تحقيقات صحفية

 

 القاص سمير الفيل في حوار مفتوح مع الأقلاميين



 القاص سمير الفيل في حوار مفتوح مع الأقلاميين

-الأدب أدب سواء نشر على الورق او احتل شاشة صغيرة.
-القصة كأي نص أدبي تتشكل من وحدة أو وحدات سردية متسقة تقوم بنقل الحدث.
-باعتبار ان الإبداع ذاتي قبل كل شيء ولا يمكن أن نجد تجربتين متشابهتين.
-لاأظن أن أدبنا العربي يعاني من الأزمة في أدب الطفل.
-كل أدب يهتم بالإنسان ، وجوهره ، سيكتب له البقاء.
-لا يمكنني أن أخفي توجسي من هذا الاقتحام المرعب لثقافة الصورة في مقابل ثقافة الكلمة.

* كيف ترى الأدب القصصي في الوقت الراهن، وهل مازال محتفظا بنضارته؟

** ككل شيء في الحياة ، هناك صيرورة للأشياء ، والكائنات ، في الأفكار ، والجماليات . إذا اقتنعنا بهذه الفرضية أمكننا أن نحسم الأمر تماما فنقول أن الكتابة في تحول ، وما كان يقنعني ككاتب من خمسين عاما صار عبئا علي ّ في الوقت الحالي . من هنا يحدث التطور ، وتجري التغيرات : في الانماط ، والأذواق ، وفي خطة الكتابة ذاتها.
في فترة ما كانت النصوص الكلاسيكية هي التي لها الصدارة ، وفي فترة تالية حلقت الرومانسية بالنص عاليا ولم تهبط للأرض إلا قليلا ، ثم في فترة الخمسينيات جاءت الواقعية المحضة فسيطرت على ساحة القص ، وما لبثت الواقعية الاشتراكية ان أزاحتها تماما ، فرضت هيمنتها وهكذا. مدارس عديدة للفن تتخلق ، ثم ينضوي في إهابها كتاب وفنانون ، ولكن دائما ما يوجد من يخرج عن السرب محاولا التفرد والتجاوز ، وهؤلاء هم أصحاب التجارب الطليعية .
أعتقد أن القصة القصيرة العربية بخير ، ربما هناك تصدعات في بعض البنى الجمالية ، وتشقق في الوحدات السردية لدى بعض الكتاب ، غير أنه يمكنك أن تذكر عشر أسماء تقدم ادبا رفيع القيمة له خطابه الواضح الذي لا يعرف المراوغة والمخاتلة . وهذا شيء ضروري وهام لنقول ان الأقلام المجيدة موجودة ، ربما هي غير معروفة ويتم التعنيم عليها . لأسباب ذاتية وأخرى موضوعية تجدها بصعوبة رغم انها نادرة . وهكذا شأن الحياة تعرف التنوع ، كما تعرف التفرد المحدود أيضا.

* الأدب الإلكتروني، هل هو وسيلة للإبداع أم غاية؟

** حسنا . الأدب أدب سواء نشر على الورق او احتل شاشة صغيرة ، ولا يوجد فرق عندي . الشيء المهم أن تكون المادة الأدبية نفسها تشي بإمكانيات فنية عالية ، وبخطاب أدبي ناصع ، وبوجهة نظر وموقف واضح ومعلن من الحياة والأشياء . هذه عتبة أولى.
العتبة الثانية ، أن الكاتب يبحث دائما عن وسائط نشر تضمن لمنتجه الأدبي أن يحظى بالرواج والانتشار . لقد كنت شاعرا وجربت الانتقال بين القرى والعزب والمقاهي وهي وسيلة نشر تبدو بدائية لكنها لا تـُـنسى سواء للشاعر او المتلقي. ثم وجدنا مجلات ودوريات تنشر نصوصنا فرحنا ندعم هذا الاتجاه بقوة ، ولما حان الوقت لتكون لنا كتبنا صممنا على أن تكون نصوصنا منشورة في كتب يمكن ان يجدها القاريء بسهولة .
هناك النشر الألكتروني ، وقد بدأت تجريبه شخصيا منذ ثلاث سنوات ، وهو وسيلة من وسائل النشر ، ولا يمكنني أن أقيس مدى تأثيرها ، ولا أن اقدم تصورا مكتملا لفاعليتها . وإن كانت ثمة دراسات تؤكد أنها قد ضربت التقاليد القديمة للنشر ، وأصبح من اليسير أن تقرأ لأي كاتب في أي مكان في العالم دون أن تكون هناك رقابة فنية أومراجعة دينية أو محظورات اخلاقية .كما انه نشر غير مقنن يمكن أن تتسرب لساحته أقلام مدعية وتحظى برواج زائف .
دعونا ننتظر قليلا ، وسيحسم الأمر ما قلته في البداية من صيرورة الزمن ، ومدى ما للأشياء من وقع الصدق بدون تجميل او تزييف.
 
 


* أنت كتبت شعر العامية المصرية بإجادة، وتكتب القصة والرواية، فهل تشجع على كتابة الرواية والقصة بالعامية؟
وكيف تنظر إلى هذه المسألة؟

سؤال صعب ، لكن لتكن لي شرف المحاولة لعلي أظفر بإحدي الحسنيين. بالفعل لي في مسيرة شعر العامية المصرية خمسة دواوين اولها " الخيول " 1982 وآخرها " نتهجى الوطن في النور " 2000.
وحينما كانت تُخصص ندوة يتيمة بمعرض القاهرة الدولي للكتاب لشعراء العامية كنت أشارك أساتذتي في الالقاء : صلاح جاهين ، وسيد حجاب وعبدالرحمن الأبنودي . وكان معي من جيلي : زين العابدين فؤاد ، عبدالدايم الشاذلي ، صلاح الراوي ، محمد كشيك ، ماجد يوسف ،عمرو حسني وآخرين.
لا توجد قاعدة محددة لكن لدي يقين فني يمكن أن أسرده هنا في عدد من النقاط:
ـ القصة كأي نص أدبي تتشكل من وحدة أو وحدات سردية متسقة تقوم بنقل الحدث وتلعب اللغة عنصرا اساسيا في مسألة التوصيل هذه.
ـ لا يمكن اعتبار التوصيل هو الهدف الوحيد للغة فلها قيمة جمالية أساسية حيث توفر اللغة عبر انساقها المختلفة احتشاد كبير وقوي لكل العناصر الأخرى من ظلال سرد ، وأجواء حكي ، وترديدات أمكنة ، وحقول وصف .
ـ رغم سابق تجربتي في شعر العامية المصرية أميل إلى أن تكون اللغة بالفصحى مع " تطعيمات " محدودة جدا بالعامية التي تشف وتكشف ، ولا تسف . اللغة هنا مكملة للجو السردي وليست بمعزل عن أحوال أبطال النص .
ـ لا أتعمد أن تأتي هذه " التطعيمات " في هذا المكان دون ذاك . أنا أخضع النص كله لذائقة جمالية مدربة تحاول جاهدة ان يكون نصها فعالا متدفقا بماء الحياة . وليس معجميا متحفيا متجمدا . فأنا كاتب ولست عضوا بالمجمع اللغوي المصري أو السوري أو العراقي . أنا مبدع ولدي هاجس الخروج عن السرب بأقل قدر من الخسائر. الخسائر الجمالية أقصد.
ـ مع الحوار تطول الوقفة . أحيانا أميل إلى الحوار العامي أي باللهجة الدارجة المصرية ، وفي احيان اخرى اتجه ليكون الحوار هو الاخر بالفصحى . طيب . ما المعيار أو دليلك ؟
أقول بكل أمانة انني أترك الشخصيالت تتكلم ، وأترك لها فرصة البوح على الورق ، ولا أتدخل إلا في أضيق نطاق.
ـ مرة قابلت شيخنا " يحيى حقي " في مدينتي دمياط ، وكان قادما ليستأجر عشة برأس البر . سألته يا أستاذنا : ما الفارق بين القصة القصيرة والرواية؟
تمهل في رده وكنا نسير بجواره على كورنيش النيل : اسمع يا بني . هذا الباب أمامنا . من ثقب الباب يمكنك أن تختلس النظر لتقع عينك على مشهد محدد يمكنك ان تنقله على الورق . هذه هي القصة القصيرة .
لكنك لو فتحت الباب على اتساعه ، ثم دخلت الحجرة وجلت بها ، ومددت يديك لتفتح الشباب المطل على الحارة . وتصورت أن الميدان القريب هو مجال عملك فأنت مع الرواية .
لما سألته عن اللغة قال ما معناه : اللغة الحية المكتنزة بسحر وخيالات الراهن والتي تنقل لك شحنة المشاعر هي الأقرب للغة القص . لو استقطرتها واختزلتها فأنت أمام لغة قصة قصيرة . لو توسعت فيها واسهبت وولجت لمناطق بعيدة وقصية ، وقريبة في ذات الوقت فأنت مع لغة رواية .
كان هذا هو مجمل كلام صاحب رواية " قنديل أم هاشم " و" خليها على الله " ولنتأمل العناوين .
اللهجة العامية وإن كانت تستهويني في الشعر العامي إلا أنني أفضل الفصحى في السرد . والإشكالية تكمن في الحوار . وحتى الآن لا توجد لدي قاعدة غير الذائقة . والذائقة كما يعرف الجميع متحولة .




* يدعي بعض الناس أن الشعر الى إنقراض في ظل هذه الظروف التي ساوت اليكترونيا بين كل الأشكال ..وجعلتها كلها سردا ذي اشكال متعدده ..وفي ظل التسارع المتزايد لن يبقى مكان سوى للقصة القصيرة أو المايكرو .قصة ..وسنتقرض الرواية وقد تتبعها المسرحيه ..فما رأيكم في هذا الطرح المتشائم ..ومدى قربه من الواقع ...
.دمت سالما غانما ...

