دراسات هامة

 

الصورة الروائية في سوانح الصمت والسراب لجلول قاسمي

د. جميل حمداوي



الصورة الروائية في سوانح الصمت والسراب لجلول قاسمي

 
الدكتور جميل حمداوي
 كثيرة هي المقاربات والدراسات النقدية التي يكون هاجسها الأول هو التنقيب عن المعنى والرهان واستخلاص الأطروحة وبعدها الإيديولوجي، وتحديد المرامي المرجعية سواء أكانت ذاتية أم موضوعية بكل الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية والثقافية. وقليلا ما تنصت للجوانب البنائية والأسلوبية في علاقتها بالمتن أو النص الروائي. وبهذا يكون للمضمون نصيب أوفر من الدراسة، وبعده يفوز الشكل بحصة تكون أقل منه استقصاء أو مضاهيا له؛ ولكن دون استنطاق فعال لكل العناصر البنائية المولدة للنص، تكوينا وتمطيطا. لذلك آثرنا في هذه الدراسة المتواضعة استجلاء مكونات الصورة الروائية في "سوانح الصمت والسراب" للروائي جلول قاسمي؛ لأن المهم هو التركيز على شكل المضمون أي معرفة الأدوات البنائية التي استخدمها الروائي جلول قاسمي في تحبيك روايته وتشبيك أحداثها وتفصيل بؤرتها السردية وتفضيتها إيقاعا وتركيبا.
 ومن المعروف أن الرواية تصوير باللغة وتشخيص للذات والواقع بأسلوب إيحائي يرتكز على المجاورة والمجاز. وبهذا تكون الصورة الروائية طريقة أسلوبية في تصوير الواقع وتمثيله وتشخيصه، قوامها الخيال والمحاكاة الفنية أو تجاوزها نحو الإبداع والابتكار، أي إن الصورة الروائية هي التعبير الجميل عن الذات في تفاعلها مع الواقع بلغة أسلوبية مشخصة إيحاء وانزياحا وتصويرا، أداتها البلاغة والتخييل، وصيغتها التعبيرية الاسترسال السردي وخلقا.
 ومن الصعب تعريف الصورة بدقة لتداخل الذاتي والموضوعي ، والسردي والبلاغي، واختلاف تجارب التلقي وإعادة الإنتاج، لأن الصورة الروائية " قبل كل ذلك،  تمثل ذهني وتجربة عقلية يتلذذ بها المتلقي المساهم في "فعل القراءة" بدوره الحاسم، وجدله الثري مع خطاطات النص ومظاهره الجزئية وبياناته ومعلوماته وجوانبه المتفاعلة والمنعكسة على بعضها البعض. وحقيقة هذه الصورة، من منظور التلقي، لاتكمن في تشكيل التوافقات بين العناصر، بل في طريقة التشكيل نفسها ومن هنا نرى - يقول الدكتور محمد أنقار- أن كل تحديد صارم للصور الروائية لا يمكن تحققه إلا بالكشف عن مجموع الطرائق التي يمارسها الوعي لتمثل الصور من خلال العناصر الجمالية المقترحة من لدن المبدع في كل متن روائي"(1).
 وعليه، فما هي الصور الروائية التي تنبني عليها رواية " سوانح الصمت والسراب"...؟ وما مكوناتها؟ وما هي وظائفها الدلالية والجمالية والمرجعية؟ هذا ما سنوضحه من خلال المستويات المنهجية التاليــة :

أ- الصور الروائية على مستوى النص الموازي :
 إذا تأملنا صورة العنوان " سوانح الصمت والسراب" لاحظنا تركيبا اسميا في شكل استنتاج قائم على التقرير والإثبات يؤكد فيه الراوي خيبة تجربة الشخصيات المتخيلة في الرواية، وضياعها بين الأوهام والأحلام الزائفة، كما يسجل العنوان اللحظات المريرة التي عايشتها شخصيات الرواية بعد سوانح حلمية براقة انتهت بالعبث اللاجدوى والوقوع في شرك سماسرة السراب وأنياب السلطة بعد الاعتقال والمحاكمة العابثة. وهذه السوانح هي سوانح بحوص والميلود ومعط الله ومحميد وآخرين. هؤلاء الذين لفظتهم تندرارة وفضاؤها المقفر الجدب بشيحه وريحه.
 وتهيمن الأصوات المهموسة ( س، ص، ح، ت) على صورة العنوان، وهذا الهمس إن دل على شيء، فإنما يدل على صمت الشخصيات وحزنها وعبثها وضياعها بين حلم براق وسراب خادع. ويرد العنوان بلاغيا مثل كناية كلية تحيل على ذوبان الشخصيات وتآكلها وضياعها وخيبة صراعها السيزيفي لتحقيق كينونتها ووجودها الاعتباري. وهنا، لابد أن نعود إلى السياق النصي للرواية ككل لتكثيف أحداثها ومعرفة الحبكة السردية المولدة للرواية.
 وعليه، تنطلق الرواية من مصدرين في بناء موضوعها السردي:
         أولا : البحث عن الأدب الشعبي في المنطقة الشرقية من المغرب ونواحيها الصحراوية:
 هذا المصدر هو الذي جعل الشخصية الأساسية في الرواية "بحوص" يتحول إلى براح وقوال يمتلك ناصية الشعر ومدح الأسياد وأهل الجود في المواسم والأفراح ومناسبات الأعراس، ويتمثل نصوص البحث رواية وحفظا وتناصا. ويأخذ بوصية خاله بأن يكون براحا بعد أن سدت في وجهه أبواب الوظيفة. مع العلم أن هذا البراح قضى أربع سنوات في كلية الآداب واستكملها ببحث الإجازة حول الأدب الشعبي ليجد نفسه عاطلا تنهشه الفاقة، ويدغدغه الفقر والضياع واليتم والاغتراب الذاتي والمكاني في فضاء جغرافي لا حياة فيه ولا مستقبل لجفاف طبيعته وندرة موارده.

