير على طبعهم (القومي): وفيما يتعلق بالعرب يمنحون بالتوافق مع المناخ الصحراوي "قوة توهّم حارة"، وهي صفة تلون بالطبع دينهم الذي يوصم بالخرافة والتعصب. وهكذا يرى كانط في "الطبع القومي" للعرب قرابة حميمة مع "الأخّاذ Wunderbar" (يقصد بالعرب بدون ذكر هذا صراحة المسلمون حصراً بينما يعتم على المسيحيين واليهود العرب)، وبالنسبة إليه أيضاً فإن الإسلام يمكن استعماله كمثال على التعصب: في حالة الإسلام يصبح من الواضح إلى أين يمكن للتعصب أن يقود: "إن الطبيعة البشرية لا تعرف عملاً أخطر]من التعصب/الحماس الأهوج   [عندما يكون ظهور مثل هذا جديداً (...) تتسامح حتى الدولة أحياناً مع أنواع المجذوبية. إن الحماس الأهوج يقود المتحمس إلى الحد الأقصى، ماهومت إلى عرش الأمراء و يوهان فون لايدن Johann von Leyden إلى منصة الإعدام".
إن صورة الإسلام كتعصب وحماس أهوج تلعب بالطبع دوراً مهماً في تأكيد المرء لنفسه أنه عقلاني ومتطور عقلياً عن طريق نسبة الخرافة واللاعقلانية إلى "الآخرين".

III الإسلام كدين متعقل:

إن النظرة للإسلام كتعصب كانت معروفة للسنغ من خلال فولتير. لكنه هو نفسه عبر عن الموضوع بشكل مختلف تماماً. إننا نجد أولاً بضعة تصريحات عن المسلمين في جريدة أعلن فيها عن ترجمته الخاصة لكتاب ماريني Marigny "تاريخ العرب في عصر الخلفاء" (1752-1753): وهو يعيد  إلى الإنجازات الثقافية والتاريخية للعرب والمسلمين: "منذ سقوط الإمبراطورية الرومانية لا يستحق  تاريخ شعب مفرد ان يكون مشهوراً اكثر من تاريخ العرب المسلمين سواءً باعتبار حجم البشر الذين شهدوا حالة نهضة في ظل سلطتهم أم بالنظر إلى العلوم والفنون التي شهدت لقرون كاملة التقدم الأجمل عند شعب ما، ذلك الشعب الذي تعده أحكامنا المسبقة شعباً بربرياً".
ويشدد لسنغ علاوة على ذلك على أن التاريخ الإسلامي هو مهم وقادر على التعليم بنفس درجة التاريخ الروماني أو اليوناني. وبصورة مثيرة للاهتمام يتكلم بالارتباط مع المسلمين ومنجزاتهم في العلوم عن "فكر تنويري": "إن بداية حقبة مهمة كهذه للفهم البشري الذي بدأ ينور فجأةً عند شعوب محاربة غير مهذبة  بحيث أنها في وقت قصير أبرزت علماء كثيرين كأبطال لا يمكن أن تقرأ إلا بمتعة كبيرة".
وهنا يصبح من الجلي أن لسنغ افترض عند جمهور قرائه عدداً كبيراً من الأحكام المسبقة التي أراد أن يكتب ضدها. لقد كان واعياً لكون المسلمين ينظر إليهم على أنهم "برابرة"، و أراد من خلال المعلومات عن تاريخهم أن يظهر أن هذه الحكام المسبقة غير محقة.
 وفي عام 1754 يعرب لسنغ عن رأيه  للمرة الأولى في كتابة خاصة به عن الإسلام اسمها "إنقاذ هيرونيموس كردانوس Die Rettung des Hieronymus Cardanus".
كردانوس عالم شمولي من علماء عصر النهضة كان قد نشر عام 1550 كتاباً جعل فيه عابداً للأصنام  ويهودياً ومسيحياً ومسلماً يتجادلون حول مسألة ما هو الدين الصحيح. وفي النهاية ينتصر طبعاً المسيحي وهذا ما لم يعجب لسنغ بتاتاً. وهو يتهم كردانوس بأنه لم يتصرف بصورة مستقيمة مع الأديان الأخرى  وبالذات مع الإسلام، و أنه كان عليه أن يعالج الإسلام بصورة صحيحة قبل أن يتولى أمر مقارنة الأديان هذه. بعد هذا يتولى لسنغ امر القيام بمقارنته الخاصة للأديان، ويترك مسلماً يعرض الإسلام كالتالي:
"ألق نظرة على قانونه  ]محمد[، ماذا تجد فيه مما لا يتطابق بكل صرامة مع العقل؟ نحن نؤمن بإله أوحد، نؤمن بثواب وعقاب قادمين يصيبنا أحدهما لا محالة بحسب أعمالنا. نحن نؤمن بهذا أو بالأحرى، ]... [ نحن مقتنعون بهذا وليس بأي شيء آخر".
