القلم النقدي

 

كاثوليك خارجون عن القانون

رحيم العراقي



 

مؤلف هذا الكتاب هو الباحث والصحافي الفرنسي جان سيفيليا صاحب الكتب المعروفة والكاتب في عدة جرائد ومجلات فرنسية، وكان قد أصدر سابقاً كتاباً بعنوان: «الإرهاب الثقافي». وقد هاجم فيه المثقفين الفرنسيين الذين يرفضون الرأي الآخر ويفرضون رأيهم على الجميع بنوع من الهيمنة التي تصل الى حد القمع للآخرين.
 
والواقع ان اليسار الثقافي أو حتى اليسار المتطرف كان قد فرض نفسه على الساحة الفرنسية طيلة الخمسين سنة الماضية تقريباً، فالسياسة كانت عموماً لليمين، والثقافة لليسار ولذلك ظهرت مؤخراً عملية رد فعل ضده، وهي عملية مشروعة بشرط ألا تتجاوز الحدود المعقولة في نقد الحداثة والتنوير.
 
وفي هذا الكتاب الجديد يحاول المؤلف ان يدافع عن التيار الكاثوليكي المسيحي الذي حاربته الثورة الفرنسية والجمهورية الوليدة. فهو يقول مثلاً إن الحكومة العلمانية الفرنسية سنت العديد من القوانين المضادة للكاثوليكيين بين عام 1901 ـ 1904، وهي قوانين منعت رجال الدين من ممارسة التعليم في المدارس الفرنسية، كما صادرت أملاك الجمعيات الرهبانية وطردت ما لا يقل عن ثلاثين ألف راهب وراهبة، فاضطروا للذهاب إلى الخارج والعيش في المنفى.
 
وفي أثناء الفترة نفسها أغلقت الحكومة العلمانية الفرنسية أربعة عشر ألف مدرسة دينية كاثوليكية، كما ضاعفت من الاعتداءات على طبقة الاكليروس أو رجال الدين المسيحي. ثم عاقبت الضباط الذين يذهبون الى الكنيسة يوم الأحد لاداء القداس باعتبار انهم رجعيون! وأخرت من ترفيعهم في الرتب العسكرية.
 
ولكن الشيء الذي لا يقوله المؤلف هو ان الكنيسة الكاثوليكية مارست القمع الفكري على الناس طيلة العهد القديم السابق على الثورة الفرنسية وكانت تسيطر على نظام التعليم سيطرة كاملة وتمنع حرية الفكر والضمير وتضطهد أتباع المذهب البروتستانتي وتقتلهم وتشردهم في شتى أنحاء العالم أو تجعلهم يعيشون غرباء وهم في وطنهم. هذا الشيء ينساه الكاتب اليميني أو يتناساه.
 
كما ينسى محاكم التفتيش السيئة الذكر حيث لاحقت الكنيسة الكاثوليكية العلماء والمفكرين بل وحتى الناس العاديين وقتلت منهم الكثير أو حرقتهم حرقاً، ويقدر عددهم بعشرات أو مئات الألوف. كما حرمت تداول كتب الفلاسفة من أمثال ديكارت. وغاليليو، ومالبرانش، وسبينوزا، واعتبرتها مهرطقة، وكفرت العلماء والمثقفين وأطلقت الفتاوى في حقهم وأباحت دماءهم. كل هذا ينساه المؤلف أو يمر عليه مرور الكرام.
 
وبالتالي فلا ينبغي ان نستغرب رد الفعل على الكنيسة الكاثوليكية بعد اندلاع الثورة الفرنسية وانتصار نظام الحداثة الجمهوري. فهذا الشيء كان متوقعاً بعد مرور قرون عديدة على تحكم رجال الدين برقاب الناس وضمائرهم.
 