        ثانيا : رصد الواقع المغربي بصفة عامة، وواقع المنطقة الشرقية بصفة خاصة :
 لقد اشتغل المبدع على تيمة الهجرة السرية وبطالة أصحاب الشواهد العليا الذين ينتهي بهم المآل إلى الهروب من واقعهم الفض نحو آفاق أرحب حيث يحققون طموحاتهم وأحلامهم الوردية.
 ويعني كل هذا أن الخطاب الشعري في الرواية يحيل على البحث في الأدب الشعبي باعتباره مصدرا للرواية وحبكتها؛ كما أن الخطاب السردي يحيل بدوره على الواقع المغربي بكل تناقضاته المفارقة. ومن ثم، يتنازع الرواية ميسمان : الميسم الشاعري والميسم السردي على غرار الروايات الجديدة.
 أما الصورة التشكيلية المرسومة على اللوحة الغلافية الخارجية التي رسمتها الفنانة أسماء الورياشي فتحيل على عالم تجريدي مصبوغ بالسواد لكائنات لا ملامح لها ولا قسمات واضحة. إنها عبارة عن أشباح آدمية ينخرها الحزن والضياع والتيه. وفي الغلاف الخارجي نجد كلمات تشكل صورة البؤرة. وقد اختارها الكاتب لأهميتها في تبئير الأحداث؛ ولكونها أيضا تشكل حدثا نوويا في الرواية. إذ تشير هذه الكلمات إلى سماسرة السراب والأوهام الذين يستغلون الضعفاء والفقراء والعاطلين . وبذلك تكون الرواية صراعا جدليا بين الذوات المعدمة المنهوكة والذوات المستغلة، أو بين الفاعل الساذج والفاعل الماكر.
 وفي صورة الإهداء، يحضر الميثاق العاطفي الأمومي بين المهدي (الراوي) والمهدي إليه ( الأم) متخذا صيغة مأساوية مرتكزها الحزن والرثاء والعزاء. ويحيل "القبر" و" بني مطهر" و "العراء" و"المفرد" على عالم الضياع والوحدة والموت والفقدان الوجودي وعلاقة الإهداء بالمتن الروائي علاقة صوت طبيعي حقيقي بموت خيالي مجازي. ويتقاطع الإهداء والمتن كذلك في الضياع والفقدان والصمت والاندثار الكينوني.
ب - الصور الروائية على مستوى متن النص الروائي :
 تحضر في البداية أمامنا صورة الشخصية، وهي صورة بحوص "البراح" أو " القوال" الذي تخرج من الجامعة عاطلا، وله اطلاع كبير على الأدب الشعبي وأعلامه في منطقة المغرب الشرقي. وقد جرب التهريب و"التبراح"؛ ولكن لم ينجح فيهما. فقرر الهجرة إلى ما وراء البحار. بيد أن سماسرة السراب أوقعوه في شرك البحر وسجون السلطة. إنها صورة مثقف عاجز عن تغيير واقعه المقفر لذلك آثر الهروب؛ فكان جزاؤه المحاسبة والاعتقال.
 وبناء على ما سبق، نعتبر "بحوص" شخصية إشكالية تعاني تمزقا بين الذات والموضوع، كما أنها شخصية غير منجزة وعادية. أفعالها سلبية تضعف أمام لغة التغيير والفعل الإيجابي. وتركن في الأخير إلى زاوية الصمت والأحلام الزائفة الوردية؛ لتتلذذ بالإخفاق والإحباط على غرار الشخصيات الرئيسية المهزومة في معظم الروايات العربية (روايات عبد الرحمن مجيد الربيعي، روايات عز الدين التازي، روايات عمرو القاضي، رواية أوراق لعبد الله العروي...).
 وتبرز لنا الرواية صورا أخرى لشخصيات مقهورة وشخصيات متسلطة مستغلة وشخصيات مهمشة ساذجة وشخصيات واعية حالمة. تشكل هذه الصور عالما من الشخصيات المتناقضة والمتناطحة في آرائها ومواقفها الإيديولوجية والوجودية. كما تحضر نساء عابثة، ونساء أخرى حجبتها الرواية وراء الكواليس السردية وما بين السطور.
 وعلى الرغم من واقعية الرواية، فإن شخصياتها وجودية تبحث عن كينونتها ووجودها الاعتباري وتتصارع ضد الفقر والتهميش، كما تتصارع ضد الوسطاء والمستغلين. بيد أن هذا الصراع ستنطفئ ذبالته بالهروب وترك الظهرة ينهرها الاستغلال والجدب والموت.
 وتحضر كذلك صورة اسم العلم الذي يحدد هوية الشخصيات ويبرز دلالاتها وأبعادها الوظيفية في الرواية. فنجد مجموعة من الأسماء مثل بحوص وعبد المنان الكريمي وصهيب عبد المنان وسهى بن عطا الله محميد ومعط لله والميلود ووردية والجيبة...
 ويلاحظ على هذه الأسماء العلمية خاصية المفارقة والسخرية. إذ يهيمن المكون الديني على معجم الأعلام، فيظهر لنا السارد في جوهر الموصوف صفات الكرم والجود والعطاء والجمال الوردي، بينما واقع هذه الشخصيات ينافي هذه الصفات أو يسخر منها مفارقة وعدما. وما الغرض من لغة التشخيص والتخييل في المسميات الكنائية وأسماء الأعلام إلا الإحالة على العبثية والضياع وتناقض الذات والفعل في تفاعلها مع الواقع: إيجابا وسلبا.
 وإذا انتقلنا إلى صورة الفضاء فإنها تذكرنا برواية "النهايات" لعبد الرحمن منيف. إذ تنقل لنا الرواية فضاء الجدب والقفر والموت الذي يتشكل في الظهرية وتندرارة وفضاء بني مطهر. ويعرف هذا الفضاء القاسي بفضاء "الشيح والريح" أو بالمغرب غير النافع حيث تموت فيه الحياة، ويغرب فيه الأمل، وتشح الطبيعة بقطرها، وتنعكس صفحتها الدامية على الإنسان "الظهراوي" لتشكله كائنا بشريا متقلب المزاج، متناقض المواقف والمشاعر.