وعن المسيحية يقول مسلم لسنغ: "هذا ]...[  الذي يدعوه المسيحي دينه هو فوضى من التعاليم لن يعترف بها أي عقل سليم". وبهذا يشرع لسنغ بالهجوم: إن الإسلام هو دفعة واحدة دين عقلي والمسيحية تعليم يطلب من البشر أن يؤمنوا بأشياء لا عقلية. وبعد أن يكمل المسلم حديثه لا يتكلم المسيحي أبداً، ويبقى السؤال عن الدين الصحيح مفتوحاً كلياًً فجأة، وهذا هو بالضبط ما أراد لسنغ الوصول إليه. إنه يعرض الإسلام ديناً هو بشكل خاص عقلاني لكي يهز اليقين المسيحي بامتلاك الحقيقة.
وفي هذا السياق تجب ملاحظة التالي: في عرض لسنغ للإسلام تجري مساواة مع "الديانة الطبيعية" لمذهب التأليه السببي Deismus. لقد أريد بالبناء الذهني Konstrukt للدين الطبيعي أن يكون محاولة لملاءمة التعليم المسيحي مع النموذج الفكري للعقلانية وفيه يتم التخلص من فكرة الوحي. المؤلهون السببيون آمنوا بإله لكن ليس بوحي محدد، و إنما هم طوروا ديناً "طبيعياً".
وهذا الدين المفروض أنه يستطيع الاستغناء عن الوحي حيث أن الإنسان لوحده مستنداً إلى عقله قادر في رأيهم أن يتعرف على الله و أن يتصرف بشكل أخلاقي.
ومعرفة الله والسلوك الصحيح أخلاقياً هما النقطتان المركزيتان في الدين الطبيعي وهما أيضاً اللتان يدعوهما لسنغ بالإسلاميتين إذا أراد أن يصف الإسلام: "نحن نؤمن بإله أوحد، نؤمن بثواب وعقاب قادمين يصيبنا أحدهما لا محالة بحسب أعمالنا"  
وبعرضه للإسلام كدين طبيعي يريد لسنغ الوصول إلى هدف مزدوج: إنه يريد من جهة أن يوقظ الشك في اليقين المسيحي بامتلاك الحقيقة ويحث بهذا على التفكير، وقد نتج عن تعاليم التأليه السببي نقد للكتاب المقدس وللكنيسة، وهذه الدفعة النقدية القوية تلقاها لسنغ وهو يقدم الإسلام كدين طبيعي تعاليمه قائمة على أساس عقلي بدلاً من الوحي. ومن جهة أخرى هو يهاجم التقييم السلبي للإسلام المنتشر منذ قرون. إن العملية التي يطبقها يمكن للمرء أن يسميها "رفع القيمة الاستراتيجي strategesche Aufwertung" (كوشل Kuschel): عبر انتقاء واع ومحسوب توضع  في المام الجوانب المقيمة إيجابياً لكي يصبح من الممكن إصدار حكم أعدل. إن جانب العدالة هو أيضاً مكون جوهري من مفهوم لسنغ للتسامح.

IV دور الإسلام في المداولات حول التسامح:

في الفكر التنويري جاءت بعد النظرة البراغماتية الخالصة للتسامح نظرة مضمونية، ومن المتوجب علينا على كل حال أن نأخذ بعين الاعتبار أن هذا التحول كان منحصراً بالأحرى في دائرة صغيرة من الفلاسفة والعلماء. وما كان مفهوماً على وجه العموم من "التسامح"  يوضحه بصورة جلية القاموس العام لتسدلر Zedlers Universal Lexicon الصادر عام 1745: ليس التسامح "[...]  شيئاً آخر غير أن يحاول المرء التعامل مع الآخر بروح سلمية و أن لا يمنع أحد غيره حقوقه الطبيعية وأن يتولى المرء بكل لطف دحض الآراء الخاطئة التي تقال على منابر الوعظ، والتي يكتبها القائمون على هذه المنابر، و أن يجتهد المرء بكل تواضع وتعقل لتعليم غيره ما هو أفضل.[...]"   
إن التسامح يخدم هنا في نهاية الأمر غرض التبشير،  وإنه لمن السهل أن نلمس أن هذا الفهم للتسامح بعيد كل البعد عن لسنغ، فما كان يهم لسنغ لم يكن ببساطة "التحمل" وهذا يعني سلوكاً تكتيكياً خالصاً، و إنما كان يهتم بإيجاد أساس من نظرية المعرفة لمطلب التسامح. إن الاقتناع بأن البشر لا يستطيعون الوصول إلى الحقيقة المطلقة هو عند لسنغ أمر حاسم الأهمية، وما هو ممكن هو الاقتراب من الحقيقة فقط، وبهذا يصبح مطلب التسامح مؤسساً على نظرية المعرفة من خلال الفرق بين المعرفة المحدودة للبشر والحقيقة المطلقة التي لا يمكن الوصول إليها.