كل هذا لا يذكره المؤلف إلا بشكل عابر وسريع لكي يكرس جهده كله في نقد أعداء الكنيسة الكاثوليكية، فهو يقول مثلاً إن فرنسا تحتفل هذا العام بمرور مئة سنة على تأسيس النظام العلماني وفصل الكنيسة عن الدولة «1905 ـ 2005»، وهذا صحيح، وهو يستغل هذه المناسبة لتصفية حساباته مع مؤسسي هذا النظام الجديد الذي حل محل النظام الكاثوليكي القديم الذي كان قد سيطر على فرنسا طيلة ثمانية عشر قرناً.
 
فهو يقول مثلاً إن الأحزاب السياسية التي حكمت فرنسا بين عامي 1879 ـ 1914 كانت معادية لرجال الدين، وقد أزاحت الكاثوليكيين عن المراكز الرئيسية للسلطة، وقد فرضت قانون العلمنة فرضاً على الشعب الفرنسي دون أي تفاوض أو استشارة سابقة مع الكنيسة الكاثوليكية التي تشكل أغلبية سكان البلاد.
 
والواقع ان العلمانيين كانوا يريدون القضاء على المسيحية في البلاد، وقد نجحوا في مشروعهم الى حد كبير ولكن المؤلف يعترف بايجابيات قانون العلمنة أو فصل الكنيسة عن الدولة على الرغم من كل ذلك، فقد ترسخ في فرنسا ولم يعد احد يفكر في التراجع عنه، ولكن هذا لا يعني ان المناقشة انتهت أو أغلقت كلياً. فالقيم المسيحية ليست كلها خطأ في نظر المؤلف وقد آن الأوان لإعادة النظر فيها أو تبني بعضها من جديد.
 
الكتاب مؤلف من سبعة فصول مع مقدمة وخاتمة، المقدمة تحمل العنوان التالي: عندما يتسلط سيف السلطة على الكنيسة المسيحية ورجال الدين أما الفصل الأول فيتحدث عن موقف ليون غامبيتا مؤسس النظام الجمهوري الفرنسي من رجال الدين، وغامبيتا (1838 ـ 1882) هو الذي رسخ هذا النظام عام 1870 عندما انتصر على الحزب الكاثوليكي اليميني والرجعي المرتبط بالنظام القديم الذي أطاحت به الثورة الفرنسية.
 
أما الفصل الثاني من الكتاب فيتحدث عن انجازات شخصية أخرى مهمة هي: جول فيري مؤسس المدرسة العلمانية والمجانية في فرنسا في الفترة نفسها. ومعلوم أن جول فيري (1832 ـ 1893) كان رئيساً للوزراء أكثر من مرة، وقد ساهم في محاربة الكنيسة والكهنة والخوارنة والمطارنة.

وفي الفصل الثالث من الكتاب يتحدث المؤلف عن محاربة رئيس الوزراء فالديك روسو للرهبان في تلك الفترة أيضاً. أما الفصل الرابع فيتحدث عن الجهود التي بذلها رئيس الوزراء اميل كومب لمحاربة الاكليروس المسيحي وكيف انه حول هذه المحاربة إلى نوع من الايديولوجيا الرسمية للدولة.
 
أما الفصل الخامس من الكتاب فمكرس لدراسة الدور الذي لعبه أرستيد بريان في الفصل بين الكنيسة والدولة. وفي الفصل السادس يتحدث المؤلف عن دعم البابا بيوس العاشر للكاثوليكيين في محنتهم آنذاك.
 
أما الفصل السابع فيتحدث عن نهاية الصراع بين الكنيسة الكاثوليكية والدولة الجمهورية العلمانية، وكيف توصلتا إلى تسوية مقبولة من الطرفين. أما الخاتمة فيكرسها المؤلف للموضوع التالي: ضرورة مراجعة العلمانية لكي نفهمها بشكل جديد: أي بشكل غير معاد للدين وإنما متصالح معه.
 