 يقول الراوي واصفا فضاء الأحداث : "في الظهرة يتمدد المكان يبحث عن وجوده في اللامكان... وأي مكان إلا ذلك الاستفهام القاسي الذي يلهب ذويه مع القيوظ النازلة من السماء والصاعدة من الأرض بغير تملي طلعة كل منبئ بالجديد... ولا جديد تحت سماء الظهرة اللعينة: سهوب غاضت عنها أسباب الحياة فأضحت تتشح برقع متماوجة من سدر وحلفاء وشيح أجرد، قصير السيقان، كأنه يخشى على نفسه من التطاول فتجثثه الريح الصرصر العاتية التي تسلب الفضاء صمته حينا بعد حين. وعيون ماء عادت على أعقابها متدثرة بالحسرة لترسم على أديم اليابس مربعات بأحجام مختلفة تنداح فيها الأقدام... ليس في فضاء الطراريد إلا لون واحد يلوح كل حين بلباس تتفنن فيه رياح السموم...(1).
 تبين لنا هذه الصورة الفضائية هول المكان ورعبه وخطورته على الإنسان حتى إن الحياة منعدمة فيه بسبب القحط والجدب وانعدام الغيث. ولا يرى سوى رياح السموم تتراقص على هذا الفضاء الواسع الممتد في عريه الصامت. وقد استعمل الكاتب الاستعارة لتشخيص هذا الفضاء وأنسنة قفره الخالي ليرسم لنا فضاء مأساويا يطبعه السواد القاسي.
 وعلى مستوى صورة السارد، يختار الكاتب أن يشرك الراوي مع الشخصية الأساسية في إنجاز الأحداث وأداء الوظائف السردية معتمدا في ذلك على التبئير الداخلي، وتوظيف ضمير المتكلم، ضمير الشهادة والمعايشة والمشاركة الحميمية في صلب الأحداث.
 وتتساوى الشخصية مع الراوي في معرفة الأحداث وسردها. وعلى الرغم من هذه الرؤية الداخلية، فإن الراوي "البراح" ينتقل إلى الرؤية الخارجية والتبئير الصفري لوصف الشخصيات (عبد المنان الكريمي، وردية...)، والأفضية، أو لنقل المشاهد الدرامية مثل مشهد المرأة مع الجمركي الذي أفرغها من سلعها المهربة. وتعد الرؤية الداخلية رؤية الاعتراف والتذكر والاسترجاع والبوح بالحقيقي والخيالي، والإشهاد على صحة التجربة وصدقها مادام قد عايشها الراوي وجربها في أرض الواقع. وهذه الرؤية ملمح من ملامح الرواية الجديدة التي نجدها في الروايات السيكولوجية والأوطبيوغرافية والمنولوجية.
 ويمارس هذا السارد الحاضر في القصة عدة وظائف مثل السرد والتنسيق بين الشخصيات والانتقال بينها بكل حرية لتوزيع لقطاته التصويرية، والشهادة على الأحداث وتبليغها للقارئ وإيصال أطروحته الواقعية بكل حمولاتها الإيديولوجية، ولاسيما أن هذه الرواية تندرج ضمن التيار الواقعي الانتقادي.
 أما فيما يتعلق بصورة الإيقاع، فتتمدد الرواية على إيقاع مسترسل كرونولوجي ينطلق من حاضر السرد نحو مستقبل الخيبة والاعتقال. ويتسم هذا الإيقاع بتسلسل الأحداث وتنامي الوظائف الأساسية والثانوية في إيقاع متموج يعلو تارة، وينخفض تارة أخرى عبر مجموعة من الأحداث الأساسية وهي على المنوال الآتي:
 الدراسة الجامعي ? البطالة  ? التهريب ? التبراح  ? الهجرة غير الشرعية ? المحاكمة والاعتقال.
 وعلى الرغم من امتداد الإيقاع الروائي وتسلسله الزمني والسردي، فإنه يتقطع إلى حلقات مستقلة، إذ يلتجئ الكاتب إلى استخدام تقنية "التناوب" في تفعيل التماوج السردي وتسيير دفة السرد عن طريق تقديم كل شخصية على حدة ليعود إلى كل واحدة بعد ذلك ليستكمل مواصفاتها ووظائفها على الطريقة المعروفة في الروايات الكلاسيكية. وهذا التقطيع الإيقاعي ليس مرده فقط إلى طريقة التناوب في استحضار الشخصيات والأفضية ورسمها، بل يعود كذلك إلى انحراف الإيقاع إلى الماضي في إطار "فلاش باك" قريب أو استشراف مستقبلي قريب كذلك. وهذا ما جعل إيقاع الرواية وجيزا لا يطول كثيرا ولا يعرف الإسهاب والامتداد الطولي الذي نجده لدى كتاب الرواية الواقعية أمثال بلزاك وفلوبر وستندال وإميل زولا ونجيب محفوظ وعبد الكريم غلاب ومبارك ربيع...
 ويعني هذا أن إيقاع الرواية مكثف زمنيا وسرديا بلوحات وصفية وشاعرية مختصرة كأنها لقطات فيلم سينمائي يتحرك بسرعة ويخفف على القارئ متعة القراءة ومتابعة النص الروائي.
 ويقترب إيقاع الرواية من إيقاع الرواية الواقعية الكلاسيكية الذي يصدر عن بداية يتم فيها استحضار الشخصيات والأحداث والأفضية وتقديمها، ثم تعلو الأمواج السردية لتعمق الحبكة السردية في إيقاع اللاتوازن لتنتهي بنهاية قد تكون توازنا إيجابيا أو لا توازنا. وهذا ما نلمحه في رواية جلول قاسمي التي اتخذت نهجا كلاسيكيا عندما أفصح في البداية عن إطار الرواية الفضائي والشخوصي : " أصبت في مقتلي يوم نمي إلى مسمعي ما نمي، في يوم معلوم، في تاريخ معلوم، في مكان معلوم، من الجنوب الشرقي، لمغرب يسعى حثيثا، ليبنى مساحاته الأولى من صرح دولة الحق"(1).