وحيث ان الحقيقة المطلقة يمكن الاقتراب منها فقط يرى لسنغ أن على الإنسان بصورة مضطردة أن يجتهد للوصول على معرفة أعمق. والذي يتوهم في نفسه أنه امتلك الحقيقة يفوت على نفسه إمكانية اقتراب إضافي منها. وهذا الجانب من فهم لسنغ للحقيقة يجد تعبيراً عنه في موضع شهير يكثر الاستشهاد به من كتابه "الرد Duplik" الصادر عام 1778: "إن ما يصنع قيمة الإنسان ليس هو الحقيقة التي يملكها أو يظن أنه يملكها، و إنما الجهد الصادق الذي بذله في الوصول إليها. (...) لو أن الله وضع الحقيقة كلها في يمينه ولم يضع في شماله إلا الدافع الذي يحث دوماً على السعي إلى الحقيقة وحتى لو تضمن هذا أن أظل على الأبد أخطئ ثم قال لي: اختر! لاخترت يسراه وقلت له متوسلاً: أعطني يا أبي! إنما الحقيقة هي لك وحدك!".
بالنسبة للسنغ ليس المؤمن بما لا نؤمن به هو بالضرورة على خطأ. إن من الواجب التسامح معه بسبب الإمكانية الكامنة للحقيقة أو الميل إلى الحقيقة الذي يمتلكه. ومن هنا لا يتحمل لسنغ الرأي المخالف فقط بل يرى في الجدل معه ضرورة لدعم جهود الذات الهادفة إلى الوصول على المعرفة، ولا يكون هذا الموقف ممكناً بدون احترام الآخر والاعتراف به، وهنا يظهر لسنغ تطابقاً في الرأي مع غوته ومبدئه المعروف: "إن التسامح يجب أصلا أن لا يكون موقفاً مؤقتاً فقط، إذ يجب أن يقود إلى الاعتراف. إن التحمل إهانة".
(غوته يفهم هنا التسامح Toleranz بمعناه الحرفي، إذ ان المصدر "tolerare" هو في الأصل مفهوم سلبي يمكن أن يطلق عليه "التحمل" أو "الصبر على الأذى". وعند الحديث لاحقاً عن فهم لسنغ للتسامح فإن المقصود هو طبعاُ شيء آخر: إنه موقف الاعتراف والاحترام).
الإسلام يلعب في تدخل لسنغ لصالح التسامح دوراً مهماً، وهذا ما بدا واضحاً في إعلانه عن كتاب "تاريخ العرب" حين يتصدى للحكم المسبق القائل إن المسلمين برابرة وفي كتابه "إنقاذ هيرونيموس كاردانوس" حيث شدد على توافق الإسلام مع العقل في وجه الرأي الشائع الزاعم أن الإسلام لاعقلاني. وثمة مثال آخر مهم في هذا السياق هو كتابة يقدّم فيها لكتاب "مقتطفات شخص لم يسمّ" الذي هو مقتطفات في نقد الكتاب المقدس والوحي من تأليف هرمان صموئيل رايماروس Hermann Samuel Reimarus. الكتابة اسمها "من آدم نويسرن. بعض الأخبار موثوقة المصدر" Von Adam Neusern. Einige authentische Nachrichten وتاريخها عام 1774، وفيها يقف مؤيداً لإعادة الاعتبار إلى منتم للطائفة اليونيتارية Unitarier (طائفة مسيحية لا تؤمن بالتثليث.م) تحول إلى الإسلام في القرن السادس عشر. آدم نويسرن وصم بخيانة الأمة المسيحية وبأنه امرؤ عديم الأخلاق غارق في الرذيلة لأنه غير دينه وهرب إلى القسطنطينية. وعلى العكس أظهر لسنغ بصورة جلية أن خطوة كهذه يمكن أن تكون على غاية المنطقية بالنسبة إلى يونيتاري إن نظرنا إليها من منظور علم العقيدة.
واهتم لسنغ أيضاً بالفلسفة الإسلامية و أتاح لها أن تحفزه: لقد قرأ الرواية الفلسفية حي بن يقظان لأبي بكر بن طفيل من القرن الثاني عشر والتي صارت معروفة في أوروبا باسم "فلسفة التعلم الذاتي"   Philosophus Autodidactus. وبالتوازي مع هذه الرواية كان ثمة كتابة غير منشورة في حياته "حول نشوء الديانة الموحى بها" Uber die Entstehung der geoffenbarten Religion  وهي كتابة تعود إلى العام 1763. إن التلقي المثمر لعلم كلام الإسلام ولتاريخه يظهر نفسه أخيراً في مسرحية ناثان.