* أنا بطبعي شخص متفاءل . وليس لدي أي تحفظات على الكتابة الحقيقية الأصيلة التي تقدم كشوفا جمالية مختلفة ، ولها فضيلة الكشف عن الجوهري والباطني في أعماق الكون ..
أما ما يقال عن انقراض أجناس أدبية بعينها ، وتلاشيها فغير صحيح بالصورة التي يتم بها الطرح .
قلنا في ردنا على سؤال سابق أن العالم ـ وقبل العولمة بقرون ـ في صيرورة ، ربما تسارعت التحولات لكن القيم ثابتة ومستقرة مهما تبدلت الأشكال .
هناك قيم راسخة كقيمة الجمال والخير والعدل ، وهي قيم قد تأخذ لبوسا مختلفة كل فترة زمنية طالت أم قصرت ، لكن لا يمكن أن ينتصر الفن للقبح والظلم والفساد .
الشعر قد يكون في أزمة مرحلية ، لكن الحياة بجفافها وبزحف التصورات المادية عليها لا يمكن الاستغناء عنه كإبداع مواز للحياة بأي شكل . المرأة تهدهد طفلها وتحنو عيه رضيعا بغناء خالص بسيط ينتقل عبر الأجيال . وقد رأيت بنفسي في قرية " عزبة البرج " الصيادين ينشدون أهازيجا ساعة طرح الشباك ولمها : " هيلا هيلا .. صلي ع النبي " . الغناء مندس في قلب الأشياء . كذلك يمكننا ان نقول ان الحكاية ولدت مع ميلاد البشرية . في " الألياذة " و" الأوديسا " ، في الحكايات الطريفة بالعهد القديم . وكذلك في سور معينة من القرآن الكريم ، منها سورة " يوسف " وسورة " الرحمن " التي تهز القلب طربا وجمالا . وفي حياتنا الشعبية لا ينام الطفل قبل أن تقوم أمه بسرد حكاية خرافية أو من منقولات من الذاكرة .
لم تكن لي جدة تحكي أي حكايات . وكذا كانت أمي مشغولة بالبحث لنا عن لقمة عيش نظيفة وحلال. لكنني عرفت السرد من معلم بالمرحلة الأولى كان اسمه رفعت قطارية أطال الله عمره . كان يحكي لنا حكايات لطيفة ويغني معنا ولنا " ذهب الليل .. طلع الفجر .. والعصفور صوصو .. صوصو " . وقد جاء بقفص عصافير ملون وعلقه في سقف الفصل . ما زال أجمل المشاهد في الذاكرة .. بعدها بسنوات عرفنا " علي صلى " وهو مثال كان يصنع تماثيله من الصلصال ويحرق ذلك الصلصال في فرن معدني ، وكنا نساعده في عمله . في فن النحت حكايات : كيف يتشكل بالصلصال وجه آدمي او عصافيرأوكتاكيت بأجنحة طرية . القصة كما سأعرف بعد لها مرونة التشكل الخلاق. نفخة إلهية تسكن اللغة فتحركها ومن جواها ينبعث شيء حميمي بديع.
أكتب حاليا القصة القصيرة ، ولا أميل للقصة القصيرة جدا ، وقد جربتها فبدت لي غير مشبعة . جربتها في " إرتباكات 1، 2 "، وفي " مكابدات " . لكنني ومنذ شهور قليلة شعرت بالحنين للمسرح ، وللحوار الرشيق فكتبت ثلاثة نصوص جديدة .
مع المسرح أنت أمام لغة متحركة تجري على لسان أبطالها . يخيل لي أحيانا وأنا أكتب أنني أتقمص دور شخصية ما وأخرج عن الخطوط المرسومة ، واستدعي "مونولوجات " تكشف عن مأزق الشخصية وانكسارها . التراجيديا فيها سموق وعلو وارتفاع عن الأرضي الوضيع . من قال أن المسرح يموت . ومن بإمكانه ان يدعي أن شكسبير سوف يسدل عنه الستار ؟؟ أو أن روائعه مثل " ماكبث " أو " عطيل " أو " شيلوك " في تاجر البندقية يمكنها أن تتوارى مع الزمن ؟ هذا تصور شبه مستحيل ..
الصحيح أنهاـ أي النصوص ـ قد تقدم برؤى ومعالجات مختلفة لكن المسرح لن يختفي . والرواية قد تتشكل بأقانيم وأنساق مختلفة عن روايات القرون 18 ، و19 ، و20 لكنها ستظل موجودة ومشتبكة مع الواقع. الشيء الحقيقي سيبقى ، والمسألة ليست في الطول أو القصر بل في الحيوية والعنفوان . أسأل نفسي باستمرار : لماذا يبقى شعر فيدريكو جارسيا لوركا ، ولماذا نظل نتغنى ببدر شاكر السياب وهو يهتف بعراقه الجريح ، ولماذا يكون ديوان " أوراق الغرفة رقم 8" لأمل دنقل هو نفس أوراقنا؟ أليس لما نستشعره من ترديدات وجدانية ومن حفر شعوري داخل ذواتنا يفعله الأدب الأصيل ؟
الفن يبحث عن الشخصي جدا ، والذاتي لدرجة التوحد انطلاقا للدخول في قضايا كبيرة . المجرة هي نفسها الذرة . منظومة الحركة والتحول والصيرورة قريبة جدا .
وعلى الكاتب الفاهم أن يدرك أن عليه أن يكتب عما يعرف و ألا يرتمي في أحضان الشائع والمكرور والمألوف وإلا أعاد استنساخ ما تم تدوينه من قبل في عصره أو في عصور سابقة .
 
* هل أنت مع أو ضد الشعر العامي؟

يبدو السؤال بسيطا ، لكنه في طبيعته أشعرني بارتبارك حقيقي .
فأنا مع كل إبداع حقيقي ، ومنحاز لكل كتابة صادقة .
لي في حقل شعر العامية خمسة دواوين هي :

ـ الخيول ـ سبتمبر 1982.
ـ ندهة من ريحة زمان ـ 1991 .
ـ ريحة الحنة ـ 1998 .
ـ نتهجى الوطن في النور ـ أبريل 2000.
ـ سجادة الروح ـ مايو 2000.

إذن فبداياتي مع هذا اللون من الإبداع الأصيل ، ولا يمكنني أن أشعر نحوه إلا بالحب والتقدير .
لقد اتجهت في الآونة الأخيرة للقصة القصيرة والرواية ، ولكنني لا أنقطع عن قراءة بيرم التونسي ، وفؤادحداد ، والأبنودي ، وفؤاد قاعود ، وسيدحجاب ـ أقرب الشعراء إلى نفسي ـ وصلاح جاهين .
واقرأ الأجيال التالية لهم ، ومنهم مجدي نجيب ومحمد كشيك وزكي عمر ، وفؤاد حجاج ، وعبدالدايم الشاذلي وماجد يوسف ، وابراهيم الباني ، ومحمد عبدالقادر . وغيرهم كثيرون.
ومازالت الفرق المسرحية المختلفة تستعين بي في كتابة أشعار المسرحيات الجديدة ، وكان آخرها ما يعرض الآن بعنوان " رحلة حنظلة " عن معالجة درامية قام بها الراحل السوري سعد الله ونوس لنص بيترفايس .


 
ماهو مستقبل الكتاب الورقى فى ظل هذا التقدم الكبير لوسائط المعرفة الدش و الانترنت وغيرها؟؟
 

لا يمكنني أن أخفي توجسي من هذا الاقتحام المرعب لثقافة الصورة في مقابل ثقافة الكلمة .
قبل أكثر من خمس سنوات أقام إقليم القاهرة الكبرى مؤتمرا أدبيا جعل محوره الرئيسي هو " مستقبل ثقافة الكلمة في مواجهة ثقافة الصورة " وكان لي بحث يصب في هذا المجرى .
قلت وما زلت أقول أن التغيرات المتلاحقة تتسم بالرعونة وعدم التخطيط . هناك قفزة معرفية هائلة ، وثمة وسائط حديثة للتقنية أحدثت حالة من الفزع والرعب . هذا بعد أول.
لكن أي مادة فنية أو درامية او تشكيلية لن تستغني يوما عن الكلمة فهي التي تحدد القيمة وتوزع الأدوار ، وتمنح المعنى والقوام والمعيار للصورة . وهذا بعد ثان .
بهذا الفهم لا يمكننا ان نلغي الكلمة ، وندعي ان الوسائط الحديثة كالقنوات التلفزيونية وشبكة الأنترنت وغيرها ستحل محلها .
يمكننا القول أن دور الكلمة سيختلف لكنه لن ينعدم او يتقلص . ككل شيء في الكون هناك منطق للأشياء وصيرورة ، وحكمة الحياة قائمة على التوازن والتساوق ودعم فكرة التقاطع والتحاور . الماء نفسه في تحول ، والمادة التي لا تفنى ولا تستحدث من عدم يمكن أن تفيدنا في هذا الموضوع.
أدعي أن الكتاب الورقي سيبقى وسيشاطره النفوذ الكتاب الرقمي . وستكون للصورة أسبقية ، لكن الكلمة المطبوعة سواء على الورق أو الشاشة ستحافظ على نفوذها .
سيظل العالم وسط هذا الضجيج والعنف والقفز المرعب بحاجة إلى كتابة متوازنة ، وأفكار ناضجة ، ونظريات تحاول فك طلاسم العالم . وكل هذه الأشياء تحتاج للكلمة .
نحن خائفون نسبيا ، لكن الحياة تجدد ذاتها ولو بقينا على أفكارنا ذاتها فسوف نندثر كالديناصورات!
 

دعني أسالك ذلك السؤال التقليدي الذي أسأله للأدباء المشارقة :هل تقرؤؤن ما يكتبه المغاربة؟هل لكم إلمام بالحركة الإبداعية الثرية التي يعيشها المغاربة ؟
* أدعي أنني من قراء الأدب المغاربي سواء المكتوب بالعربية وهو الأهم ، أو المكتوب الفرنسية لكتاب ينتمون للشمال الأفريقي وهو أدب عالمي لا يقل مرتبة عما ننصح القراء المبتدئين باستيعابه

بداية دعني أقول أن الكتاب الذين يمكنك أن تتوقف أمام إنتاجهم في هذه المنطقة الخصبة بالكتابة الناضجة أكثر من أن يتم حصرهم . قرأت أعمال كاتب ياسين ، و محمد ديب ، ومالك حداد ، ولا أنسى رائعته " ليس على رصيف الأزهار من يجيب" ، ومحمود المسعدي ، وقرأنا للأقٌلام التي تلت ذلك ، ومن بينها كتابات محمد شكري ، وبنسالم حميش ، وأحمد المديني " أحتمالات البلد الأزرق " على سبيل المثال. وتوقفنا أمام كتابات الطاهر وطار والطاهر بن جلون ، وكاتب هام التقيت به مرتين في مؤتمر الرواية بالقاهرة ، وهو واسيني الأعرج ،كما التقيت شخصيا بالميلودي شغموم ، وجيلالي خلاص ، وغيرهم واستمعت بشهاداتهم حول فكرة الكتابة .
ولو اعتبرنا المظلة الليبية هي جزء من المغرب فقد فتنت لفترة طويلة وما زلت بالكاتب الهائل ابراهيم الكوني خاصة في " نزيف الحجر "، وتعرفت عليه شخصيا في أول مؤتمر للرواية العربية كما أن صلة صداقة تربطني بعدد من الكتاب الليبيين منهم صالح الكوني وأحمد الفقيه.
لكن دعنا نقول أن الأقلام القصصية والروائية جيدة جدا بالمغرب العربي لكن تحتكر الشهرة أقلام بعينها وهذا يرجع لخلل واضح في أجهزة الإعلام ، ربما الظاهرة الجديرة بالتسجيل هي أن النقد هناك متطور وله لمسة إنسانية تخصه وحده كما نرى عند عدد من النقاد نذكر منهم : الرائد د . محمد برادة صاحب رسالة الدكتوراة المبكرة عن محمد مندور ، سعيد يقطين ، شعيب حليفي صلاح بوجاه ، علي فهمي خشيم ، وآخرين .
لا صحة لمن يقول ان هناك قطيعة بين المشرق والمغرب . فقط سعر الكتاب المغاربي باهظ جدا وهذه نقطة يجب معالجتها وسأضرب مثلا بدار " توبقال " .


