مقال

 

حروب في زمن اللاحروب

ثائر الناشف



 حروب في زمن اللاحروب

ثائر الناشف

التصريحات التي تخرج من القيادات الرسمية العربية رداً على التهكمات الغربية في هذا الظرف بالذات من عمر الصراع الدائر في الشرق الأوسط , إضافة إلى البيانات المتكررة التي تعلن عنها القاعدة بين فترة وأخرى, بأن هناك حرباً جديدة تشن على الأمة الإسلامية والعربية فرضها التحالف الصهيوني الأميركي, للنيل من مقدرات الأمة وتمزيقها شر ممزق وتحويلها إلى كانتونات طائفية هزيلة, تحني رؤوسها لحظة ورود الأمر إليها .

عوامل أخرى كثيرة تستحث العقول وتعيدها إلى التفكير مجدداً في ملامح هذه الحروب الطارئة التي يجري التحضير لها , وبغض النظر عن الطرف المنفذ لها , فقد تكون حروب تشنها أطراف بالوكالة عن طرف قوي لا يرغب بتلويث نفسه في الدخول إلى قاع المنطقة , تجنباً من الغرق في مستنقعاتها الموحلة.

إنّ الحرب الدائرة في لبنان والجارية في العراق والمستمرة أبدياً في فلسطين , فتحت شهية النفوس التي عانت مرارة الظلم ونكد الحياة وجورها , هذه المعاناة تمخضت بفعل الظلم الداخلي والهتك اليومي للبقاع الإسلامية شتى , فلم يكن مستغرباً ما تردد عن انضمام الجماعة الإسلامية في مصر إلى تنظيم القاعدة , وهو ما اسماه الرجل الثاني في التنظيم أيمن الظواهري بتحالف المستضعفين , كما أن هذه الحرب الدائرة سارت بعكس ما تشتهيه بعض النفوس , ولا سيما الأنظمة العربية الرافضة لكل أنواع الحروب وألوانها, يبدو أن الأنظمة نجحت في إحكام الأبواب المؤدية إلى الحروب مع أعدائها وأوصدتها جيداً في وجوههم ووجوه شعوبها الثائرة المتعطشة لردع الظالم عن ظلمه الذي تمادى به لأقصى الحدود .

لا شك أننا في زمن غريب الأطوار , المعروف أن جميع الأنظمة في العالم بقديمها وحديثها هي التي تحرّض شعوبها على حمل السلاح لخوض المعارك , الواضح أن السحر انقلب على الساحر , وأصبحت الشعوب وخصوصاً شعوبنا العربية هي التي تدعو أنظمتها بالعودة إلى رشد أجدادها الأغيار الذين ما برحوا عن القتال لبرهة واحدة , فكيف الحال الآن والأرض تستباح والشعوب تقتل بالمئات وتشرد بالآلاف ؟ ربما لزلزلوا الأرض من تحت أقدام حفدتهم الأغرار , قد يقول قائل إن زمن الأمس ذهب إلى غير رجعة, وأننا في زمن اليوم , زمن القوى العظمى التي لا حد لها .

المثير للاستغراب أن كلاماً جرى تداوله على الألسن مؤخراً , مفاده أن حرباً صليبية جديدة يعتزم الرئيس الفرنسي جاك شيراك شنها على سورية , هذا ما كشف عنه الكاتب الفرنسي خوسيه غارسون في مقال له بصحيفة ليبراسيون الفرنسية تحت عنوان صفعة للرئيس شيراك , يمكن تفسير هذا الكلام حسب الموقف الفرنسي الأخير من سياسة النظام السوري في لبنان , فالاختلاف والتباعد واضح بين القيادتين الفرنسية والسورية , برغم ذلك لا يرقى هذا التباين في وجهات النظر لاندلاع حرب جديدة وبمسمى أكثر رمزيةً (صليبية) ونتيجة الحرية المتاحة في الإعلام الفرنسي يستطيع أي كاتب أن ينتقد مواقف الحكومة بما في ذلك الرئيس ذاته , بعكس الإعلام السوري الملتزم بقضايا الأمة ونضالها في الوحدة وإقامة المجتمع العربي الموحد , نتفق بأن هناك حرباً من تحت الطاولة بين أي نظامين متخاصمين سياسياً , فإذا كان أحدهما غربياً والآخر عربياً , فالأجدر بالطرف  العربي أن ينسحب من هذه الحرب تحاشياً من الهزيمة المرتقبة .

لا سبيل أمام الأنظمة العربية إن رغبت بالدخول في ميدان الحرب تحقيقاً لشعاراتها في التحرر ودحر الغزاة الطامعين , إلا بالاستعانة بمقاتليها القابعين في الجبال والوديان , فهم أكثر تفهماً منها في إدارة دفة الحرب المسماة بالحرب الصليبية الجديدة .

 

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home