V- ناثان الحكيم ومَثَل الخاتم:

هنا نأتي إلى مسرحية لسنغ التي أيد فيها التسامح كما لم يفعل في أي عمل آخر. وهي مسرحية ناثان الحكيم الصادرة عام 1779.
المكان هو القدس والزمان هو القرن الثاني عشر، زمن الحروب الصليبية وصلاح الدين الذي هو أيضا أهم شخصيات المسرحية، وهو يعرض في المسرحية كحاكم متسامح متنورّ. ناثان هو تاجر يهودي فقد قبل سنين كثيرة كل عائلته في مجزرة معادية للسامية قام بها مسيحيون. ومع ذلك فإنه بمعونة إلهية قادر على أن يتغلب على كراهيته ويتبنى فتاة صغيرة مسيحية اسمه ريشا Recha.
وتبدأ المسرحية بعودة ناثان من سفر فيعلم أن فارس معبد منتم إلى جماعة من الجماعات التي شنت الحروب الصليبية، قد أنقذ ابنته المتبناة من حريق شب في منزله. وفارس المعبد نفسه كان صلاح الدين قبل مدة قصيرة قد عفا عنه فقد كان أسيراً وكان المفروض أن يعدم مثل غيره من فرسان المعبد، ولكن وجهه ذكّر صلاح الدين  بأخيه أسد الذي ذهب إلى أوروبا منذ سنين عديدة وقد مات. فارس المعبد يحب ريشا ويطلب يدها من ناثان، ولكن عند ناثان شك معين ويريد أن يعرف أولاً من هو فارس المعبد بالضبط. وبالفعل يتضح بعد تشابكات كثيرة أن ريشا وفارس المعبد أخوان و أنهما ابن وبنت أخي صلاح الدين. وثمة مشهد كبير للتعارف من جديد وفي النهاية تقف على خشبة المسرح عائلة واحدة كبيرة فيها لا تلعب الاختلافات في الدين أي دور. والتوجيه المعروف الموجه للإخراج في الختام يقول: "تنزل الستارة والجميع يعانق بعضهم بعضاً".
وفي مكان مركزي من المسرحية يقص ناثان مَثَل الخاتم: صلاح الدين يسأله عن الدين الأفضل، ويتملص ناثان من هذا السؤال المفخخ بأقصوصة: كان عند رجل خاتم فيه قوة سحرية "يجعل حامله محبوباً عند الله والناس"، وهذا الخاتم منذ أجيال يتوارث فيعطيه الأب لأحب أبنائه إليه، ولكن الرجل الآن عنده ثلاثة أبناء يحبهم بنفس المقدار وبهذا تنشأ مشكلة. ولهذا هو يكلف من يصنع له خاتمين آخرين مقلدين و يعطي كل واحد من أبنائه خاتماً.
وبعد موت الرجل يبتدئ الشجار طبعاً  حول مسألة ما هو الخاتم/ ما هو الدين الأصلي. ويذهب الأخوة إلى قاض يقرر بداية أنه هو أيضاً لا يستطيع أن يعرف الخاتم الأصلي، وبالتالي الدين الأصلي، فيعطي الأخوة الثلاثة النصيحة التالية: كل واحد منهم يجب أن يؤمن أن خاتمه هو الأصلي، وعلى كل منهم أن يضع الرهان على أن يبرهن أن خاتمه هو الأصلي بأفعاله الخيّرة وسلوكه الحسن. وهو يقول:
ليراهن كل منكم
أن القوة السحرية في خاتمه ستظهر فجأة!
فلتأت هذه القوة مع الرقة
مع الاحتمال الصادق ومع البر
مع الاستسلام العميق لله Mit innigster Ergebenheit in Gott
للمساعدة! وعندما تتبدى القوة السحرية
عند أحفاد أحفادكم:
عندها سأدعوكم عبر آلاف آلاف السنين
مرة أخرى أمام هذا الكرسي حيث سيكون
رجل جالساً على هذا الكرسي هو أحكم
مني وسيتكلم.
إن نصيحة القاضي هذه تتضمن استعارتين من القرآن:
الاستسلام لله: ثمة صيغة مركزية في المسرحية لا نصادفها فقط في نصيحة القاضي ولكن نصادفها في مواقع أخرى و هي صيغة "الاستسلام لله" وعند البحث في صيغ المسرحية وجدت روابط مسيحية ويهودية مع هذه الصيغ، لكن الباحثون اقتضاهم الأمر 217 سنة بالضبط ليكتشفوا أن الاستسلام لله ليس شيئاً آخر غير الترجمة الحرفية للكلمة العربية "إسلام" (فقط عام 1996 وجه الانتباه فريدريش نيفونر Freadrich Niew?hner في مقال في صحيفة فاتس Faz لهذه الحقيقة).