رغم مسيرتك الأدبية الثرية ،لماذا لا أجدك معروفا في المغرب العربي،رغم أننا نلتهم كل ما يأتينا من الشرق إلتهاما!!ورغم اننا مطلعون جدا على الأدب المشرقي والعالمي:هل هو تقصير منك في الترويج لنفسك هنا،أم ماذا


* أنا أديب بدأت الكتابة منذ عام 1969 ، وقد أكون غير معروف بالصورة التي تسمح بقرائتي ، والحقيقة أنني لا أريد أن ألقي التبعة على آلية الحركة الثقافية في مصر ، لكن دعني أقول أن الكاتب لكي يعرف على نطاق واسع لابد أن يسكن القاهرة أو يظل بإقليمه على أن يزورها مرة أو مرتين كل شهر ، وهو ما أعتبره غير متاح بالنسبة لي فأنا مدرس ابتدائي ، وأسكن في مدينة صغيرة ، حرفية ، أحبها فعلا هي دمياط ، لا أغادرها إلا نادرا . هذه نقطة أولى .
نقطة أخرى أنني لا أروج كثيرا لكتاباتي ، بل ظللت فترة طويلة لا أنشر ما أكتب ، حتى أن مجموعاتي القصصية الأخيرة نشرت على نفقتي الخاصة ، فلا توجد علاقات قوية بمراكز النشر ، وهو ما أدهش من قرأوا لي مؤخرا فقد تصوروا أن ما قرأوه لابد ان يكون قد لفت انتباه النقاد بالقاهرة ، وروجوا له . صحيح أن دراسات جادة تناولت تجاربي القصصية لكنها كانت اقل من ان تزيح التعتيم على أعمالي .
وقد توالت كثير من الرسائل تطلب مني جهة نشر مجموعاتي فكنت أعتذر فأنا لم انشر أهم أربع مجموعات إلا نشرا الكترونيا محدودا وهذه المجموعات هي " شمال .. يمين " ، " دفتر أحوال " ، " صندل أحمر " و" حد الأفق " .
لقد اكتشفني القاريء العادي والزميل المبدع في نفس الوقت. فحين بدأت النشر على " النت " فوجئت بهذا الإقبال الذي لم أتوقعه ، وتلمست طريقي كي أجود أدواتي لأصبح جديرا بثقة الناس .
كما ترى هناك عنصر عام حاكم هو بعدي عن العاصمة ، وعنصر آخر شخصي هو أنني لم أسع للنشر بصورة واسعة ، والعنصران أديا لما يمكن أن نطلق عليه " التعتيم على الكاتب وليس النص " . لماذا؟ لأن النشر عبر الأنترنت وفر لي جمهورا لم أتوقعه ولم أضعه في حسابي وقت الكتابة ، لكنني ـ وبصورة عمدية ـ لم أحاول أن انخرط في آليات النت كلية ، وأنشر ما يروق لي فقط ، ولا أدخل في جدل واسع إلا حين يستدعى الأمر مع نقادي .
هل ترى أن تقلبك بين مختلف الأجناس الأدبية خدم إبداعك أو حد منه؟وهل من الطبيعي أن تكتب القصة القصيرة والشعر الشعبي وتبدع فيهما معا ؟وهل من صالحك أن تمارس النقد ،وتحاول أن ترسم خطوطا نظرية معينة لفن الأقصوصة وأنت نفسك قصاص؟ألا يعد ذلك مجاولة -لا واعية ربما-
لجر الآخرين ليغترفوا من معينك الخاص الذي يلزمك وحدك!!باعتبار ان الإبداع ذاتي قبل كل شيء ولا يمكن أن نجد تجربتين متشابهتين]


 

* عن مسالة التخصص أظن أنه من المناسب أن أنشر هنا جزءا من سيرتي ليتضح للأصدقاء أن الكتابة هي التي تستدعي نوعها أو" جنسها " . خاصة إذا كنت ومازلت كاتب نصف هاو ونصف محترف.
أنا شاعر عامية بالأساس ، هكذا تم تقديمي للحركة الأدبية منذ سنة 1968 أي كان عمري وقتها 17 سنة، وظللت اكتب في هذا المجال، وتوجت هذا العطاء بجائزة مؤتمر الأدباء الشبان في شعر العامية ديسمبر 1969م عن قصيدة "المطبعة".
وبعد قيام حرب أكتوبر بعام أعلنت منظمة الشباب عن مسابقة في القصة القصيرة ، فكتبت أول أعمالي القصصية وهي " في البدء كانت طيبة" وهي تعالج فكرة الحرب بمقارنة وقائع القتال الحادث على جبهة القناة بما ورد في التاريخ الفرعوني من هجوم الهكسوس وإقامة عاصمتهم في "أواريس"، وقد استعنت يومها بالبرديات الفرعونية التي وجدت ترجمتها بالعربية في كتاب العلامة الدكتور سليم حسن "مصر القديمة"، وفوجئت بالقصة تفوز بالجائزة الأولى على مستوى مصر متقدما على مئات الأعمال لكتاب متمرسين في القصة، وعزز نشرها في مجلة "صباح الخير" من هواجسي بشأن إمكانية كتابة النص السردي، وهو ما حدث في العام التالي مباشرة مع فوز قصة " كيف يحارب الجندي بلاخوذة ؟" بالجائزة الأولى، ونشرتها في مجلة "الشباب" التي كان يشرف على الباب الأدبي بها الشاعر الكبير والإنسان العذب سيد حجاب، هنا تزايدت طموحاتي السردية، وإن ظللت ارتعد خوفا من الإمساك بي متلبسا بالولوج كاملا في محراب القص من لدى من صنفوني واستراحوا لهذا التصنيف.
كانت المصادفة الثانية السارة تأكيد إبداعي بأحقيتي في المغامرة بالدخول مجال السرد مع فوز "العصا والخوذة" بجائزة مديرية ثقافة القاهرة 1976م، لكنني بقيت طويلا مصنفا كشاعر عامية رغم ما اقتنصته من جوائز أولى في القصة قوميا ومحليا.
بعد عدة سنوات كتبت مخطوطة روايتي الأولى "رجال وشظايا"، وقد حصلت على نفس النجاح لكنها لم تصدر إلا بعد فترة طويلة من الكتابة ومع صدورها تم اعتمادي كروائي، وتزايدت الدراسات حول هذا العمل ،وشملته رسائل دكتوراه ، وواكب ذلك الدور العظيم الذي قام به أستاذنا الدكتور عبد القادر القط حين احتفى بأعمالي في مجلة " إبداع " ولا أنسى دور الروائي إبراهيم عبد المجيد الذي حمل نص "الساتر" مخطوطا من "الثقافة الجديدة" إلى "إبداع" ليقرأه عدد أكبر من القراء رغم انه لم يكن يعرف عني أي شيء .
هذه السيرة والتي اقتطعتها من حديث أجرى معي لموقع " الرسالة" أدونه هنا كي أقول وجهة نظري بإيجاز شديد : أنا أدعي انه لا توجد حوائط اسمنتية بين أجناس الأدب . لكن هناك شرطان لجودة ما تكتب :
أولا : أن تكون مخلصا تمام الإخلاص لشروط العمل الفني الذي تكتب به، وأن تحاول دائما أن تتجاوز ما سبقته من كتابة.
الثاني : أن تتوسل بالصدق الفني حالة اندماجك في فترات الإبداع.
منذ حوالي خمس سنوات تفرغت للسرد كلية ، لكنني لا أفوت فرصة كي ألقي فيها أشعاري القديمة . كذلك فإن الفرق المسرحية المحترفة تستعين بي في كتابة أغاني وأشعار المسرحيات الجديدة ، وقد تعاونت مع عدد من ابرز مخرجي الثقافة منهم سعد أردش ، محمد توفيق ،فوزي سراج ، ناصر عبدالمنعم ، والأخير فاز بجائزة الإخراج في مهرجان المسرح التجريبي . في دمي تدمدم الفنون ، ولا يوجد من يمنعني أو يحظر تجوالي ، لكن صدقني رغم ما حققته من نجاح نسبي في القصة القصيرة فأنا أحب المسرح أكثر ، وفي العيد الصغير ـ الماضي ـ كتبت ثلاث مسرحيات متتالية أعتقد أنها إضافات نوعية للمسرح العربي ، او هذا ما اظنه .

* نأتي للنقد التطبيقي . أذكر أن أول محاولة جادة كانت دراسة للشاعر الراحل أمل دنقل ، فأنا ممن يحبون إسهاماته شديدة العذوبة والجمال والمحملة بخطاب سياسي ناصع وصادم ، وفي مرة كتبت مقالا طويلا بعنوان " النيل في شعر أمل دنقل " ولما وقع في يد الدكتور عبدالقادر القط قال لم سلمه له وهو صديقي المخرج المسرحي محمد الشربيني : هذا ناقد جاد.
لكنني لم أقع في شرك النقد كلية ، ولا أمارسه بانتظام ، واعرف أن النقد يحتاج لعقل واع ، وفكر يقظ ، فيما الكتابة الإبداعية تحتاج إلى بعض الفوضى وقليل من الجنون ـ الفني طبعا ـ وهو ما وعيته ، ولذا أقدم على مقاربات نقدية في أوقات " خلو الدور " الإبداعي فقط.
شيء آخر أود قوله ، وهو أن الرؤى التي يقدمها القاريء العادي قد تكون أكثر جدوى بالنسبة لي ككاتب من اللغة المقعرة ، الصعبة ، المتعالية التي تكتظ بالجداول والإحصاءات لنقاد متمرسين " يفقعون مرارتي " من صعوبة كتابتهم وبعدها عن النص او تعاليها على حد سواء .
ما رأيك بالقول بأن فن القصة القصيرة يمر بأزمة كما هو الحال مع الشعر العربي؟
.
·       
* القصة القصيرة جدا لا تشبعني ككاتب ، وهنا أتحدث عن تجربتي الشخصية معها ، بالرغم من كتابتي لنصوص قصيرة في عدد من التجارب منها " احتمالات الحب " و" تلويحات الورد " ، وهي قد حازت نجاحا معقولا إلا أنني لم أتخل فيها أبدا عن عمود السرد.
القصة القصيرة جدا ـ وهذا من أسرارها ـ تحتاج لحرفة عالية ، ولدربة في كيفية التقاط اللحظة ومعالجتها ، والتكثيف الشديد الذي يعني اللمحة المبهرة ،كما تحتاج على توفيق غير محدودفي ( القفلة ) ، وأنا استعير هنا مصطلح موسيقي صرف ! لذا أراها فنا صعبا جدا .
لكنها لا تشبعني شخصيا لمزاج خاص وليس كقاعدة أطلقها على أعمال زملاء لي ، فهناك تجارب رائعة تستحق القراءة والتوقف . شيء أساسي أتوقعه في مثل هذه التجارب ان تكون النصوص قادرة على استدعاء لحظات حميمية من حياتنا ، وألا تلقي بنفسها في أحضان الشعر ، لأن لكل جنس أدبي قدراته الحيوية ، ومجاله المغناطيسي الذي يجذب الانتباه.
     
هناك انطباعً أقرأه في الكثير من التعليقات حول القصص القصيرة جداً والذي يطلق عليه البعض "القصة الومضة" يعطيها الكثير من التقدير، وتعلو وتيرة الإطراء كلما اختزل الكاتب من عدد أسطر القصة وكلماتها مع قدرته المحافظة على روحها.
والسؤال هو بصفتك خبيراً وناقداً: هل أنك أنت بشخصك لا تجد نفسك في هذا النوع من الكتابة؟ أم أنك تعتبره بشكل عام أقل عطاء وتعبيراً ممّا نراه في القصة القصيرة العادية؟
 


