القلم الفكري

 

الهرمجدونية وثقافة الإنتحار

محمد العرادي



الهرمجدونية وثقافة الانتحار

 

لا أحد يستطيع ان يوّقت ويحدد متى سينتهي العالم، فقد كذب الوّقاتون فعلم الساعة عند الله( يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ ) ولكننا نستطيع أن نؤكد بان العالم لا محالة سينتهي في يوماً من الأيام، والعلامات تشير لذلك فالعالم امتلئ من الفتن والقتل ما يندى له جبين الإنسانية، وبالذات ما يحدث في عالمنا الإسلامي، وبالخصوص ما نشاهده في بلاد المقدسات العراق، وما حل بلبنان الجريح، وتمادي المعسكر الصهيوني المسيحي الأصولي وهيمنته على العالم، وإمعانه في قتل الأبرياء بدم بارد يقابله صمت مطبق من جانب الحكومات الإسلامية العربية، وكأنها أصابها الصمم الإنساني كما أصابها الصمم العربي والإسلامي ...

أن ما نراه اليوم من اتفاق صهيوني مسيحي ( أمريكي ) ليس وليد الساعة، فطالما استهدف العالم الإسلامي والعربي بهجمات مزدوجة موجه من الصهاينة والمسيحيين الأصوليين، والحروب الصليبية خير مثال على ذلك، والتي ابتدأت حركتها الفعلية بالخطبة التي ألقاها البابا ( أوربان الثاني ) في جموع الجماهير المحتشدة في منطقة كليرمون جنوب فرنسا، والشيء الخطير في هذه الحروب ليس تجييش الجيوش من قبل البابا ( أوربان ) لدحر الإسلام، وإنما هوية هذه الحرب التي طالما كنا نقرأ عنها أنها مسيحية، ولكن العكس هو الصحيح، فالواجهة لهذه الحرب مسيحية ولكن الأصل يهودية، وستتضح الحقيقة عندما نعرف ان الهوية الدينية للبابا ( اوربان الثاني ) هي اليهودية، فقد كان يهودي الدين والعقيدة، وأنه ينحدر من عائلة ( آل بيرليوني ) العريقة في يهوديتها وفي كيدها للعالمين المسيحي والإسلامي على حد سواء ..

يشهد الشرق الأوسط مخاض عسير، لولادة شرق أوسط جديد بسيناريو أمريكي صهيوني، هذا ما جاءت به الولايات المتحدة لتقدمه للشرق الأوسط القديم لتعيد تجديده وفق رؤيتها الاستعمارية، وما هذا المخاض العسير إلا تحضيرات مكثفة واستعدادات مثيرة في انتظار نبؤتهم المغلوطة ( هرمجدون ) والحرب النووية المدمرة للعالم، وحلول السلام بنزول السيد المسيح (ع)، وهرمجدون كلمة عبرية معناها تل مجيدون، ويوجد بشمال فلسطين تله كبيرة أسمها تل المجيدية، وفي اعتقاد المسيحيون الجدد كما أطلقوا على أنفسهم ان هذه الحرب سيموت فيها أكثر من ثلاثة مليارات إنسان، وتندلع شرارتها من جبل الهرمجدون الواقع على بعد خمسة وخمسون ميلاً عن تل أبيب ومسافة 15 ميلاً من شاطئ البحر المتوسط ...

وهرمجدون هي الطريق لنجاة أمريكا حسب وجهة نظرهم، فالهرمجدونية لها مرتكزات عقائدية ومبادئ ثلاثة، أولها: الإيمان بعودة المسيح وثانيها: قيام دول إسرائيل لن يتحقق إلا بتجمع اليهود في فلسطين وثالثها: شريعة الله وحدها التوراة هي التي يجب ان تطبق على اليهود في فلسطين ..

والملاحظ على هذه المبادئ أنها مشروطة بقيام دولة إسرائيل في فلسطين (الشرق الأوسط الجديد ) وهذا يفسر التعاون الأمريكي الصهيوني للقضاء على الإسلام، وتحطيمه تحت ما يسمى الحرب على الإرهاب، فإقامة دولة إسرائيل مشروع صليبي قبل ان يكون مشروعاً يهودياً، تبنته نخبة بروتستانتية في العالم النصراني الغربي قبل مؤتمر بازل عام 1897 بثلاثة قرون تقريباً، فهذه النخبة البروتستانتية هي صاحبة مشروع إعادة اليهود إلى فلسطين، وإقامة دولة إسرائيل وهدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل الثالث مكانه ..

ان العلاقة الصهيونية المسيحية الأصولية هي التي أفرزت ما يعرف بالحركة التدبيرية، والتي تعتبر من أهم وأخطر الحركات الصهيونية المسيحية الأصولية، والتي تسيطر على الإعلام وعلى شبكات إعلامية عالمية مثل فوكس الإخبارية، وإن – بي – سي، و سي إن إن، ناهيك عن 1400 محطة دينية في أمريكا يبثون رسالة تحت عنوان ( هرمجدون قادمة ) وتشارك في البيت الأبيض ومجلس الأمن القومي الأمريكي ووزارة الخارجية فلا نعجب والحال كذلك اذا استمر الصهاينة في قتل الأبرياء في لبنان وفلسطين ..