 وتنتقل الرواية إلى تشبيك عقدة الشخصية الرئيسية وهي العطالة والفشل في التهريب و"التبراح" بعد أن حرم من عشيقته الأطلسية "وردية"، فتختار في الأخير الهروب إلى ما وراء البحار، لتنتهي الرواية بوقوع الشخصيات المغرر بها لسذاجتها في فخ المحاكمة والاعتقال والعودة من جديد إلى نقطة الصفر. وهذا ما يجعل بناء الرواية بناء دائريا أو حلزونيا يبدأ بصمت البطالة والفقر لينتهي إلى المصير ذاته بفضاضة أكثر وتقريع أشد. ويعني هذا أن إيقاع الرواية يرسم صورة عبثية لشخصية غارقة حتى أنفها تتلاطمها الأمواج مدا وجزرا تتلذذ بسوانح وردية تنجذب إلى الماضي تارة، وإلى المستقبل تارة أخرى. ويسم هذا الإيقاع روح اليأس والعذاب البشري والضياع الإنساني وتآكل الفرد في شراك الفخوخ البشرية والطبيعية والوجودية لترسم مصيره المأساوي إلى حين فقدانه وموته صمتا وسرابا.
 وإذا انتقلنا إلى صورة الوصف التي ركز فيها المبدع على رسم الشخصيات والأفضية، فإنها صورة تشخيصية حية بالحركة تارة، والصمت تارة أخرى، ويسمها الإيجاز والتكثيف وعدم الاستقصاء والتفصيل كما نجد في روايات فلوبير وبلزاك إنه وصف موجز على غرار الوصف في الروايات الجديدة التي تعوضه باللقطات السردية والإيقاع الإنشائي الشعري. وهذا ما نجده واضحا في رواية "سوانح الصمت والسراب" إذ يتخذ "الوصف" طابعا سرديا وطابعا شعريا فتتقاطع بذلك الوظيفتان : الشعرية والروائية، وتتداخل المجاورة مع المشابهة لتحولا النص إلى رواية شعرية.
 وتتمثل آليات الوصف عند جلول قاسمي في استخدام الصفات والأحوال والاستعارات والتشابيه والمحاكاة الساخرة والمفارقة التعبيرية: "لم نتوهم إلا ما سولت لنا البطون الجائعة في فيافي النجود المتراميات، التي نضدت عليها السماء رهبة الخوف وحازت في الأولين والآخرين سرابيل من ضنك جحيم"(1) وتبلغ صورة الوصف قمتها التصويرية وروعتها الفنية عندما تلتجئ إلى السخرية: " براحكم أنا يا سادتي ... براح مع درجة الشرف، وشهادة علمية سميت منذ القديم إجازة... كان شيوخ العلم، إذا رضوا عن مستعلم قالوا: "أنت مجاز" أو " أجزناك" فاذهب فأنت حر لوجه الله أو لوجه العلم !".
 فيضرب المستجاز في المتاهة، تارة يركب ظهر بغلة وأخرى يتمطق فوق حمار، حاملا فوق كتفين معقوفتين ورأسا مملوءا وجيوبا مثقوبة وعباءة أضحت مثل جلد المركوب من الوعثاء وروث المركوب... حولوا على عهدنا الكلم عن مواضعه فأضحى المسميان كلاهما في عباءة وعقال..."(1).
 وقد يلتجئ الكاتب إلى توظيف التوازي والإيقاع الصوتي والتجانس الحرفي لخلق مفارقة وضيعة: " بحوص، يا سليط اللسان وحاد السنان، خلت سنانك، فراعك الوهم وأحال سنانك سؤالا حارقا يشوي أيامك المترعة بالانذهال... حلمك أن تصبح مواطنا صالحا، يتبخر مع آخر نسيمات الصباح، أصيلانا تعود وحدك تخب في أرومة تجود بأكثر من براح... تمني نفسك مقارعة الأخطبوط... أنت محض سراب..."(2).
 وباستقراء مجمل الصور الوصفية في الرواية نجد أنفسنا أمام خطابات روائية متعددة وثرية مثل الخطاب السردي، والخطاب الشاعري، والخطاب الحلمي، والخطاب الفانطاستيكي. وهذا ما يقرب الرواية من النصوص الروائية الجديدة على الرغم من حبكتها الواقعية الانتقادية البسيطة، وتقليدية هيكلتها السردية.
 ويلاحظ على الصورة الوصفية عند جلول قاسمي أنها لا تقف عند قسمات الصورة الوصفية التقليدية التي تهتم بالملامح الخارجية والنفسية والأخلاقية، بل هي صورة سريعة مشخصة بلغة التصوير المفارقة أو تلتقط ماهو أدق في الموصوف بإيجاز واختصار دون الاهتمام بتفاصيل الموصوف واستقصاء ملامحه الأساسية والثانوية والفرعية. أي إن الكاتب يقف عند الملامح الكبرى المحددة للشخصية والقواسم النفسية التي تطبعها بشكل عام دون الإسهاب في تاريخ الشخصية ومنشئها وطبيعتها على طريقة المدرسة الطبيعية عند زولا أو الواقعية عند بلزاك. وهنا يلتقي مبدعنا مع الرواية الجديدة في القفز على الوصف والتركيز على نفسيات الشخصيات في عموميتها دون الخوض في تفاصيلها.
 أما فيما يتعلق بصورة المستنسخ، فيبدو الكاتب ذا حمولة ثقافية واعية، إذ يستخدم التناص بكل مكوناته الاقتباسية والتضمينية لبناء نصه الروائي وتعضيد حبكته السردية: امتصاصا وحوارا وتناسلا. وإلى جانب المصدرين السابقين للمادة الإبداعية ( بحث حول الأدب الشعبي للركادة، وتحقيق حول الواقع المغربي)، نجد مستنسخات نصية أخرى ذات مرجعيات متعددة كالمستنسخ الأدبي ( أبو العتاهية، طرفة بن العبد، المتنبي، الشنفرى، أبو نواس، أبو العلاء المعري، الأعشى...)، والمستنسخ الديني ( عاد، سجدا، وبكيا، حمالة الحطب، الطوفان، في جعبتك تلقف ما جمعوا...)، والمستنسخ الشعبي ( رقصة الركادة، في خاطر لخواطر، البراح، عبد الله المكانة، أحمد ليو، ميمون سويس...)، والمستنسخ السياسي ( ميزانية البنتاغون، البرلمان، مكيافلي، الانتخابات...)، والمستنسخ الأسطوري (ربابة أورفيوس...) والمستنسخ اللغوي (قلت: "جربت لعبة الاقتناص حتى قنصوني فصرت مقنصا ومقتنصا كما المرأة السليطة")، والمستنسخ التعليمي (الصرار والنملة...)، والمستنسخ الفانطاستيكي (الأخطبوط، الأشباح، الجنيات،...)، والمستنسخ الصوفي (الحضرة، الاسم الأعظم، مجذوب، أعز ما يطلبه الملهوف...).