* عن القصة الومضة والتي هي سطور قليلة . قرأتها ، وحاولت أن استوعبها ، ووجدت كتابا يقضون حياتهم في إنتاجها . وهي ككل فن جديد بحاجة إلى المعيارية والتساوق مع تجارب الحياة . وفي ظني أنه فن اكثر صعوبة. يحتاج إلى تخطيط معجز حتى يمكن أن تلمح القصص، او توميء من بعيد.
لم اقترب لهذا النوع من القص لكنني طالما أحب المغامرة فسوف أسهم في تحرير ذائقتي الاعتيادية ، والولوج لهذا النوع من الكتابة . وربما أحقق جديدا !
بصفتك رئيس تحرير مجلة "رواد" التي تصدر عن قصر ثقافة دمياط والتي نشرت بين ملفاتها ملف "ضد التطبيع 26 " فما هو موقفك من التطبيع ضد العدو الصهيوني، وهل كان لك مساهمات أدبية في هذا المجال؟
ثالثاً: بما أنك شاركت في حوارات مع أدباء ومثقّفين غرب ومستشرقين، ما هو انطباعك عن مثل هذه الحوارات؟ وما هي الإضافة التي تتركها على شخص الكاتب؟
* بالنسبة لموضوع التطبيع فقد مستني القضية شخصيا حيث غبت في رحلة عمل بالخارج ـ خارج الوطن ـ أربع سنوات ، وعدت لأجد قضية مشتعلة بين زميلين . كانت مطبوعة إقليمية محدودة الإنتشار قد أجرت تحقيقا حول موضوع التطبيع بعد أن زار الكاتب المسرحي علي سالم إسرائيل في سيارته ، وطـُـرح السؤال التالي : هل لو قيض لك أن تزور إسرائيل يمكنك ان تفعلها؟
الجميع أجاب بالرفض ، ماعدا زميل لنا قال : ولم لا؟ وهنا تصاعدت المشكلة ، ووصل الأمر للقضاء . وكان الزميلان عضوين بنادي الأدب الذي كنت رئيسا لمجلس إدارته بعد عودتي .
وبالبحث وجدت هناك جانبين للقضية :
* الجانب الأول أن هناك عرف سائد دعمته توصيات المؤتمرات الأدبية المتتالية ، وهو رفض التطبيع مع الكيان الصهيوني إلا بعد عودة الحقوق للشعب الفلسطيني .وحيث أنني كنت عضوا بأمانة تلك المؤتمرات فقد كنت ملتوما بما جاء في التوصيات .
* الجانب الثاني أن هناك حرية للفكر والاعتقاد ومساحة لاختلاف وجهات النظر علينا ان نقبل بها بحيث لا نحجر على وجهات نظر قد ترى غير ما رأيناه .
لذلك رأينا ـ كمجموعة مثقفين تتولى إدارة نادي الأدب ـ أن يكون ردنا العملي هو ملف كامل عن " الثقافة والتطبيع " ، وهو ما نشر في رواد وكان كتابه هم الآتي أسماءهم :
من القاهرة : فريدة النقاش ، محمد محمود عبدالرازق سهام بيومي ، من السويس محمد الراوي ، من بورسعيد السيد الخميسي وعبدالفتاح البيه ، من دمياط بلد المطبوع : أنيس البياع ، مصطفى العايدي ، د. عيدصالح ، أحمد زغلول الشيطي ، محمد العتر ، ناصر العزبي ، حلمي ياسين ، محمد مختار ، محمد بدر ، عبير جبر .
وفي هذا العدد نشرت حوارا مع الشاعر الفلسطيني سميح القاسم كنت قد أجريته معه منذ أشهر والعدد توثيقي بكل معنى الكلمة ، ويرجع تاريخه إلى شتاء 1996.
موقفي الشخصي من الكيان الصهيوني وكنت قد كتبته كرئيس تحرير المجلة ، هو إن هناك صراع عربي صهيوني ، وعلينا أن نتفق على فكرة عدم التخوين ، مع رفضي التام للتعاون مع أناس تجمعهم فكرة الوطن القومي المرتكز على بعد ديني له شق اسطوري ، مع وجود ذات البعد الشوفوني . وللعلم العدد قد نفد وهو رقم (26) والمجلة نفسها توقفت مع التغييرات في هيئة قصور الثقافة التي لا تستقر أمورها على حال ، فكل رئيس هيئة يأتي ليهدم ما شاده من قبله من قيادات ، وهكذا دواليك!

* غير العدد الخاص ب" الثقافة والتطبيع " توجد لي مجموعة قصصية كاملة تقدم تنويعات على لحن أساسي هو معنى المقاومة وفكرة الحرب ، والمجموعة صدرت عن المجلس الأعلى للثقافة تحت عنوان " كيف يحارب الجندي بلاخوذة؟ " سنة 2001.

* مجموعة الحوارات التي أجريتها مع أدباء ومثقّفين عرب ومستشرقين أفادتني كثيرا في التعرف على أجواء الكتابة عند كل منهم ، والجوس في مناطق مسكوت عنها وتخص آليات الإبداع : كيف تبدأ اللحظة ، وماهي خطة الكاتب في التعامل مع نصوصه حذفا وتهميشا وإضافة . كان سؤالي الكثر إلحاحا هو كيف تتشكل لحظة الكتابة ذاتها : الدوافع والبواعث ، والانزياحات التي تمس الأثر الأدبي نفسه.
وقد وضعت يدي على كنز ثمين ، واقتربت بحميمية مع عوالم نقاد كبار وكتاب لهم ثقلهم الإبداعي كجابر عصفور والغذامي ، وبنسالم حميش ، ومحمد برادة ، ويمنى العيد ، حنا مينا ، هدى بركات ، صبري موسى ، صبري حافظ ، سعد البازعي ، سعيد السريحي ، محمد الأشعري ، أمينة غصن ، بلند الحيدري ، ممدوح عدوان ، سعدي يوسف ، محمد الغزي ، المنصف المزغني ، محمد علي شمس الدين ، محمد ابراهيم ابوسنة وعزالدين المدني ، والفريد فرج ، صالح لمباركيه ، يسري الجندي ، محمد أبوالعلا السلاموني . وعدد كبير آخر من شباب الكتاب والباحثين.
لقد استفدت من حواراتي معهم ، خاصة أن لكل منهم عالمه ، ومداخله في التفاعل مع الثقافة العربية ، ويؤسفني أن هذه المادة الجيدة منبثة في صحف سيارة ومجلات لم يحتويها كتاب بعد . فهل يبتسم لي الحظ واجد جهة تتحمس لتجميع هذه الحوارات الجادة والرصينة؟
 
انت من جيل أكد هويته وسط ساحة الادب وربما وانا متأكد بعيد عن المجايلة والتشبث بالمسميات هل من خصوصية لهذا الجيل والذي لا اعرف ما اطلق عليه سوى جيل الالفية ان صح التعبير

* لا أستطيع أن أضع نفسي بسهولة ضمن جيل محدد ، فتجربتي مختلفة بعض الشيء . فقد كتبت قصائدي الأولى وأنا طالب بمعهد إعداد المعلمين 1969، وكنت وقتها بالصف الثالث أي الذي يوازي الثالث الثانوي ، وحصلت على جائزة شعر العامية ، وتم التعامل معي على هذا الأساس ، لكنني ومع عام 1974 كنت قد دخلت عوالم القصة ، وفزت بالجائزة الأولى بنص عنوانه " في البدء كانت طيبة " ، ومعنى هذا ان ظهوري الأكيد كان في بداية السبعينات .
وقد بدأ النشر الفعلي وبكثافة مع صدور الأعداد الأولى من مجلة " إبداع " 1982التي كان يرأس تحريرها الناقد الكبير الدكتور عبدالقادر القط ، وهنا أفسح لي مجالا لنشر أغلب ما أكتب ، وبطابع البريد.
لكن سفري خارج الوطن أول التسعينات ( 1991) وعملي بجريدة اليوم ، وبالقسم الثقافي بها منحني فرصة ممارسة النقد على نطاق واسع ، وخبت تجاربي القصصية بعض الشيء ، وإن كانت ثمة ومضات تظهر على استحياء كان من نتيجتها مجموعتي ( أرجوحة ) .
في عام 2001 تعرفت على " الأنترنت " وكتبت بعض القصص البسيطة ، ولكن العام 2003 شهد نشر مجموعة كاملة هي " شمال .. يمين " ورواية هامة هي " وميض تلك الجبهة " ، وقد قوبلت باحتفاء نقدي كبير رغم أنها على الشبكة ، ومنذ هذا الحين ما زلت مستمرا في الكتابة والنشر عبرتلك الشبكة بصورة شبه يومية. وخلال هذه السنوات تكون لي قراء كثيرون جدا وعلى امتداد الوطن العربي بل خارجه أيضا مع نصوص سردية مطولة أو نماذج من القصص القصيرة نوعا ، وهي التي سجلت فيها أيضا حضورا لا بأس به.

لذا يصعب علي أن أصنف نفسي ضمن جيل محدد ، لكن لو كنت مؤرخا أدبيا فسيمكنني أن أسجل النقاط التالية :
أولا : أنني كاتب لا أنتمي لأي شلة أو تجمع أو حزب ، لذا أعتمد على جهدي الشخصي في النشر والحركة .
ثانيا : أنه بالرغم من بداياتي المبكرة للغاية منذ أواخر الستينات فإن التجربة الإبداعية لم تكن قد تشكلت بصورة مكتملة .
ثالثا : أن بداية تعرف القاريء العادي كان في بداية الثمانينات ، لكنها كانت معرفة منقوصة ومحصورة داخل حدود مصر، فالنشر الورقي محدود دون شك .
رابعا : جاء سفري والعمل بالصحافة لأتعرف عن كثب على دقائق الواقع الثقافي العربي، ولألتقي مع عدد هائل من ابرز رموزه ، وكل هذا صب في مجرى صقل الخبرة ، وتجديد المعرفة .
خامسا : كان النشر الواسع جدا عبر شبكة الأنترنت هو الذي عرف القراء بي ، فأنا مدين لهذه التقنية الحديثة وإن كنت اهجرها أحيانا لصالح الكتاب الورقي عن قناعة ويقين.
سادسا: لو كنت أحد ابناء جيل الألفية لأمكنني أن احدد ملامح الجيل بالقول أنه جيل يؤمن بالفردي ، وبالشخصي ، ويبدأ من نقطة وحيدة مؤكدة هي الذات ، ليست لديه نفس الأحلام القديمة ، ولا القناعات الضخمة، ولا يمتلك مشروعا قوميا ، فهو لا يحبذ الانخراط في جماعة . مشروعه الإبداعي ينهض على ذائقة مختلفة. يهمه أن يكون ذاته ، لا يرتبط بالمؤسسة ولا يعمل حسابا لها . كرامته هي النص ، ولا يبيع نصه لمن يدفع أكثر ، فهو يكتب عن تجاربه التي خاضها : عن هزائمه ، وخسائره الصغيرة ، عن أحلامه التي تحطمت ، عن بقايا أحلامه ، عن حياته التي لا يمكن تلخيصها إلا بالنظر في المرايا المتواجهة التي تردد نفس الصورة بنسب لا نهائية.

* وأتحدث عن تجربتي فأقول أنني شديد الاقتناع بالواقعية ، ليست كعملية التقاط آلي ميكانيكي للواقع بل بمعنى أن نتفهمه ، ونغوص فيه ، ونتعلم منه ، ونتجاوزه أحيانا بأخيلتنا.
كذلك يمكنني القول أن جيلي متمرد على الأب ، هو لا يقتله ولكن يجعل بينه وبين هذا الأب كسلطة مسافة آمنة، فهو دائم التوجس من السلطة بكل اشكالها .