إن هذا الأمر مذهل حيث أنه فقط في التراث الإسلامي توجد هذه الصيغة ومن الممكن البرهان على أن معنى كلمة "إسلام"  كان معروفاً عند لسنغ ففي دفتر ملاحظاته نجد: "الإسلام هو كلمة عربية تعني أن يسلم المرء نفسه للإرادة الإلهية". وكان بإمكان لسنغ أن يقرأ في الكلمة التمهيدية لترجمة سيل للقرآن: "وهذا الدين سماه ]محمد[ باسم الإسلام، وهي كلمة تعني التسليم Resignation أو الخضوع أو الاستسلام لأمر الله وخدمته، وهو اسم [...] الدين المحمدي الأصلي.
وبالتالي يمكن لنا أن ننطلق من أن لسنغ استعمل هذه الكلمة على خلفية المعنى الذي تأخذه في الإسلام.
وفي القرآن أيضاً موازيات للتوصية بالسلوك الحسن بدلاً من  الشجار حول الحقيقة، وللرهان على السلوك الحسن ثمة مواز في القرآن أيضاً، ولم يستغرق الأمر طويلاً حتى اكتشف: ففي عام 1850 يجد القارئ في جريدة "دير شتوتغارتر مورغن بلات فور غبلدته ليزر Der Stuttgarter Morgenblatt für gebildete Leser" النص القصير الذي عنوانه "الفكرة الرئيسية لناثان لسنغ في القرآن". ولكي لا يجد المؤلف (مغفل الاسم) نفسه عرضة للشك بأنه يدافع عن القرآن يصف اولاً بالتفصيل كم هو هذا الكتاب مزعج، ولكن بعدها نجد: "ثمة مواضع قليلة لامعة  [...] ومن أبرزها جزء من الآية 52 من السورة الخامسة حيث نجد بعد كلام شديد الاحترام لشريعة موسى و إنجيل المسيح على لسان الرب ومن ثم على لسان الرسول القول:"   بعد هذا تأتي الآية 48 من سورة المائدة "لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون".
وقالت الجريدة أيضاً: "من لا يتذكر ناثان لسنغ عند قراءة هذا أو على الأقل فكرته الأساسية في نهاية مثل الخاتم؟".
لقد كان لسنغ يستطيع أن يجد أصل مثل الخاتم في الأدب، فقد كان موجوداً عند بوكاشيو Boccaccio أما نصيحة القاضي فهي إضافته الخاصة التي استوحاها من القرآن بشكل واضح:
يقول القرآن: "ولو أراد الله لجعلكم أمة واحدة". فتعدد الأديان هو إرادة الله، مثل تعدد الخواتم التي أرادها الأب- فمن له إذاً الحق في أن يحرم الأديان الأخرى من حق الوجود أو يستطيع تقديم السبب المبرر لذلك؟
وجانب الامتحان مهم أيضاً، والقرآن يقول: "ولكن ليبلوكم فيما آتاكم". بالنسبة للإخوة الثلاثة فإن وجود الخواتم الثلاثة هو اختبار: هل سيتصارعون أم سيعاملون بعضهم معاملة الأخ لأخيه؟ هل سيستحقون محبة أبيهم؟.
وبعد هذا "فاستبقوا الخيرات إلى الله"- وفي نصيحة القاضي: "ليراهن كل منكم-/ أن القوة السحرية في خاتمه/ ستظهر فجأة". فالتسابق على الخير هو السبيل لكي يثبت المرء أن دينه هو الدين الحق. وثمة مثل في الإنجيل أيضاً عن هذا: في الإصحاح السابع من إنجيل متى 20:7 في أثناء الحديث عن التفريق بين الأنبياء الحقيقيين والأنبياء الكذبة: "من ثمارهم تعرفونهم". أن العقيدة الصحيحة تظهر من خلال السلوك الحسن فهذا تعليم أساسي في الإسلام، ففي حديث نبوي مشهور: "الدين معاملة".
وفي النهاية فإن الجواب عن الدين الصحيح موجود في الآخرة: "إلى الله مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون" -"عندها سأدعوكم عبر آلاف آلاف السنين/ مرة أخرى أمام هذا الكرسي حيث سيكون/ رجل جالساً على هذا الكرسي هو أحكم/ مني وسيتكلم".