فالولايات المتحدة تعتبر إسرائيل هي البوابة لهرمجدون، وتعتبرها مفتاحها للبقاء، وربما هذا ما عبر عنه في البرنامج التلفزيوني الخاص والذي استمر لساعة كاملة، بعنوان ( إسرائيل مفتاح أمريكا للبقاء ) وقد ختم المقدم برنامجه بنداء وجهه للمسيحيين، يناشدهم فيه بتوقيع بيان البركة لإسرائيل، وقال أن هذا البيان مهم بنوع خاص لان الحرب مقبلة ( يقصد معركة هرمجدون ) وقد صدر هذا البيان في صيف 1983 وفي سنة 1984 جمع مقدم البرنامج ( إيفانس ) توقيعات مليون مسيحي لالتماس دولي بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وقد حمل هذه التوقيعات في مجلدين ممتلئين ليقدمها إلى شامير رئيس الوزراء ليبادله الأخير العواطف وهو يبكي قائلاً ( إن أولئك المسيحين يحبوننا حباً عظيماً )) وفي اعتقادي ان علاقتهم ليست محبة وإنما مصالح مشتركة، فأمريكا تتخذ إسرائيل وسيلة لوقوع هرمجدون .

والغريب في الأمر ان الرؤساء الأمريكان يؤيدون وبشدة هذه النبؤة الهرمجدونية، والمتتبع للسياسة الأمريكية اتجاه هذه النبؤة يلمس مدى تغلغلها في أفكار الرؤساء الأمريكان، فقد صرح الرئيس ريجان بأنه كان يشعر عند الانتخابات الأمريكية بأن المسيح يأخذ بيده، وأنه سوف ينجح ليقود معركة الهرمجدون التي يعتقد أنها ستقع خلال الجيل الحالي في منطقة الشرق الأوسط ، ويقول في تصريح آخر أن نهاية العالم قادمة ويراها الرئيس كما تفسر النظريات معركة هرمجدون حينما تغزو جيوش السوفيت والعرب وآخرين دولة إسرائيل، وستباد جيوش الغزاة بواسطة قنبلة ذرية محدودة، وسيموت ملايين اليهود أما المتبقي منهم سيتم إنقاذهم بواسطة جيش المسيح والذي سيعود إلى الأرض لمعاقبة القوى المضادة للإسرائيليين وسيقضي على قوى الشر في معركة هرمجدون .

أن فكرة نزول المسيح وارتباطها بمعركة هرمجدون، دفعت حركات إلى الانتحار بشكل جماعي للتعجيل بعودة المسيح !! والذي سيخلصهم، ومن هذه الجماعات جماعة ( كوكلس كلان ) العنصرية والنازيون الجدد وحليقو الرؤوس، وجماعة ( دان كورش ) الشهيرة التي قاد زعيمها ( كورش ) أتباعه لإنتحار جماعي قبل عدة سنوات بمدينة (أكوا) بولاية تكساس من أجل الإسراع بنهاية العالم !! والقس ( جونز ) قاد هو الآخر انتحاراً جماعياً لاتباعه في ( جواينا ) لنفس السبب ..

ان عقلية هؤلاء المنحرفون هي عقلية الغباء والجهل المركب، وربما السياسة الأمريكية تنحى هذا المنحى وتريد هي الأخرى ان تنتحر بتدخلها في شؤون الشرق الأوسط ، ويجب ان يعلم الصهاينة والمسيحيون الأصوليون ان الإسلام لم ولن ينتهي، وحملة شعار النصر والشهادة ما زالوا صامدين في وجه الطغاة ..

نحن نتفق معهم بان السلام سيحل بالعالم ولكن ليس وفق نظريتهم الهرمجدونية، التي تجعلهم ينتحرون بغباء من أجل التسريع بها، والفرق كبير بين ثقافة الانتظار ( انتظار الفرج ) وثقافة الانتحار والهزيمة، فالعالم سيحل به السلام ولكن بعد ان يمر بمرحلة التطهير والتنقية على يد الإمام الحجة صلوات الله عليه وعجل الله فرجه الذي سيملئ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجورا، إنها حقيقة لا تقبل التشكيك، والغلبة في نهايتها للمؤمنين الصابرين والمستضعفين (( ونريد ان نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ) نعم فالإمام الحجة هو وراث الأرض، وسينزل السيد المسيح عليه السلام في آخر الزمان ليصلي خلف الإمام الحجة صلوات الله عليه لا كما ذهب الهرمجدونيين بأن السيد المسيح سيحررهم من الأعداء، ستنقلب نظريتهم للعكس تماماً فهم الأعداء الذين ستطّهر الأرض منهم ويحل السلام الأبدي عندما يذهبون هم والصهاينة بسيوف الحق والعدل .




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home