هل يرى سمير بارقة امل في مستقبل الرواية العربية الجديدة( الميتا فكشن)

* بالتأكيد هناك روايات جديدة أفدت كثيرا من قراءتها ، لكنني لاحظت حضورا طاغيا لأدب أمريكا اللاتينية ، وللكتاب الأسبان ، وقد تخلى الأدباء جزئيا عن أماكن الإبداع القديمة في باريس وروما ولندن وبرلين لصالح أحراش قصية ، وموانيء بعيدة ، وغابات تعج بالوحشي واللامستأنس . الأدب يتحرك في تلك الهوامش البعيدة.
وعن الكتاب العرب فهناك اسماء مازالت تفتني مثل الطيب صالح ، والمنسي قنديل ، ويحيى الطاهر عبدالله ، وهدى بركات ، وبركات حليم ، وممدوح عدوان في مسرحه وتراجمه ، وابراهيم عبدالمجيد ، وبهاء طاهر ، وقبلهم جميعا الكاتب الليبي الفذ ابراهيم الكوني .
وقد اطلعت على كتابات جديدة للعراقية بتول الخضيري ، والمصرية أهداف سويف ، وللبناني حسن داود ،وللمغربي بنسالم حميش ، والكاتبة المصرية الشابة صفاء النجار، والكاتب العماني الشاب هلال البادي ، والسعودي الجميل يوسف المحيميد في " فخاخ الرائحة" ، ومن الجيل الذي قبله عبده خال في " الأيام لا تخبيء أحد " ، ولا يفوتني أن أذكر كاتب هام جدا في مصر الآن هو الطبيب محمد ابراهيم طه صاحب " سقوط النوار " ، وطبيب الأسنان علاء الأسواني صاحب " عمارة يعقوبيان " ،ومن مدينة الأسكندرية وحدها هناك خالد السروجي ومنير عتيبة وقبلهم رجب سعد السيد وسعيد سالم ومحمد حافظ رجب أول التجريبيين العرب ، وفي اقصى الجنوب في اسوان هناك أحمد أبوخنيجر وأسماء هاشم ، وما أدهشني أنني قابلت منذ شهر كاتب مصري يعيش في استراليا وقد اصدر روايته " أسطورة شنيدر " اسمه غير معروف ابدا وهو ماهر أبوالسعود ، وطبعا الدكتورة سهير المصادفة في " لهو الأبالسة" ، أليست هذه أعمال تستحق الفرز والفحص والتقديم ؟!
هذا ما يحضرني اللحظة فأنا لا اقوم بعملية حصر ، وثمة أسماء جديدة بدأت تقدم سردها المروع . دعونا ننتظر فأنا لست جهة تقييم.



 


لك انجاز كبير في أدب الحرب . ما مفهومك لهذا النوع من الإبداع؟ 
* بالنسبة لمفهوم أدب الحرب :
سأعود لحوار أجري معي لمجلة " الأذاعة والتلفزيون " ، أجراه معي الصافي فارس خضر ، ونشر بتاريخ 27نوفمبر 2004 ، فأقول :

* قد يكون من الغريب فعلا أن أخبرك أنني من اوائل من كتب عن الحرب وتداعياتها ، وارتباطها بهموم الداخل قبل ان تصبح المسألة " موضة " أدبية ، وقبل أن تتحول احد سلاسل الهيئة لرصد ذلك الزخم الابداعي الغزير ، ففي عام 1974 ، وبعد أشهر قليلة من انتهاء العمليات العسكرية أعلنت الشئون المعنوية للجيش عن أول مسابقة حول فكرة الحرب ، فكتبت نصا عنوانه " في البدء كانت طيبة " ، واعتمدت فيه على مقاطع سردية كاملة من كتاب العلامة سليم حسن " مصر القديمة " ، ربطت فيه بين ما حدث في " أواريس" من هجوم الهكسوس على شمال مصر ، وكيف أن المصريين قد تمكنوا من إيقاع الهزيمة بهم ، بما حدث في أكتوبر . " البرديات الفرعونية " تضمنت وصفا كاملا للعمليات الحربية ، ووعود الملك ( ملك طيبة المقدس ) لجنوده بالحصول على الحب والشعير وأسراب الوز الملكية إذا ما حرروا الوطن من دنس الغزاة .
لقد مست قلبي هذه الصور القديمة التي وظفتها في النص ، فوجدت أن مسالة الاحتلال والغزو الأجنبي لم تكن بالشيء الجديد ، ففي كل مرة يضعف الداخل يواجه بمثل هذا الهجوم الكاسح . الشيء المثير أن من رفع ظلام الهزيمة في المقام الأول لم يكن هم الملوك وحدهم كما كنا نقرأ في النقش الهيلوغريفي على جدران وأعمدة المعابد ، بل هم أبناء الشعب من الكادحين الذين لم يكن مسموح لهم بدخول المعابد الملكية إلا في الاحتفالات السنوية بالجلوس على العرش أو ما شابه ، وقد حصلت هذه القصة على الجائزة الأولى عام 1974 ، ونشرت بمجلة " صباح الخير " .

* لقد نشرت قصص المجموعة " خوذة ونورس وحيد " فرادى ، ولكنني جمعتها وحازت على جائزة محمد تيمور للمجموعات القصصية منذ عامين .
إنها تلمس رهيف لتفاصيل الحياة اليومية ، وهو القسم الذي أخذ عنوانا رئيسيا " تنويعات عسكرية " . أردت أن أبحث عن نبرة التفاؤل في حياة هؤلاء العساكر الغلابة ، الذين يقضون أيامهم المريرة في محاولات مستمرة للحفاظ على ما بداخلهم من بهجة قليلة ، وطموحات لا تُـحـد .
قصص مثل " إجراءات " ، " عزومة " ، " عريس السرية " ، " جندي مؤهلات " ، " مسعد بنزين " تحاول أن تقبض على فكرة ابتعاث الإشراق من قلب الحياة الخشنة ، وفيها تفصيلات إنسانية شديدة الرهافة والشفافية . زد على ذلك تلك اللمسة الرومانسية الساحرة التي تحاول أن تنفلت كل مرة من عنف وعسف وقهر الأوامر ، ومعنى " الضبط والربط " الذي كثيرا ما يحاول أن يقضي على الروح المنطلقة لفرد داخل جماعة مهمتها الأساسية الحفاظ على حدود الوطن .
أجزم أن تلك النصوص عــّرفت بالمقاتل المصري ، ولكنها في الوقت ذاته أنصفته كإنسان شديد الاحترام لمشاعر الآخرين ، رغم فقره وعوزه ، فهو لا يتخلى مطلقا عن كرامته وشعوره بالقيمة .


* أظن أن أدب الحرب ليس هذه المادة السردية التي تعتني كثيرا بالقشرة الخارجية الصلدة للأحداث ، وهي في نفس الوقت ليست عملا دعائيا يتسم بالفجاجة والمباشرة .
أدب الحرب لا يعني الضجيج ، وانفجار القنابل ، وسقوط القتلى في الخنادق عبر المواقع القتالية ، وفي الحفر البرميلية . إنه شيء مختلف تماما ، فحين يحدث الصراع المروع بين المقاتل المصري وبين العدو الصهيوني ، تكون ثمة مساحة للحكي ، والبوح بتفصيلات تخص الداخل . هنا تسقط العبارات التقليدية المصكوكة عن معنى الحرب ، ويتم الاتجاه إلى هذا المقاتل الفرد في وحدته ، وعزلته رغم الضجيج والصخب العنيف .
إنه أدب يحفر في الطبقات الجيولوجية للنفس البشرية ، ويهتم اهتماما مؤكدا بالإنسان الذي يحمل السلاح دفاعا عن أهله وعن ذاته قبل كل شيء. يمكننا أن نرى الضعف الانساني ، وأن نعاود الكشف عن ثنائيات مضمرة في ثنايا النصوص السردية عن الشجاعة / التخاذل ، و في أحيان كثيرة عن الأقتحام / التراجع. كلها ثنائيات تنهض من قلب عفار المعارك . الوجهان المراوغان لعملة واحدة . مهمة الروائي ان يكشف ويكتشف أسرار ما دار في الغرفة المغلقة للعقل في لحظات المواجهة ، وأظنها مهمة ليست سهلة مطلقا ، لأنها تحتاج إلى وعي واستبصار ، وقدرة لا تتأتى للكثيرين على فهم التكوين السيكولوجي للنفس البشرية
 . *
كل أدب يهتم بالإنسان ، وجوهره ، سيكتب له البقاء . والحرب تلامس مناطق شديدة البعد في أعماق الإنسان ، وقد كان همي الأول أن أنفض الغبار عما تراكم على الذاكرة من نسيان وسوء تقدير وإهمال ، وأظنني نجحت في ذلك إلى حد كبير.
 