 وتنم كل هذه المستنسخات عن لغة السخرية والباروديا والتهجين والمفارقة والتهكم من الواقع المتعفن والانتقاد للكائن والسائد واستشراف الممكن الأفضل، والعزف على سمفونية حقوق الإنسان وحرية الفرد وحقه في الوجود والكينونة الحق والكرامة المصانة، ويمكن إدراج هذا التوظيف للمستنسخ النصي في إطار الرواية الجديدة على مستوى الملامح الروائية ليس إلا؛ لأن التركيبة المهيمنة على الرواية تركيبة كلاسيكية شكلا وصياغة ووظيفة. وهذا لا يضر الرواية في شيء؛ لأن المهم هو التشغيل الفني الجيد للحبكة السردية ومدى انفتاح المبدع على التقنيات الرواية الممكنة التي تسمح له بالتعبير عن كل طواعية وطبع، وألا يكون ذلك فقط تطبيقا وفيا لتقنيات ووصفات النقد السردي المعاصر؛ لكي ينال رضاه وثناء مدحه وإشادته. فكم من نصوص روائية جديدة تدعي التجريب والحداثة كانت دون مستوى الجودة الفنية والتلقي وجمالية التقبل! وكم من نصوص كلاسيكية ما زالت تؤثر على القراء وخالدة بروعتها السردية وجماليتها الفنية الساحرة، وتضاهي إلى حد الآن أحدث النصوص الروائية التي تتبجح بالحداثة والانزياح السردي!
 وتحضر صورة اللغة والأسلوب بكل طاقتها التعبيرية في الرواية، لأن الكاتب ينوع في السجلات اللغوية فلا يكتفي باللغة السردية التقريرية المباشرة التي نجدها عند كتاب الرواية الواقعية الكلاسيكية مثل بلزاك وفلوبير وزولا وستندال ونجيب محفوظ ومبارك ربيع وعبد الكريم غلاب، بل يستعمل لغة شاعرية إنشائية قائمة على الإيحاء والانزياح والترميز. ويتعدى ذلك إلى توظيف لغة تناصية تستند إلى تشغيل المستنسخ والتضمين لخلق نصوص تتقاطع وتتناسل مع بعضها البعض. ويهجن المبدع لغة الفصحى بلغة الواقع الشعبي بعاميته البسيطة للاقتراب من نثرية الواقع وطبقاته الدنيا لخلق تلاحم بين النخبة المثقفة والفئات الشعبية المقهورة للتحالف ضد الوسطاء وسماسرة السياسة وبائعي الأحلام والسوانح الوردية للسذج من الناس الذين انقطعت عنهم سبل الحياة والعيش الكريم. وهذا التهجين اللغوي ميسم يطبع الرواية الكلاسيكية والرواية الجديدة معا؛ ولكن مبدعنا طعم هذا التهجين بلغة المستنسخ الذهني ليحول النص من متعة إنشائية "حافية" إلى متعة إبداعية ذهنية دسمة بالمعطى الثقافي وتعدد الأساليب اللغوية، فمن الأسلوب المباشر إلى الأسلوب غير المباشر والأسلوب غير المباشر الحر؛ ولكن يبقى السرد أوالأسلوب غير المباشر هو الطاغي على النص. وهذا ما يوقع الرواية في إيقاع المنولوجية والصوت الواحد والسارد الأحادي المطلق والرؤية الذاتية للراوي على غرار سلطة السارد في التبئير الصفري عند فلوبير وموباسان وبلزاك. بينما تدعو بيانات النقد الروائي الجديد إلى خلق نص بوليفوني يعتمد على الحوار وتعدد الشخصيات وجدلية المواقف وعدم تدخل السارد، وتنويع الضمائر والاطروحات والمنظورات؛ ويبقى القارئ هو الحكم في التعليق وترجيح كفة الشخصيات واختيار الأطروحة المناسبة والمواقف الوجيهة.
 وإلى جانب هذه الأساليب السردية، تتخلل الرواية أساليب أخرى كالأسلوب الشاعري والأسلوب التناصي والأسلوب الحلمي والأسلوب الفانطاستيكي والأسلوب المباشر الواقعي...
 هذا، وإن الكاتب يوظف لغة الشارع بشكل قدحي لإثارة السخرية والتهكم ونقد الواقع. كما يستعمل لغة لا أخلاقية قوامها الإضمار والإيحاء مراعيا إلى حد ما مشاعر القارئ؛ ولكن في بعض الأحيان يسقط في البوح والجهر والإسفاف في التصريح بهذه اللغة المنحطة التي يراد منها التجريح والسب وخلق المفارقة والتشويه الكاركاتوري؛ ولكن الواقعية - مهما كانت درجتها في المحاكاة - لا ينبغي لها أن تصل إلى هذه الدرجة من الإباحية اللغوية الممقوتة ذوقا وأخلاقا كما في هذه المقاطع التي تزخر بسماجة الألفاظ وسوقيتها وتنافرها مع الذوق الأخلاقي أو الأدبي العام. مع العلم، أن المبدع لا يريد سوى أن ينقل لنا كل ما يراه ويسمعه في الواقع بصورة أمينة ومباشرة وأكثر صدقا وموضوعية " في إحدى المساءات قالت "الجيبة" قيدومتنا في نبرة فيها مرارة وأسى : هذه الحرفة لم تعد توكل خبزا .. المؤنثون الذين يلعبون أدوارا معكوسة... حولوا الأنظار عن مهنة الفحول إلى غيرها..." ولعلي فهمت قصدها فأردفت " نحن نمارسها للرجال ذوي "الشلاغيم" الذين يحملون تحتهم هراوات، يدكون بها فروجا، ولا يشقون أدبارا. لا لهؤلاء الذين يعكسون الشرائع، ويقبلون السنن، لأنهم وجدوا ضالتهم في المرضى والمعقدين نفسيا"(1).