وهنا يقول المؤلف ما معناه: ما بين عام 1905 و2005 مرت مئة سنة شهدت فيها فرنسا انقلاباً فكرياً واجتماعياً وسياسياً منقطع النظير. فقبل مئة سنة كانت فرنسا لا تزال مسيحية كاثوليكية في معظمها، وكانت الكنيسة تمارس عليها تأثيراً كبيراً، بل وحتى عام 1943 عندما ألف سارتر كتابه الشهير «الوجود والعدم» صرخ يقول: نحن جميعاً كاثوليك! ولم يكن يقصد بذلك انه يؤمن بالمسيحية على طريقة المذهب الكاثوليكي. فهذا آخر ما يمكن أن يخطر على بال سارتر وإنما كان يقصد بأن الثقافة الكاثوليكية تطبع فرنسا بطابعها.
 
ولكن لو عاش حتى الآن ماذا كان سيقول؟ هل كان سيؤكد على الحقيقة نفسها؟ هذا أمر مشكوك فيه فرنسا شهدت بعد عام 1965 انحساراً كبيراً للكنيسة المسيحية وتأثيرها لا ريب في أن غير المؤمنين بالمسيحية كان عددهم كبيراً حتى عام 1960. ولكن مجمل السكان كانوا يعيشون في ظل مجتمع مسيحي.
 
أما اليوم فقد اختلف الوضع تماماً فالذين يمارسون الطقوس والشعائر أو يحضرون قداس يوم الأحد كانت نسبتهم 37% عام 1948، و25% عام 1968، و13% عام 1988 أما اليوم فلم تعد نسبتهم أكثر من 8%!.. وهذا يعني أنه لم يعد أحد يذهب إلى الكنيسة اللهم إلا المحافظون والعجائز.
 
وأما رجال الدين فكان عددهم 13 ألفاً وخمسمئة عام 2004، و42 ألفاً عام 1960وهذا يعني أنهم تناقصوا بنسبة الثلث خلال أربعين سنة، وفي عام 2014 لن يكون هناك في فرنسا أكثر من 4 آلاف وخمسمئة خوري أو رجل دين، وبالتالي فالدين سوف ينقرض تماماً في بلاد فولتير إذا ما استمرت الحالة على هذا النحو.
 
ثم يردف المؤلف قائلاً: وبحسب أحد استطلاعات الرأي العام الأوروبي فإن 90% من الايرلنديين يقولون بأنهم يؤمنون بالله، و87% من الايطاليين، و86% من البرتغاليين، و77% من النمساويين، و68% من الاسبانيين، و54% من البلجيكيين، و53 % من الألمان، و52% من الانجليز.. ولكن فقط 47% من الفرنسيين يقولون بأنهم يؤمنون بالله و45% من الهولنديين.
 
وهذا يعني أن العامل الروحي لا يجيّش الجماهير في فرنسا وإنما فقط حياة الاستهلاك والمتع المادية والجنسية هي التي تعنيها وتحركها ينبغي العلم أن البرامج المكرسة للدين على التلفزيون لا تتجاوز1% من مجمل البرامج الأخرى المكرسة للسياسة واللهو والمنوعات وبقية المواضيع.
 
ونلاحظ ان الايمان كقيمة عليا بحد ذاتها لم يعد له أي وجود بالنسبة للشبيبة الفرنسية. ونلاحظ ايضاً أن مسؤولي البرامج التلفزيونية لا يدعون المثقفين الكاثوليك إلى المشاركة في البرامج، وإذا ما دعوهم فإنهم يهاجمونهم أو يتخذونهم ككبش فداء. وعندما تعلن احدى القنوات أنها ستتحدث عن الدين فإن ذلك يعني أنها تريد مهاجمة الدين واللاهوت المسيحيين بتهمة الرجعية. ولا تسمح للمثقفين الكاثوليك بالرد على هذا الهجوم.
 
وهناك برامج ساخرة عديدة لا تتردد عن الاستهزاء بالبابا والعقائد المسيحية على هواها. ولكنها لا تتجرأ على أن تفعل الشيء نفسه مع الأديان الأخرى كالإسلام واليهودية مثلاً..
 
وأصبح الجهل بالثقافة المسيحية عاماً شاملاً في فرنسا. فطالب الثانوية يمكن ان ينال البكالوريا دون أن يعرف شيئاً عن الإنجيل أو عن يسوع المسيح أو عن دين آبائه وأجداده.
 

 


 




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home