كيف تتولد اللحظة القصصية ؟ وهل قصصك واقعية كلها أم انت تعطي فسحة للخيال؟



* سؤالك يحمل إشكاليات كثيرة . فما يصدق على تجربتي لا يمثل نفس القيمة عند كاتب آخر . دعني أخبرك أن كل كاتب له نهجه المتفرد وأسلوبه في الكتابة ، وآليات حركته مع القلم .
في بداياتي كنت أترقب ما أسميه لحظة الإلهام ، فأمشي على الشاطيء فترة ، وأتأمل أمواج البحر ، أو أستلقي على سريري مغمضا عيني ومسترجعا بعض ذكرياتي ، وحين يمسسني شرر الإبداع أتوجه فورا إلى مكتبي الصغير ـ كانت منضدة السفرة في بيت العائلة قبل أن أتزوج ـ وانخرط في الكتابة .
مع نضج الخبرة ، وتكليفي بكتابة نصوص مسرحية أو أغنيات مصاحبة لبعض العروض للفرقة القومية للمسرح أكتشفت أنه من الضروري أن تدق بنفسك على بوابة الإبداع ، ومن الطبيعي أن تفتح لك وإن تأخر فتح الباب مرة أو مرتين .
لا توجد قاعدة محددة لتولد لحظة الكتابة لكن دعني أدخلك معملي الفني فأقول أن الرواية تحتاج إلى تخطيط مسبق ، ووعي كامل بأبعاد شخصياتك ، واستدعاء مهم جدا لخبراتك في الحياة .
المسرح يحتاج لقراءات تاريخية ، وجوانب توثيقية ، ويسبقه تخطيط " كأنه أسكتشات " بحيث تعرف مسارات الأحداث ، وفي أحيان كثيرة تكتب مذكرة تخصك وحدك بملامح كل شخصية وسماتها .
في القصة القصيرة أترك نفسي للأحداث تقودني ، وأترك مساحة واسعة من الانزياحات بحيث يمكن أن تختلف القصة عما توقعته في البداية وقبل أن أخط حرفا واحدا .
الشعر وحده فيه شق ساحر ، ومساحة واسعة كحقل للمغامرة ، لذا قد يكون من الطبيعي للشاعر أن يعتمد أكثر على منظومة تداعيات حرة ، وجماليات تخصه وحده ، وفي اعتقادي أن الشعر شيء سحري ، غامض ، لذيذ ، علوي .
إنه لا يقتنع بالتراتب الزمانية ولا المكانية . هو انهمار لذرات عالقة في فضاء الإبداع ، وذكريات قديمة يتم استدعاء بعض منها ، ويظل البعض في " مخزن " الذكريات .
وربما قد يكون السؤال الأكثر إلحاحا هو كيف تتولد اللحظة القصصية لديك ـ أنت ـ يا سمير الفيل ؟
وردي بسيط ، وسأستدعي آخر نصوصي السردية :
في " مشيرة " عدت من جنازة ابنة خالتي فكتبت النص بدون لحظة تفكير في ربع ساعة . في قصة " نرجس " كنت أسير في حيي القديم ولمحت بنتا صغيرة كانت تشبه نرجس جارتنا ، فعدت المنزل وكتبت العمل . في " المأمورية " أرسلني توجيه المسرح لإحضار دروع التفوق فصادفت بيروقراطية مميتة فاستجمعت ما حدث لي وتصورت ما هو أكثر وكتبت النص . في " تمرحنة " تعرفت على سيدة تنتظر عودة جثة زوجها القبطان من أحد موانيء أوربا وأدخلت جزءا تخييليا وكان النص. في " مكابدات الطفولة والصبا " طلبت مني زميلة في أحد المواقع أن أتحدث عن طفولتي ففضلت أن يكون ذلك على هيئة نصوص قصصية . في " أرز وعدس " كنت أمر في حارة " قبيلة " بسوق الحسبة ووقع نظري على أمرأة عجوز عرفت فيها فتاة كانت تبيع الأسبرتو والخل وتحب شابا أخرس اسمه فتحي ، عدت وقد صممت أن أخلد قصة الحب في قصة مغايرة في الأسماء ، وبعض التفصيلات .
لكن مجموعة قصصية كاملة هي " شمال يميين " كتبتها بعد انقضاء أكثر من ربع قرن من خروجي من الخدمة العسكرية مستحضرا كل مظاهر القسوة والقهر في تلك الفترة .
مرة كنت أمر في حي التجاري بمدينتي فتوقفت أمام " فترينة " أحذية أمام جامع البحر . وجدت الصنادل والشباشب ، وعدت للعاشرة من عمري حيث كنت أعمل في نفس المحل . بعد أيام من المعاناة كتبت فيضا من القصص نشرتها ألكترونيا فقط في مجموعة قصصية عنوانها " صندل أحمر " وهي مجموعة لم تنشر ورقيا.
أجمل القصص وأعظمها عندي هي التي تتسلل لمنطقة في القلب دافئة ، وتشعر وأنت تكتبها أن يدك لا تلاحق بحق ذلك الفيض من الحنين لتلك العوالم التي انقضت.
أشعر أن عوالم الطفولة تأسرني ، وكانت لي وقفة طويلة مع سنوات الجيش ، والآن اطل من شرفتي على الأحياء الشعبية وأجدني قريبا جدا من أسرارها ، وهمومها ، وخباياها.
هل أحب مدينتي ؟ نعم، ولدي هاجس أن الحكايات التي بداخلي لا تنضب ، وقد حدث لي مرة موقف مدهش . كنت قد وصلت مرة لدرجة المملل من الكتابة .
جلست أستريح في البلكونة . تناولت القلم لأخطط لقصة كي أكتبها كما ينبغي فيما بعد . أنهيت " الكروكي " التخطيطي . نظرت للورقة فوجدتها قصة . نشرتها وأنا مليء بالوجل . فوجئت باحتفاء غريب وتكتمت الأمر . هذه قصة " أخطاء صغيرة " .
مرة كنت أستمع لأغنية قديمة لسيد درويش ـ وهو بالمناسبة يأسرني جدا ـ سبب لي اللحن حالة من حالات السمو الوجداني ، وعدت لأكتب نص " احتمالات الحب " . وهكذا كل قصة لها تجربة مختلفة في التشكيل والتدوين.
كيف تقيم تجربة الكتابة عبر الانترنت؟
سنحاول أن نكون موضوعيين في ردنا على هذا السؤال فأحدد عدة نقاط يمكنها ان تشكل في نهاية الأمر رؤيتي للموضوع:
* ظلت مسألة النشر تمثل على الدوام مشكلة للكتاب في الوطن العربي على أختلاف التوجهات وتنوع المشارب.
* كان من الطبيعي والحال كهذا أن يتم التكريس لأسماء بعينها ، بعضها يستحق فعلا ، والبعض الآخر لا يرقى انتاجه لدرجة المنافسة فما بالك بالذيوع والانتشار .
* ظل النشر الورقي هو النافذة الوحيدة للتعريف بالكاتب ، مع حالات قليلة لعبت فيها السينما والتلفزيون وإلى حد ما المسرح دورا لا يستهان به مع كتاب موهوبين من مختلف الأجيال.
* مع وجود " الأنترنت " أصبحت هناك إمكانية حقيقية للتعريف بكتاب جدد ، مع عدم وجود رقابة على ما ينشر إلا باستثناءات بسيطة .
* النشر الألكتروني مثل ثورة حقيقية في القدرة على الذيوع والانتشار ، ولكن دعنا نعترف بوجود عيوب جوهرية تحيط بالتجربة .
* في المواقع والمنتديات الثقافية والأدبية بالأنترنت لا يوجد نوع من الفرز والتقييم الحقيقي ، لذا فقد اختلط الحابل بالنابل ، وسيجد المتابع مشقة كبيرة في التعرف على كتاب حقيقيين، وبالطبع كاتبات موهوبات .
* يوجد في معظم هذه المواقع " شلل " وتجمعات تروج لبعضها البعض فيما هي لا تمتلك الحد الأدنى من أبجديات الكتابة ، وهذا يحدث نوعا من البلبلة والترسيخ لأسماء لها كتابات ركيكة بل سقيمة .
* هناك أيضا ما لاحظناه من انتشار نوع من الكتابة الشكلانية التي لا تقدم أي فكر ولا تمثل أي قيمة ، لكنها تملك ما اسميه بالإلحاح والتواجد 24 ساعة في المنتديات ، مع إطلاق فكرة " الحداثة " بينما نصوصهم في غاية الضعف والترهل . وهؤلاء للأسف الشديد قد شكلوا " لوبي " في العديد من المواقع الهامة . هب أنك نشرت لك نصا بينهم ، لن يعيرك أحدا اهتمامه بينما يتم الترويج لكتابات مصابة بالهوس الجنسي أحيانا وبفقر الدم الإبداعي أحيانا اخرى.
* لابد من الإشارة إلى وجود منتديات قليلة تملك فضيلة المراجعة واختيار المواد الرصينة ولكنها تكاد تكون نقطة في بحر !
* هل معنى ذلك أن نكفر بما قدمته لنا التكنولوجيا من إمكانيات نشر ؟ أبدا لكن المسألة بحاجة إلى مراجعة ، وفرز وتمحيص ونقد موضوعي وهو الشيء الغائب حتى هذه اللحظة .



 
لقد لاحظت أنك تغترف من البيئة الشعبية بدربة وحرفة ليست لغير خبير.
فهل أنت تعتمد على الأحداث التي تراها فعلا أم تطعمها بما ترتئيه
 

************
 

* بالفعل يمكنك القول أنني أغترف من البيئة الشعبية ، ولكن ليس بطريقة التعامل مع الفلكلور والغرائبية بل من خلال تفهم واستبصار لحياة هؤلاء الناس الذين انتمي إليهم عيشة وسكنا ، فيطربني أن أجد لديهم هذا الحس الإنساني العميق ، وروح الشهامة التي تغلب على أفعالهم ، ومنظومة التكافل الاجتماعي التي لا تغيب لحظة عن الحارة .
لقد جربت سابقا أن أعلي من قيمة الرمز وأن أضرب بسهم وافر في فضاءات التجريب ، وبعد أن نشرت بعض النصوص التي تميل لهذا الاتجاه ، كان يقابلني زميل فيقول لي : " أنا لا أفهمك.

أو أن تواجهني قارئة بجملة :" قصصك صعبة ولم أهضمها ". فعلا تحقق لي أنني بعيد عن أهلي وناسي وعلي ألا أصنع تلك القطيعة وإلا فكتاباتي ستكون واقعة في مأزق الانفصام مع المتلقي مهما كانت مثقلة بالفنيات العالية .
حاولت إذن أن أستعيد وقائع الحارة الدمياطية التي نشأت فيها ، ولم تكن هناك مساحة للعب أو الكتابة فقيمة العمل هي التي تسبق كل شيء ، وقد رأيت أن تكون إطلالتي على هذا الفضاء البديع بما فيه من انكسارات موجعة ، ورغبات غير متحققة ، وصبوات مؤلمة ، ومكابدات شاقة ، بل أنني بعد أن حققت شيئا في مجال النص الكلاسيكي واجهتني قارئة بقولها : "نعم . قصصك جميلة حقا ، لكنها متشابهة جدا في الأجواء " .
فعمدت إلى كسر النمط والبدء في كتابة مجموعة من " ارتباكات 1 ، 2" ، " مكابدات الطفولة والصبا " وأخيرا في يدي الأن سبع نصوص عن المجانين بعنوان " على فيض الكريم " .
أنا كاتب غير منحاز لإنجاز بعينه ، وأنا قلق فيما يخص كتاباتي ، متوجس من المتلقي ، محب للغة وارى فيها أمكانيات عبقرية للتطويع والزركشة والرقش الفني البديع.
لكنني قبل كل شيء مخلص لطبقتي ، ومنحاز لتلك الشرائح الشعبية التي اشتغلت في حواريها وأنا في الخامسة من عمري بعد ان مات أبي وتركنا نصارع الحياة كي نبحث عن لقمة عيش ، وهي تلك الأوجه التي عاشرتها في الكتيبة 16 مشاة ، فقد كان علينا أن نحمل صناديق الذحيرة ونسير لعدة كيلومترات على امتداد طريق الجلاء على مرمى حجر من قناة السويس ، وحين سافرت للخارج كنا وحدنا الذين ننام في ردهات المطارات بالأيام كأننا عمال تراحيل .كل ذلك سكن في القلب وكان علي أن أنقله إلى الورق أو إلى شبكة الأنترنت.

سؤالي هنا يتعلق بمجموعتك " شمال يمين" إنها عن الجيش والجندية.
كيف صبرت اكثر من 25 سنة قبل ان تسجلها في عمل قصصي.
أنا اعتبرها رواية لوحدة الحدث ووحدة المكان
 
 

حقيقة عرفتني مجموعة " شمال .. يمين " بعدد كبير من القراء المهتمين بفن القصة ، وقد احترت فعلا : هل أقدمها كرواية بما في ذلك من وجود فعلي لوحدتي الزمان والمكان ، والشخصيات.
وأخيرا رأيت أن تكون مجموعة قصصية عن نفس التجربة الواحدة . وكنت قد أخرجت قبلها مجموعة قصصية عن دار سما هي " خوذة ونورس وحيد " ، ومجموعة أخرى عن المجلس الأعلى للثقافة هي " كيف يحارب الجندي بلاخوذة ؟ " ، ورأيت ان أتفادى ما طال المجموعتين من أخطاء بسيطة .
حاولت في " شمال يمين " أن أرصد ثيمة القهر التي لونت فضاء تلك النصوص ، وحسب تجاوب القراء فقد تم التفاعل مع النصوص القليلة التي نشرت من المجموعة ، خاصة أن ابطالها كانوا يمارسون مكرا بديعا لابد أن يحدث مع الآلة العسكرية الرهيبة وقوانين الضبط والربط القاسية .
أنا أعتبرها " متتاليات قصصية " ، وهو لون من القص يقع بين القصة والرواية .
 
أنت شاعر كما عرفنا من سيرتك الذاتية .
فكيف استطعت أن تفلت من غنائية اللغة وهي التي نراها في أعمال اغلب الكتاب الذين انتقلوا من الشعر للقصة والرواية.

* لقد أفلت من غنائية اللغة ، ولكنني اتجهت بقوة إلى سحر إيقاع السرد . سأقول لك شيئا خاصا قد تستغرب له. أثناء عملية الكتابة أغلق الباب على نفسي ، وأظل أكتب متتبعا موسيقى خفية تنبعث من الجمل والعبارات ، وتقودني تلك الموسيقى من موقف لموقف ، ومن حدث عالي النبرة إلى آخر متكتمها ، ولكنني لا أفلت الموسيقى أبدا ، وأظل مستمتعا بهذه النغمات التي تعلو وتنخفض وتسير في مسارب خاصة داخل النص .
فإذا اختفت الموسيقى فيجب علي أن أتوقف على الفور ، فإما أبحث عن خاتمة لائقة ، أو أترك النص ريثما تعاودني النغمة ذاتها ، والتي أنتظرها بأعصاب متوترة حتى انتهي واضع آخر نقطة بعد الكلمة الأخيرة .
متعة الكاتب في حضوره الشخصي لهذه العملية الطقسية ، فهو تابع ومتبوع في آن . من قلمه تفيض الصور ، ومن عباراته تتناغم الحروف في موسيقي عذبة ومعذبة
.
 