 وفي مكان آخر يحضر مقطع لغوي فاحش بهذه الصيغة السردية : "عرفتني وردية احتراما حقيقيا. قالت غير ما مرة : " هذه الحرفة لا تصلح لك ولا تصلح لها. إنها أنت رجل "قاري" قلت : " حتى ولو حولت القاف خاء، فإني لن أتزحزح... سأبقى كما أنا وسيان عندي الحرفان كلاهما"(2).
 وفي مقطع آخر يقول الراوي بعد تجربة جنسية عابثة وخليعة: "قالت: خنصرك الصغير قلم يسجل ذكرى هذا الأمر العاثر"(1).
 ونجد كذلك هذا النص "صاح صوت من الخارج : " لا تنطق بالحديث الشريف وأنت مخمور أيها الحمار" لم يبال المتحدث في غمرة انسطاله وانبطاحه قال : " أنا مرفوع ... سير...ت ..."(2).
  وهكذا، تتبين لنا لغة الفحش والدناءة والدعارة على غرار لغة محمد شكري في "الخبز الحافي" ورواياته الشبقية والوردية الأخرى، أو كلغة الطيب صالح في "موسم الهجرة إلى الشمال"، أو كلغة ألبرتو مورافيا في رواياته البونوغرافية، ولكن بمستوى أقل إباحية وسوقية لدى كاتب "السوانح...".
 وفيما يخص التصوير البلاغي، تضم الرواية عدة صور تعزف على إيقاع المشابهة أو المجاورة أو الرؤيا الشاعرية أو التناقض كخلق صور روائية إيجابية وشاعرية ترسم المصير المجهول للشخصيات ووجودها العبثي الذي تنهشه الفضاضة والسوداوية والصمت الحالك والسراب الزائف. ومن بين الصور الروائية التي تحضنها رواية "سوانح الصمت والسراب" نجد صورة المبالغة كما في المثال التالي : " أما القرش الأعظم ... البارون الحربائي، فقد أكل تعب الليالي الملاح... لقد عرف كيف يستنزف منا كنايات الأوهام .."(3).
 وتحضر صورة التشبيه لترسم ملامح الشخصيات وتبين مظاهرها وتحدد قسماتها السلبية أو الإيجابية: " لا أريد أن انتهي مثل بعوضة في جوف القرشيات التي تتحسس الأصوات المتطامنة معولة على فخذ بحوص الضامرة مثل خيط... هل أقول بجسمي نحولا، لولا هذا الهذر ما كنت لأرى...." (1).
 تصور لنا هذه الصورة التشبيهية مدى دقة هيئة بحوص ونحالته المفرطة في النحالة بسبب جدب القفر وضحالة المكان، وتحضر البعوضة لتحيل على قزمية الشخصية وهشاشتها في مواجهة الصعاب والمخاطرة. وهذا التمثيل في غاية تقبيح المشبه والحط به لتبيان عجز الشخصية عن التغيير واستكمال برنامجها السردي وتحقيقه على أحسن وجه. ويعني هذا أن بحوص شخصية تنقصها البطولة والفعل الملحمي والمغامرة الإيجابية في تغيير الأشياء لحسابها.
 وترد صورة التدرج كذلك لتكميم الأشخاص والأشياء في سموها وانحطاطها : " الغرفة صغيرة أيها الملاعين لا تسع ستة طلاب فبالأحرى جيشا من أمثالكم..."(2). وصورة الإحالة أو الكناية : " نحن نمارسها للرجال ذوي "الشلاغيم" الذين يحملون تحتهم هراوات، يدكون بها فروجا، ولا يشقون أدبارا"(3).
 وتحيل هذه الصورة على مفارقة بين فحولة ذكورية وفحولة لواطية أشبه بالمسخ والتشويه البشري. وهنا يلتجئ إلى الصورة الكنائية للإضمار والإخفاء مخافة من شفافية اللغة ووضوح التواصل السردي الفاضح.
 وتنكشف صورة التوازي في الرواية عن تتابع الإيقاع وتجانس الأصوات وتماثل الصيغ السردية والصرفية والتركيبية التي تخلق خطابا شاعريا وإيحاء انزياحيا يحمل في طياته وظيفة شعرية جمالية تتكئ على المشابهة ونبرية التكرار واللغة وسجع الإيقاعات التعبيرية والصوتية: "بحوص يا أرعن، يا ابن الأرعن، صاحب صنعة تجلب البلايا وتكثر الرزايا، وتجنب المزايا، لا تنكأ جروحك بالتذكر، تدثر بالتسلي وادع ربك دون الجهر من القول... لا تمن نفسك بأكثر من هذا، قد تغيب بسمتك ولا يفتر ثغرك إلا عن ضحكة بلهاء..."(1).
وتحاول هذه الصورة الإيقاعية وغيرها من الصور في الرواية أن تتمثل وتحاكي الجملة القرآنية في سجعها ونبرها لشعرنة السرد على غرار المحكي الشاعري الذي نظر له الناقد الفرنسي "جان إيف تاديي" في كتابه المعروف " المحكي الشاعري"(2)؛ إذ "يستعمل متخيل الرواية شخصيات لها قصة تجري في مكان أو عدة أماكن؛ ولكنه في الوقت نفسه يستعمل طرائق السرد التي تعود إلى الشعر. إن هناك صراعا ثابتا بين الوظيفة المرجعية، بمهامها الاستدعائية والتمثيلية، والوظيفة الشعرية التي تثير الانتباه إلى شكل المرسلة نفسها"(3).
