القلم النقدي

 

تفسير الأحلام وتفسير الواقع : هيكل والشعراوي : ماالفرق

محمود الزهيري



تفسير الأحلام وتفسير الواقع : هيكل والشعراوي : ماالفرق ؟

محمود الزهيري

 تفسير الأحلام وتفسير الواقع : هيكل والشعراوي : ماالفرق ؟
الشيخ والسياسي , الخطيب والصحافي , المفسر والمحلل , كل له منطقته وأسلوبه الذي يمتاز به في الأداء التليفزيوني , وفي البراعة السردية , وقراءة الماضي وتفسير التاريخ ,وإستحضار شخوصه المؤثرة , وصناعة التاريخ حرفة لدي البعض وهواية لدي آخرين والمهم هو فيمن يعطي الفرصة في إستجلاب المواد الخام والمون المطلوبة لهذه الصناعة , وفي ظني أن قراءة التاريخ والربط بين أحداثه لإستخلاص العبر والعظات التاريخية لابد لها من محلل لديه جميع الروابط السياسية / الإجتماعية , العسكرية / الإقتصادية , وربط العديد من الروابط بعضها ببعض , وأعتقد أن الشعراوي ومحمد حسنين هيكل قد أجادا في ذلك وأحسنا في أداء كل منهما في دوره حسب المجال الذي يلعب فيه والمنطقة التي يتحرك منها , والأدوات التي يستخدمها , وأعتقد أن الشيخ الشعراوي ومحمد حسنين هيكل قد إشتركا في حالة من حالات إذكاء وإشعال التاريخ وجعله عبارة عن مجموعة من الأحداث التي نتمني أن نعيش في مرحلة من المراحل التاريخية ونكره العيش في مراحل أخري , وفي تعرضهما للتاريخ ودراستهم له كأنهما يقومان بمهمة إبن سيرين مفسر الأحلام الذي هوس الناس علي مدار التاريخ والأزمان بتفسيراته للأحلام واللعب علي مشاعر الناس المكبوتة التي هي في الغالب نتاج صراعات سياسية / إجتماعية لتحقيق الغلبة الإقتصادية, أدت لظهور حالات فساد متتالية من حكام فاسدين إستبدوا بالحكم والسلطة , وسلبوا ونهبوا الشعوب , وبددوا خيرات الأوطان من أجل مصالحهم الشخصية ومصالح أهل الثقة المقربين منهم , وإستبعاد أهل الخبره لأنهم هم الصداع في رأس سلطة الفساد علي مر العصور والأزمان , وكان لتفسيرات الشعراوي و محمد حسنيين هيكل ماكان لإبن سيرين مفسر الأحلام التي هي كانت تاريخ ولو منذ فترة قصيرة , دون التعرض للواقع المعاش بكل همومه وآلامه وأحزانه , بكل تعسف في إستخدام السلطة والميل بها لمصلحة الحكام والطبقات المترفة المقربة من مؤسسات صنع القرار , ودون التعرض لكافة الإشكاليات التي تقف حجر عثرة أمام نهوض الشعوب والأمم المستعبدة من الداخل علي أيدي حكامها الذين هم جلادوهم وساجنوهم وهاتكي أعراضهم للوصول بهم بحالة من حالات التركيع والخضوع والخنوع والمذلة للسكوت عن سرقاتهم للشعوب والأوطان وتبديد مقدرات وثروات الشعوب والأوطان , ومن ثم يتأتي الإستعباد من الخارج علي أيدي دول فتية قوية عرفت طريق القوة والحضارة والعلم والثقافة والنهضة فسارت في هذا الطريق بإرادة الحكام التي هي في الأصل خاضعة لإرادة الشعوب وجماهير الشعب , لأن إرادة الحاكم غير منفصلة عن إرادة الشعب , والشعب هو الذي يأتي بالحاكم وهو الذي ينحيه ويعزله وفي القاموس السياسي يسقطه ويسقط حكومته .
فالشيخ الشعراوي كان يستجلب النصوص المقدسة من بين دفات الكتب ويستعرضها علي جمهوره ومحبيه ويمنيهم بالبطولات والزعامات الدينية في أحلك المواقف التاريخية , وتظهر البطولة ويبرز البطل الملتصق بالموقف , والموقف صنيعة البطل , والكل يتمني أن يكون البطل , وفي المواقف التاريخية التي تبرز فيها دور المعصية والخسة والندالة الكل يتمتم ويتصعب علي الأمر ويلعن صاحب الموقف الخسيس وتتم حالات التمتمة والتبسم الممسوح بمسحة التألم والحزن , وينتهي الشعراوي من درسه وينتهي الناس من السماع ويعودوا لعجلة الحياة بما فيها من مشاكل ومحازن , وهموم وأتراح إلي أن يأتي الدرس القادم الذي لم يتم تفعيل درسه الأول في الحياة الذي يصطدم به في الحياة وتنتصر مشاكل الحياة علي النموذج التاريخي والديني لوجود خلل في المنظومة الإجتماعية / الإقتصادية / السياسية .