 
هل لك ان تخبرنا عن اهم من تعرضوا بالنقد لاعمالكم الادبية عامة والسردية خاصة؟
ومن من النقاد تشعر انه يبدع نصا موازيا لنصك الابداعى

* لا أستطيع أن أذكر كل من تعرض لكتاباتي بالنقد ، ولكن دعنا نتذكر سويا ..
لا أنسى بالطبع الدكتور مدحت الجيار الذي قدم دراسة قيمة عن أعمالي الشعرية الأولى في ديوان " ندهة من ريحة زمان " . ومادمت قد بدأت بشعر العامية فلابد من ذكر أسماء نقدية محترمة ساهمت في رفع الغبن عن هذا الجنس الأدبي ، منهم الناقد والشاعر مسعود شومان ، والناقد الدكتور أيمن بكر ، والشاعر تاج الدين محمد ، والناقد الدكتور سعيد الوكيل ، وقبل هؤلاء شاعر قدمني باستمرار في مجلة النصر هو الشاعر عصام الغازي وكان قريبا جدا من أمل دنقل في محنة مرضه ، وهناك كاتب قصة آخر بنفس المجلة هو محمود المنسي ، وقبلهما كان مصطفى الشندويلي .
في مجال السرد كنت أسعد حظا ، فهناك دراسات موثقة لكتاباتي في أدب الحرب قام بها الدكتور مجدي توفيق والدكتور رمضان بسطاويسي ، وهناك حلقة كاملة قدمها عبدالتواب يوسف في إذاعة " صوت العرب " عن " رجال وشظايا " ، ثم علي أن أذكر دراسة بديعة قدمتها الدكتورة عزة بدر عن مجموعتي " كيف يحارب الجندي بلاخوذة ؟ " وألقتها في مائدة مستديرة بالمجلس الأعلى للثقافة ، وهناك دراسات متعددة قدمها جمال سعد محمد حول تجربتي السردية ـ محاوري هنا في منتدى أقلام وصاحب هذه الأسئلة ـ وجمعها في كتابه " طاقة اللغة وتشكيل المعنى " وهو كتاب موسوعي حول كتاباتي ، وهناك دراسة هامة قدمها فرج مجاهد عن رواية " ظل الحجرة " ، ودراسة شديدة الجمال قدمها سيد الوكيل عن رواية مخطوطة هي " وميض تلك الجبهة " ، كما قدم القاص حسن الشيخ قراءة هامة عن " خوذة ونورس وحيد " في مجلة " الشرق " السعودية ، والدكتور ياسر طلعت عن مجمل أعمالي في " الأهرام المسائي " ، والشاعر الصحفي يسري حسان في " حريتي " ومصطفى العايدي في مجلة " رواد " ، ومصطفى كامل سعد في كتابه "تأملات نقدية " ، وفي مؤتمر دمياط الأدبي هناك دراسة جيدة جدا لمجدي جعفر وأخرى لأمين مرسي حول " ظل الحجرة " ، كما شارك الروائي الكبير فؤاد حجازي في ندوة أعدت حول كتاباتي في أدب الحرب ، وهو ماحدث أيضا في مدينة المحلة بدراسات لفريد معوض ، ومحمد عبدالحافظ ناصف ، وهناك دراسة هامة للدكتور كمال نشأت حول كتاب غير راض عنه لسوء الإخراج ، صدر عن اتحاد الكتاب هو " انتصاف ليل مدينة " ، وغيرهم مما لا يحضرني اسمه الآن .

ثمة كتابات على الأنترنت منها ما كتبه : فكري داود ، واشرف الخريبي ، ود. محمد ابراهيم طه ، وخالد الجبور ، وزكي العيلة ، ود. أيمن الجندي ، وابراهيم خطاب ، وسعيد رمضان ، وفيصل حيدر عبدالوهاب ، وريم مهنا ، ومحسن يونس ، وأسد دوارة ، وسلوى الحمامصي ، ووفاء الحمري ، وهشام بن الشاوي ، ود. محمد حسن السمان ، ود. محمد حبيبي ، ود. حسين علي محمد ، وربما يصعب حصر ما قدم من مساهمات جادة وجيدة حول أعمالي خاصة الأخيرة التي لم تطبع بعد في كتاب .
* نعم هناك من النقاد من يقدم نصا موازيا ، وسأذكر منهم اثنان تصديا لأعمالي واحد من كبار النقاد هو الأستاذ الدكتور مجدي توفيق ، وهناك من جيل الشباب القاص مجدي جعفر ، فالنقد هو القدرة على إضاءة النص بصورة إيجابية ، وتقديمه كأحسن ما يكون للقاريء .
وأحب أن أنوه هنا بأستاذ جيل أعتبر ه صاحب الفضل الأكبر عليّ ، إنه الدكتور عبدالقادر القط الذي راح ينشر نصوصي التي كنت أرسلها له بالبريد ، في مجلة " إبداع " ، وحينما التقيته بعدها بتسع سنين في مطار أسوان ، وعرفته بنفسي ـ وكنا قد ذهبنا للمشاركة في مؤتمر العقاد ـ قدمني للدكتور مصطفى الشكعة بمنتهى الروعة : هذا صديقي سمير الفيل الذي حدثتك عنه .
ما أجمل هؤلاء الكبار في كل شيء : في الكتابة ، والحياة ، وفي اللحظات الإنسانية الرقيقة التي يعيشونها .
هل تشعر استاذنا عند الكتابة بسطوة الناقد سمير الفيل ؟
وهل هناك مناطق محظورة يمليها سمير الفيل الانسان على سمير المبدع ؟
روايتك " ظل الحجرة " من الاعمال الرائعة بحق ولكنك تحاول ألا تهديها الا للخاصة هل هناك سببا لذلك؟

* حين أبدأ الكتابة أشعر أنني أمتلك براءة طفل ، وجسارة محارب ، وقلب محب ولهان ، وكثيرا ما ضبطت نفسي أبكي وأنا في خضم الكتابة كما حدث مرة مع قصة اسمها " شلن فضة " ، وقصة أخرى اسمها " نرجس " .
أثناء الكتابة أنسى كل النظريات النقدية التي قرأتها ، والمساهمات البحثية التي كتبتها ، واستحضر لحظات الفرح والمكابدة على السواء ، والحمد لله أن ذاكرتي مشحونة بأدق التفاصيل .
هل تتصور مثلا أنني أتذكر منظر فيل ضخم يسير في شارع سوق الحسبة وأنا في سن الرابعة . كان الفيل في طريقه للسيرك ومازال منظره وهو يتهادى بوقار وعظمة يهزني هزا!
* هناك العديد من المحظورات أحاول أن انحيها ، ولا أكتمك أنني تربيت في بيئة محافظة ، تضع كلمة " العيب " أمام أشياء كثيرة ، لكنني من خلال الفن أحاول أن أجد وسيلة للتحرر من هذه القيود التي تقتل لحظة الإبداع.

* كنت أجلس مرة في مقهى شعبي مع عدد من الكتاب والكاتبات ، وكان منهم الروائية هالة البدري ، وتطرق زميل لرواية ظل الحجرة . لماذا لا أوزعها على نطاق واسع ؟
والحقيقة أنني بعد ان انتهيت منها ونشرتها فوجئت في قراءة محايدة لها أنها حملت بعضا من سيرتي الذاتية .
لم يكن الأمر مجرد نقل آلي بل هناك تحوير ولعب بالظلال ، لكنني توجست خيفة ، وقررت بيني وبين نفسي ألا أوزعها إلا على نطاق ضيق جدا ، ورغم ذلك فقد نالت شهرة كبيرة ، وفشلت في أن أكون رقيبا لذاتي .
نسيت أن أقول أن هالة البدري رفضت فكرة الحجب هذه ، وقالت :
يمكنك أن تنشرها على نطاق واسع فالفن ليس الحياة .
هذا صحيح ، لكن في لحظات قدرية معينة يكون الفن هو الحياة ولا تستطيع الفصل .
أليس كذلك؟
حسنا . الفنان بشكل او بآخر يكتب عن همومه ، هواجسه ، مخاوفه ، وسواء شاء أو أبى فلا يمكنه أن يهرب من أسراره حتى لو ظن هو نفسه أنها " جوه " بير عميق !



على تفاوت، لدى شعوب الأرض، ومنها يقينا الشعوب العربية، ظاهرة غير مرغوب فيها، وهي وجود فجوة، تتسع أو تضيق، بين الكلمة والأخذ بمضامينها، أو بين بيان الأخذ بفكرة من الأفكار وتحقيق الالتزام بمضمون تلك الفكرة. أحب أن أسأل زميل القلم الأستاذ الكاتب سمير الفيل عن رأيه في كبفية ردم هذه الفجوة أو تضييقها على الأقل على الساحة العربية.


* آه ..
والله أنك وضعت يدك على الجرح .
وأتفهمك تماما . بالفعل هناك فجوة قائمة بين النص وبين تطبيقاته في واقعنا ، أو بشكل آخر بين الكلمة التي تعبر عن موقف أو وجهة نظر معتبرة ، وبين مردودها العملي على أرضية الواقع ، وربما صعدنا الأمر درجة لأقول أنه توجد مثل هذه الفجوة فعلا بين النص الإبداعي الذي هو نتاج لغة وفكر و اسلوب ، وبين ما يتم في حقول السياسة والاقتصاد والاجتماع ، وكل أحوال العمران البشري .
* تعال لنفتش سويا عن السبب المباشر في هذه الفجوة التي لا يمكن أن نزعم أنها غير موجودة .
أولا : هناك هذا المنهج في التربية الذي يصنع قطيعة معرفية بين ما يتم تلقينه للطفل وبين ما يجده في الواقع.
ثانيا : على ما يبدو أن التعليم التلقيني يلعب دورا سيئا في أن تكون هذه القطيعة مستحكمة ، فالمهم هو الدرجة التي يحصل عليها الطالب في الاختبارات وليس أكثر من ذلك .
ثالثا : العلاقة الإشكالية بين الأنظمة العربية ذات القبضة القوية وبين الأطراف والهوامش ، فليست هناك مساحة للحوار والأخذ والعطاء .
رابعا : لا أعفي الكتاب أنفسهم في وجود بعض الرؤى الاستعلائية التي تنفض يدها عن الواقع وتهوم في فضاءات بعيدة عن المجتمع بدعوى أن " الفن للفن " .
دعني أذكر لك موضوعا طريفا حدث لابنة زميل قاص من مدينة شربين :
له ابنة في الصف الأول الثانوي ، وقد طلبوا منها في ورقة امتحانات اللغة العربية أن تكتب عن قضية الشرق الأوسط او شيء من هذا القبيل في موضوع التعبير . تحمست البنت وكتبت هجوما على زعماء الغرب من بينهم الرئيس " بوش " فما كان من المصحح إلا أن رفع الأمر للجهات العليا ، وهم بدورهم حققوا معها ، ورسبت البنت المتفوقة لأنها خرجت عن النص ، وكتبت ما يخالف النموذج .
إنها كارثة وقضية رأي بكل معنى الكلمة أن يكون هناك مثل هذا الفراغ الهائل بين التعليم كمؤسسة تعلم وتربي وتقود وبين ممارساتها القمعية في الواقع. فالبنت تسمع وتشاهد وتتابع الفضائيات والإذاعات وقد كونت وجهة نظرها الشخصية ، وقالتها بحرية .
الغريب انهم تعاملوا معها كأنها ارتكبت جرما ، والبنت اسمها بالكامل : آلاء فرج مجاهد ، والقضية مطروحة منذ يومين ثلاثة .
أليس هذا نموذجا لتلك الهوة بين الكتابة وبين الواقع؟ أليس هناك أزمة حقيقية بين الإنسان العربي وبين قياداته التي تتعامل معه بتوجس وريبة وسوء ظن؟
ألسنا في هذه الحالة ندعو لعدم إعمال العقل ولتسييد القولبة التي هي نقيض كل فكر وإبداع وتقدم ؟
********
* أنا غير متشائم بالنسبة لمستقبل الكتابة . وأنا متابع جيد للمسرح العربي ، وأراه يضارع أحدث مسارح أوربا وأمريكا ، هناك عروض عظيمة تعالج كل السلبيات ، هناك مسرح سعدالله ونوس وممدوح عدوان في سوريا ، وهناك مسرح يسري الجندي وابوالعلا السلاموني في مصر ، ويوجد مسرح الحكواتي في المغرب ، وجهود الطيب الصديقي ، وهناك جواد الأسدي ، وآلاف التجارب الحقيقية التي ترفع من قيمة الحوار والفكر بصوت مسموع ، وخشبات المسرح تشتعل بالعروض التي تلقي خطابها وتمضي .
في الرواية هناك عطاءات عظيمة ، وروايات تعري الواقع وتفضح زيفه ، قد يكون الشعر في أزمة لعدم وجود شعراء علامات بعد محمود درويش وأمل دنقل وبدر شاكر السياب والجواهري والبردوني ، لكن بالتأكيد ثمة أجيال جديدة تتشكل وسيأتي اليوم كي تقول كلمتها .
نقطة ضعف وحيدة أجدها في الفكر العربي الذي يميل للمحافظة ، وترسم القديم ، وكذلك عدم تدريس الفلسفة في الكثير من بلدان الوطن العربي ، لكن كل هذا لا يمنع من تفاؤلي ان إبداعنا وفنوننا تزدهر وتنتشر ، وتقوى بالرغم من المشاكل السياسية والسقوط المريع لبعض الأنظمة التي حاولت قولبة الإنسان العربي .
لقد فات تلك الأنظمة شيء واحد أن الإنسان لا يقولب ولا يدجن ، وتلك فضيلته!
 