وتأتي صورة التضمين أو الاقتباس بطريقة تناصية أو بطريقة مباشرة تنبني على المحاكاة والنقل الحرفي لتعضيد المسرود وتأكيده إحالة ودعما وشهادة: "غناء الرجال تصادى مع غناء النسوة المنطلق في فضاءات متوسطية، رددت ذات مساء أصواتا تلهج أن: " أقيموا بني أمي صدور رحالكم... وانشروا في الآفاق بأنا قوم تقطعت بنا السبل..." لا غناء ولا مكاء ينجي من عاقبة المصير... رددوا بصوت جهير : " عاج الشقي على رسم يسائله"(1).
وتحيل هذه الصورة الروائية على مستوى التلقي الذهني على صعلكة الشنفرى ومغامرات أبي نواس الخمرية، وبهذا تجتمع الصعلكة الشعرية مع خمرة العبث والانتشاء الوجودي لتغرق سمفونية الضياع والهباء والفراغ الوجودي لهذه الشخصيات المقهورة في الرواية والمرصودة من خلال صورة الالتفات وتنوع الضمائر وسوداوية الوصف والإيقاع الجنائزي الحزين.
أما صورة الاستعارة فتهيمن على الخطاب الشاعري في الرواية وتنسج نسق دلالاته الرمزية والإيحائية إلى درجة تشتبك فيها الاستعارات المجازية مع السرد ويستحيل فرزها من شدة التداخل والتقاطع فيترتب عن ذلك تحول السرد إلى الشعر والشعر إلى سرد. وهذا ما يسمى بالمحكي الشاعري - Le récit poétique- وسنكتفي بمثال واحد من هذه الصور الاستعارية التي من الصعب حصرها وعدها لكثرتها، مما يجعل هذا النص الروائي نصا إنشائيا بيانيا في قمة الشاعرية والغنائية السردية : " وردت أركمان بعد الظهر بساعتين. مهزولا أتنعم الفاتنة، مترعا بالسخافة والانذهال... أتملى سماطها الأرجواني يلف حواشي المتوسط، على طول الجزء الجنوبي المتاخم " لجرف الروم"، حتى " الجزيرة الصغرى" يسلم قيادة لأمر الريح تسربله بنعومة بداية صيف جميل.
هي عتمة ساحرة تندغم أصداؤها حين تلامس هسيس نباتات " الملاح" الذي يزحف بأعراقه فيسلح على البنايات البيضاء، الفخمة. يداعب جذورها رويدا رويدا كلما أوغل البحر فمد شطآنه، فلاطفت الأبواب... دور جميلة تنبت كل صبيحة بعيدا عن التلصص والبصبصة وقريبا من لغة مألوفة لدى أهل الاختصاص... تتربص للشاطئ العاري. فتزحف كالفطريات على البقع المتبقية التي يزجي فيها من كلفوا ذلك لحظات هاربة من عمر الأوان..."(1).
ويستعمل الكاتب صورة الاستعارة أثناء الوصف والتخييل السردي وخلق المجاز والانزياح عن المحاكاة وخرقها وتصوير الأشياء وتجسيدها وتأثيث الأفضية وأنسنتها وتشخيص الجماد وتأنيث الأمكنة أو السخرية من الشخصيات.
ويشغل الكاتب صورة التعويـــض la périphrase لإزالـة الإبهــام وتوضيح المكنى عنه وإبراز الواضح من الغامض وتبئيره. بيد أن هذه الصورة لا ترد إلا في سياق التهكم والمفارقة الساخرة : " ألزمني المشرف على مضض، وقال : " ألا تشتغل حول موضوع مشهور عندكم ؟" قلت : عن أي موضوع مشهور تتحدث يا دكتور ؟ " علق في لهجة تقدح سعادة : " في الحفلات عندكم هنا في المغرب الشرقي... حفلات الشيوخ، أقصد، كما تسمونها، شاهدت شخصا يقطع الغناء، ويقول كلاما جميلا كالشعر، ويناوله المكرمون قدرا لا بأس به من المال..." قال ذلك متعجبا كأنه سيحقق فتحا علميا على حسابي الشخصي. قلت : " هل تقصد البراح؟" ... هو ذاك... هو ذاك ... التبراح أحسنت، اشتغل واجمع الأشعار، ورتبها حسب حروف المعجم، وستدخل التاريخ من باب الواسع"(1).
وتهيمن صورة السخرية والمفارقة على معظم تعابير الرواية سردا وشعرا لتنسج عالما متناقضا وساخرا تختلط فيه القيم والمبادئ : " أصبحت بالممارسة أعرف بنات الهوى وضحاياه واحدة واحدة... بصيغة أخرى تحولت إلى ديوث مع مرتبة الشرف... إذا سألت عني واحدة من بنات الطوبية 1 أو الطوبية 2 أعطوك نعتي... عشت اختراق الخطوط الحمراء والسوداء"(2).
وفي مكان آخر يقول السارد ساخرا من طالب الإجازة في الآداب :
" فيضرب المستجاز في المتاهة، تارة يركب ظهر بغلة وأخرى يتمطق فوق حمار حاملا فوقه كتفين معقوفتين ورأسا مملوءا وجيوبا مثقوبة، وعباءة أضحت مثل جلد المركزوب من الوعثاء وروث المركوب.. حولوا على عهدنا الكلم عن مواضعه فأضحى المسميان كلاما في عـباءة وعقـــال...(3).
ويوظف الكاتب صورة النقيضة في روايته لاستجلاء التناقضات والصراع الجدلي واختلاف النمواقف والمنظورات : " فكان ما كان ودخلت تاريخ الحرفة من أوسع الأبواب. فأصبحت بعدها مداحا للمناسبات ... كنت بصيغة أو بأخرى أقلد دور الأعشى، هو كان يخفض أقواما ويرفع بلسانه آخرين... يصدع بحمقه على رؤوس الخلق ولا يبالي أما أنا فإن بليتي أشد نكيرا من سيرة الأعشى التي عرفت عنها ما عرفت في الكتب دون المعرفة العيانية بصاحبها..."(1).