وهكذا الأستاذ محمد حسنيين هيكل مثله في ذلك مثل الشعراوي لايختلفان في شئ سوي أن الشعراوي يستجلب من التاريخ النماذج الدينية ذات البطولات الدينية والبعد الروحي الملتصق بأمور العبادة والطاعة والحساب والعقاب والجنة والنار , فهو يستطرد ويسترسل في حكاوي التاريخ الذي يغمسه في الجغرافيا لإضفاء الحبكة التاريخية علي الأحداث التاريخية التي تشد إنتباه المستمع أو القارئ وحالياً في قناة الجزيرة الفضائية المشاهد , وكأنه يفسر أحلام بمفهموم إبن سيرين , دون التعرض لتفسير الواقع المؤلم الحزين , الواقع السئ الذي يعيشه المواطن ويتنفسه بين ضلوعه ألماً وحزناً وكمداُ ونكداً وقهراً وفساداً وإستبداداً وسرقةً وسلباً ونهباً وخيانةً وعاراً ومذلةً وهواناً من واقع الأمة العربية الذي أصبح غير واقع فالأمة العربية تخرج من التاريخ خروجاً مزرياً مهيناً علي أيدي فساد الحكام وركوعهم للأجنبي , ويريدون تركيع شعوبهم معهم حينما يأمرونهم بالركوع , فالأمة العربية لن تعود للتاريخ قبل فترة زمنية طويلة مرهونة بتخليص الشعوب من الحكام الخونة العملاء سارقي الأوطان وبائعي شرف الشعوب والمتاجرين بكرامة الأمم , فهذا هو الرهان فقط الذي من خلاله يمكن للعرب أن يبدأوا في دخول التاريخ من خلال أول الخطوات بتخليصهم من حكامهم .
فبماذا يختلف هيكل عن الشعراوي ؟
فالشعراوي قال لمبارك : إن كنت قدرنا أعاننا الله عليك , وإن كنا قدرك أعانك الله علينا .جملة قيلت في لقاء جمع بين الشعراوي ومبارك في جمع وجمهرة من علماء الدين ورجال المؤسسة الدينية الرسمية , فماذا كانت تعني هذه الجملة سوي التسليم بالأمر الواقع والإنقياد له دون مواجهة بأخطاء , أو طلب تصحيح لأوضاع خاطئة , أونقد بناء , أو طلب تصحيح مسار خاطئ , أو المطالبة بجملة من المطالب التي تساعد في رفع يد الظلم ومحاربة الفساد علي جميع جبهاته أو حتي مطالبة مبارك بترك الحكم والسلطة والبدء في حياة ديمقراطية سليمة ينعم فيها المواطن ويستقل من خلالها الوطن . فهل قال الشعراوي ذلك ؟
االشعراوي مات , وبقيت كلماته حية نرددها حتي الآن ونرفض مقولته هذه بل وفي أحيان نمقتها ومن حقنا أن نمقتها لأن الشعراوي لم يعاني مما عاني منه الشعب والجماهير المطحونة , فهو لم يستقل أوتوبيس عام ولم يقف أمام مخبز بلدي , ولم يشتري القماش الكستور أو الزفير , ولم يلعن الفقر بسبب عدم مقدرته علي شراء زجاجة زيت أو كيلو سكر وباكو شاي وعلبة دخان معسل أو سجائر لف أو غيرها من السلع .
وكذلك هيكل أخذ يفسر الأحلام التاريخية والكوابيس التاريخية وفي إنتظاره لنا أن نتعلم العبرة والعظة من التاريخ وللأسف لم نتعلم نحن ولم يتعلم الأستاذ هيكل لأنه مازال مصراً علي تفسير الأحلام وتفسير الكوابيس معها دون رغبة منه في تفسير الواقع وتحليله وإعطائنا الخريطة التي يتوجب علينا السير بها في الخروج من الكهف المظلم الذي أدخلنا فيه القرار السياسي الفاسد الملازم للقرار الإقتصادي اللص السارق لآمال وأحلام شعب مطحون ومعجون في الفقر والمرض والذل والمهانة والعار علي مستوي الأفراد وعلي المستوي الوطني , ومصيبة فلسطين ولبنان ومن قبلهما العراق شاخصة بأبصارها لنا قائلة المصيبة هاهنا في فلسطين ولبنان والعراق مستنجدة بالعروبة والمسيحية والإسلام قائلة أنا مصيبة عربية من دم عربي ومن لحم عربي ومن إحساس وشعور عربيين أرجوكم خلصوني من المزلة والعار والهوان وإلا سيلتصق بكم قبلي , ونحن نرفض ونأبي إلا الإصرار علي المذلة والعار والهوان والفضيحة في صورة حكام خذلوا العروبة وأهانوا الشعوب . وهيكل كالشعراوي أيضاً لم يركب أوتوبيس عام ولم يقف أمام مخبز بلدي ولم يلعن الفقر بسبب علبة سجائر لأن بمقدرته أن يشتري علب السيجار الكوبي الهافاني الرائع المصنوع علي أفخاذ الحسناوات العذاري من الكوبيات من أقارب صديقه فيدل كاسترو المناضل الثوري. فهل سيصر هيكل علي تفسير الأحلام والكوابيس ويتجاهل ويتناسي عن عمد تفسير الواقع شأنه في ذلك شأن الشعراوي ؟؟!! أقول له إن الشعراوي قد مات !




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home