فيما يخص الأسماء التي ذكرتها أمثال الطاهر وطار وغيره أعلمكم أستاذي الكريم أن الساحة الثقافية تزخر بأسماء مميزة في كتاباتها و لها حضور قوي أمثال الأديب رابح خدوسي .. شريبط أحمد شريبط ..جدو حقي (للأطفال) والقائمة تطول ولكـــــــن الاحتكار الاعلامي لعب لعبته وخدم أسماء معينة لها تيارها وأقصى أخرى بفعل ذ[لك.
وللإشارة أن الكتابة النسوية هي الأخرى برزت كثيرا في الآونة الأخيرة وحققت نجاحا على المستوى الوطني و الدولي ..أمثال آسيا علي موسى ..جميلــــة زنير ..عائشة بنت المعمورة ..فائزة مصطفى.. ياسمينة صالح ..وأتمنى أن تكون لك وقفة مع إنتاجهن والإستفادة من خبرتك .

* لعلي أكون أكبر الرابحين حين أتعرف على مثل هذه الأسماء التي أنا على يقين أنها تقدم كتابة جادة ، وجهد مختلف ، وأتوقع أن تنجح في فرض كلمتها بعد صراع مع المكرور .
فكرة السطوة الإعلامية كانت قبل عقود قليلة أكثر سيطرة ، وأشد تحكما ، فالآلة الإعلامية الجبارة توسعت وتوحشت ، وبدأت في نشر الفساد ـ بكل ما تعنيه الكلمة من سوء ـ في الأوساط الأدبية ، وبتنا نرى ترويجا لأقلام متهافتة ، ومواهب متواضعة ، هذا صحيح ، لكن ما جادت به التقنيات الحديثة ، ووجود الأنترنت ، والفضائيات ، وغيرها قد تكسر تلك الحلقة المميتة .
في كل البلدان العربية هناك " جماعات " و" شلل " يتم الترويج لها ، واقتصار السفر عليها ، ومنحها الجوائز والتفرغ والسفر إلى الخارج ، وهناك أدباء " على باب الله " ينحتون في الصخر بأظفارهم .
لكننا لا يمكن أن نركن لليأس ، وأتصور أن المسائل قد تحركت لصالح الأجيال الجديدة التي عليها أن تنشر إبداعها ، وتعرف بكتابتها ، وتحدث التواصل المنشود مع جمهور القراء، وعليها أيضا ألا تستنيم لكل مظاهر التواطؤ مع القديم .
الأسماء التي ذكرتيها سأحتفظ بها في ذاكرتي ، وسأدعو جيل الشباب من النقاد ـ أقصد من مصر ـ أن يتعاملوا مع انتاجهم بما يستحق من العناية والرعاية .
وقد قرأت بعض أعمالك ، وأعمال ياسمينة صالح ، ولكنني بحاجة إلى مصادر وكتب تعرفني أكثر بهذا الجيل الجديد الذي بدأ ينفلت من وصاية الأب وعباءة القديم.

قد ولجت أبوابا كثيرة من فنون الأدب :
أين نجد سمير الفيل حاضرا ؟ وأين نجده متغيبا لبرهة من الزمن ؟ وهل الإيثار ـ عندك ـ للمسرح أو للرواية ؟ .


* الحقيقة هذا سؤال سألته أنا لنفسي كثيرا ، ولما نسيته ، وولجت كل بوابات فنون الكتابة الممكنة ، بدأ الناس يسألونني إياه .فضربت كفا بكف وأنا أاري ابتسامتي !
نعم هو سؤال مشروع جدا ومنطقي : أين تجد نفسك؟
في كل مرة أحاول أن أبدو فيلسوفا ، ومطلعا على كل أسرار الحرفة ، فأتحدث بعقل ومنهجية وأرتب كلامي ، وقد يكون أغلبه صحيح فعلا ، لكنني أنسى شيئا هام جدا في الفن هو : النداهة .
نعم . النداهة أو لحظة الإلهام ، أو لنقل تلك الطاقة التي تفتح في السماء لتجد النص يتسرب إليك من حيث لا تدري ، وأنت تمسك القلم محاولا أن تجاري " البث الإلهي "
الذي لا تعرف من أين يأتيك.
هي لحظة تخليق النص ، لا ننكر فيها دور الخبرة ، ولا مجالات التدريب وصقل المهارة ، لكن هناك وراء كل ذلك شيء ساحر هو الذي يدفعك كي تكتب الفكرة هذه في قالب سردي ، وأن تختار فكرة أخرى للمسرح ، فيما تنحي أفكارا أخرى كي تدفعها لمعملك الشعري.

* حاليا ومنذ حوالي ثلاث سنوات أو يزيد وأنا مخلص جدا لفن القصة القصيرة ، وأجدها من أعرق الفنون في الكتابة ففيها حرفة مدققة ، وموقف فكري ، وشعرة جنون ، وملاحة الوجه الصبوح.
كنت قد بدأت شاعرا كما يعرف الجميع وصدر لي خمسة دواوين في العامية المصرية ، لكن " النداهة " أخذتني من يدي وهمست في أذني : هنا مكانك .. لا تبرحه وسوف اسمح لك من وقت لآخر أن تذهب لأحبائك في ديوان الشعر !
وقد سمعت كلامها كالأولاد الطيبين ، وأنجزت حوالي أربع مجموعات قصصية ، ورواية جديدة وصار لي جمهور معقول جدا بالتأكيد لم أحققه في الشعر .
لكنني منذ شهور قليلة حدث لي شيء معاكس ، فقد طلعت لي من البحر ـ وهو قريب من مدينتي ـ جنية رائعة في لحظها الفتاك وجسدها الانسيابي الحلو ، وهمست لي : المسرح يناديك . تقدم يا رجل !
وقد تفرغت مدة من الزمن وأنجزت فيه ثلاث نصوص جديدة .

المسرح يغريك بجمهوره ، وبالنفس الحي للنظارة وهم يكتمون آلامهم ، أو يضحكون أو يتوحدون مع الأبطال في حركتهم الحية . هو عالم سحري وتحصل فيه على حقك في نفس اللحظة .
لكن القصة ابنة التكتم والدهاء والعمل " تحت بير السلم " بمكائد صغيرة ، وخبث فني ، واستدعاء ذكريات . كم تبهجني القصة إذا تسنى لي أن أنحت الشخصية بطريقة صحيحة فتنتصب أمامي كيانا انسانيا من دم ولحم .

حقا . أستطيع أن أبكي وأتطهر في مواجهة شخصياتي القصصية . وأنا سعيد ب" مشيرة " و" نرجس " وتمرحنة " ، وبجرجس أفندي في " المأمورية " وبفرج في " الزلنطحي " وبفتحي المجند الهيمان بالبنت هند في " أرز وعدس " . كم أحبهم وأعتبرهم ـ بدون أي افتعال أو مكابرة أو تزييف ـ من سكان بيتي ومن ضمن عائلتي.


 لماذا يعاني أدبنا العربي الغض من اضمحلال في أدب الطفل ؟ .

* لاأظن أن أدبنا العربي يعاني من الأزمة في أدب الطفل ، فالكتاب فاهمون وعددهم مناسب ، لكننا يمكن أن نشير إلى وجود " شلل " و" مافيا " تحتكر السوق ، ولا تسمح بنفاذ أقلام جديدة إلا بصعوبة بالغة .
ونشير أيضا إلى وجود مؤسسات معينة وجهات من المفترض أن تكتشف الكتاب الجدد في هذا المجال ، لكنها تقوم "بتطفيشهم " والتضييق عليهم كي يصمتوا أو يبتعدوا ، لأن الأرباح هنا هي أساس اللعبة .
كما يمكن أن أشير إلى ارتفاع سعر الكتاب المخصص للطفل فنراه فوق طاقة وقدرة الأسرة المتوسطة .
وربما كان من حسن حظي اليوم أن اتصلت بي الأستاذة الناقدة زينب العسال رئيس تحرير سلسلة " قطر الندى " لتخبرني أن ديوان لي مخصص لشعر الطفل قد طبع فعلا وسينزل الأسواق خلال أيام . إنه ديوان صغير بشعر العامية المصرية اسمه " بستان فنون " . وكل نصوصه كتبتها للروضة او مدارس الأطفال وقد تم تلحينها فعلا ، فالأشعار وكذا الأغاني لا تؤثر في الطفل إلا باللحن والآداء الحلو الرائق .

* كانت لي تجربة ناجحة في مسرح الطفل ، حيث اقوم بتحويل الدروس العلمية إلى مسرح ، وتقابلني صعوبة هي ندرة المخرجين المتخصصين ، لذلك كنت انشطر وأكاد أتميز غيظا وأنا أرى نصا مسرحيا لي يتم تمزيقه بإخراج مدرسي بليد.
المسرح المدرسي هو بوابة الطفل لحب الفن ، وليس معنى أن يكون المسرح تعليميا أن يفتقد المتعة والروقان وجمال المشهد . العكس هو الصحيح إذ لا نجاح لفن المسرح بدون الارتكاز على المتعة البصرية والسمعية ، وحرفية تحريك المجاميع، ووجود خطاب فكري بسيط غير مباشر ولا زاعق .
المسرح مدرسة لتعليم السلوك ، وغرس الوطنية ، والشعور بالإنسانية لو وجد الكاتب والمخرج وطاقم التمثيل المخلص .

* الكتابة للطفل حرفة ، ولحسن الحظ قابلت معلمين ومعلمات كانوا يكتبون نصوصا رائعة بالفطرة ، وكنت اشعر والأعمال تعرض على الخشبة ببراعم تتفتح وبطفولة جميلة تنهل من عذوبة الفن العظيم الذي هو مدرسة للتعرف على الرقة والجمال والاتساق والتناغم الحقيقي مع الطبيعة .
 




  أرشيف تحقيقات صحفية

اطبع الموضوع  

Home