إن مثل الخاتم لا يدعو بهذا إلى اللامبالاة حيال الأديان كلها. وليس التسامح نتيجة لإفقاد السؤال عن الحقيقة أهميته، فالإخوة لا يطلب منهم إسقاط حقهم في أن يعتقد كل منهم أنه على حق، وعلى العكس فالقاضي يطلب منهم أن يثبت كل منهم على قناعته: "فليؤمن كل واحد أن خاتمه هو الأصلي III,7. ما يطلبه هو التخلي عن الشجار غير المجدي حول الحقيقة وبدلاًً من ذلك إثبات الذات في السلوك العملي.
في ناثان لا تجري المطالبة بالتسامح فقط عند الرجوع بكثرة إلى علم العقيدة الإسلامي واليهودي وإلى التاريخ، وإنما بالأحرى يحقق التسامح بمعنى الاحترام والاعتراف بالآخر على المستوى المضموني. لقد اشتغل لسنغ على عناصر من الأديان التوحيدية الثلاثة ومن المأثورات في مسرحيته، وبالذات من المأثورات اليهودية والإسلامية. (من المعروف أن المسيحية هي الدين الذي يعامل على النحو الأسوأ من قبل شخصية البطريرك).

VI ناثان الحكيم في القرن الحادي والعشرين:

ما الذي تستطيعه مسرحية مثل ناتان أن تقوله اليوم؟ إن رسالة ناثان التي هي قرابة البشر جميعاً عبر الحدود والأديان وإمكانية التفاهم السلمي بينهم كثيراً ما أعلن موتها.
على خلفية تجربة حربين عالميتين والهولوكست والحرب الأهلية في البلقان وأخيراً تجربة إرهاب الإسلامانيين المتطرفين وما أعلن على إثره من "حرب على الإرهاب" شملت إلى الآن بلدين يظهر الاستخلاص أن لسنغ برسالته التسامحية يطلب أشياء أكثر من اللازم، وقد عبر عن هذا مخرج مسرحي أخرج عروضاًً كثيرة لناثان الحكيم حين قال بعد هجمات 11 سبتمبر: "إنه تسامح عظيم ولكنه تسامح لا يمكن أن يعيش. هذه هي المأساة!".
وثمة مشكلة أخرى في استقبال ناثان هي أن مفهوم لسنغ للتسامح همش عبر إساءة الاستعمال العام: "عالم الدراسات الإسلامية نافد كرماني Navid Kermani يقول عن هذا: "إن مفهوم لسنغ للتسامح امتصه في البداية الوعي البرجوازي العادي ولاحقاً امتصته الكنائس بحيث لم يبق منه شيء وفقد كلياً طابعه التحريضي الناقد للتسلط".
لقد فرغ مفهوم التسامح من مضمونه في سياق هذا التطور وابتذل، ومما يعبر عن هذا عرض مسرحية ناثان في جوقة برلين Berliner Ensembel عام 2002.
إن لسنغ في زمنه وضع قبل كل شيء ثقافته المسيحية- الغربية الخاصة أمام المرآة بنيّة نقدية. و "الآخرون"، اليهود والمسلمون، هم في هذه المسرحية مستنيرون ومتسامحون، أي الصورة الإيجابية المعاكسة لثقافته الخاصة.
على العكس من ذلك عرض الجوقة البرلينية الذي يبدو المسلمون فيه كشخصيات شرقية من الحكايات لها مظهر صبياني: بتعبير نقاد الجرائد فإن صلاح الدين "يتقافز هنا وهناك كصبي مغرور مدع زين نفسه بنهايات لحية مدببة" ويتبختر مثل صورة كاريكاتورية شاحبة لقائد يرتدي حذاءين زرقاوين.
على مدخل خشبة المسرح أحضرت رموز للديانات الثلاثة: الصليب للمسيحية ونجمة داوود لليهود والطائرة المدنية للمسلمين. وبينما يظهر المسلمون على الخشبة كشخصيات حكايات شرقية فإن صورة الخشبة تحث المشاهد على تبني صورة للإسلام كدين عنف.
إن عنصرين أساسيين من صورة الإسلام القديمة تظهر بهذا في عباءة جديدة: اللاعقلانية والعنف.
وثمة شيء آخر يلفت الانتباه في هذا الإخراج: في مسرحية لسنغ المتنور ناثان يهودي شرقي، أما في إخراج بيمان Beyman فيظهر أوروبياً ويدخل المسرح في زي غربي. إن تعامل لسنغ النقدي مع ثقافته الخاصة تحول إلى مصادقة على تفوقها الأخلاقي والعقلي.
هذا القلب لقصد لسنغ هو أمر مستهجن يما يكفي لكن ثمة ما يستحق الاستهجان أكثر وهو أنه لم يكد يلفت الانتباه رغم كل النقد الذي وجه للإخراج، فقد أثنت الجرائد على عرض ناثان (تقول جريدة دي فلت Die Welt مقرظة "إنه عرض لامع ويكفي دور البطولة الذي أداه بيترفيتس Peter Fitz (مثقف حربوق بلطافة)).