يقابل الراوي في هذه الصورة بينه وبين الأعشى الذي حظي بمكانة كبيرة وحظوة عالية لدى ممدوحيه، ويحظى بسلطة شعرية كبرى في الرفع بالناس أو الحط بهم؛ وهذا ما لا يتوفر للشاعر المقهور الذي يفقد الصلات والعلاقات الحميمية بالكبار؛ فعلاقته لا تتعدى بنات الهوى وبعض سماسرة الأوهام. كما ترد في الرواية أيضا صور التعجيب والتغريب الدالة على تداخل الواقع واللاواقع، والحقيقة والخيال، وصراع الطبيعي وفوق الطبيعي، وتأكيد غرابة المألوف وهول الواقع وفضاضته المقيتة : " انتفض معط الله، قائلا : " أقسم أنني رأيت جنبا حقيقيا منذ أسبوع ... رأيت امرأة ... سبحانه الخالق : شعر طويل أفحم ووجه مدور أبيض وعينان كبيرتان وقد ممشوق... ولكن الغريب أن رجليها رجلا بقرة..."(2).

ج- الصورة الروائية على مستوى المناص :
 يمكن اعتبار "سوانح الصمت والسراب" تكملة للرواية الأولى "سيرة للعته والجنون"، في إطارها الواقعي الانتقادي الساخر، وامتدادا لفضائها المقفر (الجنوب الشرقي للمغرب)، والتركيز على الشخوص الهامشية المتناقضة المهضومة الحقوق، والبحث عن أحلام وردية لإثبات الذات والكينونة الوجودية. فهناك، إذاً، تلاقح بين صورتي الروايتين على مستوى الحبكة السردية وتفاصيلها الكلاسيكية. وتبدو الرواية الثانية أكثر جودة وإبداعا من الرواية الأولى، حيث يتخلص الكاتب إلى درجة كبيرة من التقرير الريبورتاجي الجاف والتناول المباشر للحبكة السردية بتوظيف المحكي الشاعري وتنويع صوره الروائية وأساليبه السردية.
 وإذا كانت الصورة الروائية في النص الأول تهيمن عليها صورة الوثيقة والتبئير السردي المباشر، فإن الصورة الروائية في النص الثاني هي صورة المحكي الشاعري الذي يتقاطع فيه الشاعري مع السردي، وصورة المشابهة مع صورة المجاورة.
 وإذا تأملنا كذلك الغلاف الخارجي الخلفي لرواية " سوانح الصمت والسراب"(2) في طبعتها الحقيقية الأولى وجدنا صورا نقدية مناصية تستعمل لغة واصفة لتقويم الرواية وتقييم صاحبها.
 يحتوي هذا الغلاف الخارجي الخلفي - الذي لا تهمنا وظيفته الإشهارية- على ثلاث شهادات ذهنية لرواية " سوانح الصمت والسراب": الأولى لمحمد أقضاض، والثانية لعبد الرحمن بوعلي، والثالثة لأحمد الدويري.
 تعتبر الشهادة الأولى الرواية ذات صورة ساخرة مأساوية إلى العالم، ويعد صـــورة الوصف جامدة بجمود فضاء الصحراء المرصـود فــي الرواية(1).
 أما شهادة الدكتور عبد الرحمن بوعلي فهي شهادة تعريفية بالعمل ومبدعه. وقد منحت جلول قاسمي وسام الكاتب الروائي بامتياز، وإشارة الاعتراف للدخول في حلبة الروائيين المبدعين سواء في المغرب أم في العالم العربي.
      أما الصورة الروائية - حسب الشهادة الثالثة - فهي صورة مفصلة وعميقة للأحداث والشخوص في متن السوانح، كما أنها صورة المستنسخ الشعبي(2).
 وتشتغل رواية "سوانح الصمت والسراب" على تيمة الفقر والضياع، وقد حققت هذه الرواية بعض التجديد على مستوى التصوير اللغوي والوصف الشاعري والتنويع بين السردي والشعري واختراق الواقعي بالعجائبي...(3).
 ونخرج من كل هذه القراءات المناصية أن الصورة الروائية في السوانح هي صورة مأساوية ساخرة عند أقضاض محمد وصورة معمقة ومفصلة للأحداث عند الدكتور عبد الرحمن بوعلي، وصورة الفقر والضياع وخطاب المحكي الشاعري لدى الدكتور أحمد الدويري.
 ونستنتج مما سبق ذكره، أن الصورة الروائية في رواية "سوانح الصمت والسراب" صورة واقعية انتقادية ساخرة قوامها التهجين والباروديا والمفارقة. وتخضع هذه الصور الروائية لتقاطع السردي  والشاعري؛ لذلك تندرج الرواية إلى حد ما ضمن المحكي الشاعري. وتعزف كل الصور الواردة في الرواية على نوتات الضياع والحزن والسواد. وتحمل في طياتها رؤية تراجيدية للعالم ورؤية وجودية أساسها العبث والاستلاب والجحيم.
 وقد اشتغل الكاتب على تيمة البطالة تمطيطا وتوسيعا ونسج لها صورا روائية بصرية ولغوية تمتح متعتها الجمالية من رونق السرد وروعة الشاعري وإيحاء المستنسخات النصية. ولم تكن هذه الصور  الروائية تزينية فحسب، بل كانت صورا انفعالية وتعبيرية حادة في تصوير المأساة وتشخيص المعاناة البشرية والسخرية من الحياة وتأكيد عبثيتها وسأم وجودها. وبالتالي، يخطو جلول قاسمي بهذه الرواية خطوة متقدمة نحو آفاق روائية واسعة. ونعترف بكل صدق بروائيته واقتداره على تسيير دفة الكتابة الروائية بين تموجات وإيقاعات الصورة الروائية. ونتمنى أن  ينوع الكاتب في نصوصه السردية اللاحقة، وأن يختار تيمات إبداعية وسجلات لغوية أخرى، ويبحث عن طرائق سردية تميزه عن باقي الأصوات الروائية الموجودة، وأن يجدد أدواته السردية لخلق حداثة روائية أصيلة. وهذا ما نتوسمه في شخصية المبدع جلول قاسمي الذي سيفاجئنا - وهذا ما لا شك فيه- بنص سيبذل فيه كل طاقته الإبداعية ليكون أكثر حداثة وتجديدا وتأصيلا.

 

 

 


 




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home