أما كرماني فقد أوضح إشكالية عرض ناثان هذا بجلاء:
"على حين أن لسنغ كتب ضد لاتسامح الغرب جاء إخراج بيمان ليجعل التسامح أمراً غربياً. فحامله ليس "منهم" كما هو عند لسنغ ولكنه واحد "منا". كل الشخصيات في العرض وضعت في الشرق المدهش ما عدا واحدة فقط ألبست لباساً غربياً مثل لباس الغربي كلاوس بيمان Claus Peyman وهي شخصية ناثان الحكيم. ويمكن للمرء أن يسميه ناثان الأبيض (تلاعب على الألفاظ: "الحكيم" بالألمانيا هو der Weise و"الأبيض" هو der Wei?e .م). وفي جميع الأحوال يمكن للمرء أن يذكر العنصرية القابعة بشكل غير واع في أساس هذا الإخراج.
هل انعدام الإدراك لقصد لسنغ هذا (وهو ليس موجوداً في عرض الجوقة البرلينية فقط) هو أيضاًً عرض من أعراض التميع العام لمفهوم التسامح؟
لقد وصف مفهوم التسامح عند لسنغ بأنه موقف احترام واعتراف: إنه ليس مجرد تحمل لقناعات الآخرين ولكنه تفاعل جاد وبناء معهم، فهل تحقق نماذج التسامح الآن هذا المطلب أم هي لا زالت بعيدة عنه؟ في هذا الموضع تطرح المقارنة بين مفهوم لسنغ للتسامح ونموذج يبدو أنه يلاقي نسبياً موافقة واسعة حالياً نفسها.
الفيلسوف الفرنكفورتي راينر فورست Rainer Forst يدافع عن "مخطط احترام Respekt-Konyeption " يؤسس الاحترام على قاعدة أنه "فضيلة العدالة ومطلب العقل".
وفي هذا النموذج يستند التسامح على "شكل مؤسس أخلاقياً للاحترام المتبادل للأفراد أو المجموعات المتسامحة مع بعضها". إن الاعتراف بالآخر في ذاتيته Eigenheit وغيريته Andersheit  يفهم كإلزام أخلاقي. وبمفهوم الاحترام يتحدد موقف الاعتراف الذي طالب به لسنغ ومن بعده غوته أساساً للتسامح. فهل الأهمية المركزية للاحترام علامة على أن مفهوم لسنغ للتسامح يجد اليوم اعترافاً عاماً؟
إن يورغين هابرماز Jügen Habermas شدد في أحد الخطابات كثيراً على المنافع العملية لوصية التسامح:
"إذا نظرنا للأمر من وجهة وظيفية فإن التسامح الديني عليه أن يستوعب التأثير الاجتماعي الهدام لاختلاف في الآراء ما زال قائماً بلا هدنة. إن الرابطة الاجتماعية التي تربط المؤمنين مع مؤمنين من عقيدة أخرى ومع غير المؤمنين كأعضاء في مجتمع علماني واحد يجب أن لا تتمزق". ("متى يجب علينا أن نكون متسامحين؟" 2002). هدف موقف التسامح هنا هو تأمين السلام الاجتماعي، ولربما كان هذا أيضاً هو كل ما يمكن للمرء أن يطلبه واقعياً أما لسنغ فهو في جميع الأحوال قد ذهب أبعد من ذلك: صحيح أن الجانب الخاص بتأمين السلام الاجتماعي يلعب دوراً عند لسنغ أيضاً (وهكذا يعرقل مطلب التسامح في نصيحة القاضي أيضاًًً أن يتصارع الإخوة) ومع ذلك فإن مفهومه للتسامح يتجاوز هذا فهو لا يعني عند لسنغ السماح بوجود قناعات أخرى فقط ولكنه يعني أيضاً ترك الذات تتفاعل مع هذه القناعات. وبحسب هذا الفهم فإن التسامح هو أساس لتفاعل مثمر مع الأفكار والمفاهيم الأخرى: إن تفهم المنظورات الأخرى يتيح نمو المعرفة وبهذا يمكن للاشتغال بالأديان والثقافات الأخرى أن يقود إلى الاغتناء.
مؤمناً  أن هذا ينطبق على الإسلام أيضاً وقف لسنغ في الفكر التنويري وحيداً. من يرون اليوم في الإسلام إغناء هم أقل من أي وقت مضى، أما وجود عدة ملايين من المسلمين في أوروبا فينظر إليه بالأحرى على أنه مشكلة، وفي هذا الوقت يشكل الإسلام بوضوح التحدي الأكبر أمام التسامح الأوروبي.
في ألمانيا ثمة خلافات دائمة منتظمة في المسائل المتعلقة بممارسة المسلمين لدينهم كمسألة اللحوم المذبوحة وبناء المساجد وارتداء غطاء الرأس. وليس نادراً أن تجتمع في هذه الجدالات كل المخاوف المرتبطة مع وجود لأقلية ينظر إليها بنظرات تتراوح ما بين النظرة إلى "الغريب" والنظرة إلى "الخطر".
وفي فرنسا كما في ألمانيا يتبدى لنا في سياق "الجدال حول غطاء الرأس" الراهن أن الممارسة الاجتماعية والسياسية لا يوجهها مفهوم للتسامح بأنه "احترام"، الأمر الذي كان من شأنه -كما يقول فورست أيضاً -أن يقود إلى التسامح مع غطاء الرأس في المدرسة (وهذا يعني احترامه). وفي الفترة الأخيرة على خلفية العلاقات السياسية يبدو أن ما يدعى مجازاً الصراع الحضاري،الذي لا يتبدى في "الجدال حول غطاء الرأس" فقط، يزداد حدة. إن الإرهاب الذي يزعمون أن دوافعه دينية وتصاعد الصراع في الشرق الأوسط والحديث المستجد عن "الحروب الصليبية"- كل هذا ظواهر حولت "صراع الحضارات" الذي تنبأ به صموئيل هنتنغتون إلى ما يبدو كأنه حقيقة واقعة، وقوت الميل إلى التفكير في الثقافات ككتل قائمة على هويات صافية غير متغيرة. وفقاً لهذه النظرة يقف "الإسلام" و "الغرب" أمام بعضهما أنظمة مغلقة بدون إمكانية للاتفاق. وفي كلا الجانبين يعمل ممثلون لهذه الرؤية للعالم بعناية على الإبقاء على الصورة العدائية للطرف الثاني.
إن التصور القائل بهوية وحيدة البعد و قابلة للفصل الجلي عن سواها لم يتم دحضها فقط بعد أن تطورت العولمة والهجرة و أصبح ينظر إليها على أنها بناء تخيلي، ذلك أن الثقافات خضعت دوماً لعمليات تحول، وتطورت عبر التبادل ثنائي الاتجاه، ولكن الظاهر أن "العودة إلى الوعي" بما هو "خاص" ووضع الحدود له التي تفصله عن الآخر في عصر الحداثة قد أصبح حاجة هدفها ترسيخ اليقين بالهوية التي أصبحت مهتزة. إن هذا البناء الأصولي للهوية هو في التيارات الإسلامانية التي تريد تنقية الإسلام مما هو غريب ظاهرة ملاحظة تماماً كما هو في أجزاء من المجتمعات الغربية التي يقال فيها إن "الثقافة القائدة" يجب أن تحمى من الانهيار.
لقد وقع للسنغ أنه بنى صورة نقيضة لمجتمعه الخاص بشكل مزدوج: عبر تحديده لطبيعة الإسلام كدين للعقل والتسامح من جهة، وعبر الإشارة إلى العناصر اللاعقلانية واللامتسامحة في مجتمعه هو، أي في الثقافة المسيحية الغربية من جهة أخرى. إن راهنية معالجة لسنغ للإسلام تتمثل لهذا قبل كل شيء في نقطتين:
-في الاستعداد لاكتشاف القيم الأساسية ليس فقط في الثقافة الخاصة بل في الثقافات الأخرى أيضاً وبالتالي فهمها بصورة كونية.
-في الاستعداد للنقد الثقافي.
في هذا الموقف يشكل لسنغ قدوة للمسلمين ولغير المسلمين الذين يشترط من أجل أن يقوموا بحوار متكافئ أن يتحرروا من طرق التفكير الجوهرانية، و إن وضع الثنائيات المتنافية أمام بعضها مثل ثنائية الغرب العقلاني مقابل الإسلام اللاعقلاني المتعصب، أو في الجانب الإسلامي وضع ثنائية الإسلام الأخلاقي مقابل ثنائية الغرب اللاأخلاقي يجب أن يحل محله تبصر بالتعقيد والاختلاف في كل ثقافة وفي الدين نفسه.
وعلاوة على ذلك يجب اكتشاف القيم المشتركة العابرة للحدود التي ترسمها اختلافات الدين والثقافة، و أن يتلاقى البشر في المرتبة الأولى لا كمنتمين لأديان مختلفة ولكن كبشر، أو بحسب تعبير ناثان: "هل المسيحي واليهودي هو مسيحي ويهودي / قبل أن يكون إنسانا؟ً" II ,5.




  أرشيف القلم العلمي

اطبع الموضوع  

Home