كتاب العدد

 

أنسنة الشعر

فوزي كريم



أنسنة الشعر
  تأليف :فوزي كريم 
 
  ناسفاً مُقتربات الحداثة العربية شعراً ونقداً ورافضاً ادعاءاتها الشكلانية ونماذجها النمطية يمضي الناقد العراقي حسن ناظم في تأسيس مُقترح نقدي مُغاير يشدِّدُ على الالتفات إلى تجليات «الأنسنة» وهو مقترحٌ استبعدته الحداثة العربية من برامجها التي رماها المؤلف ضمناً بالتقليدية والتخلف؛ لأنها جسدت عبودية للثقافة المنغلقة والمغلقة وتورطت في الاستجابة العمياء لمحددات الحداثة الغربية فكانت النتيجة أنْ أنتجت نسخةَ حداثة شوهاء.
 

ضمن هذا المدخل النقدي يحاول حسن ناظم تجلية المشهد الإبداعي العراقي شعراً ونقداً خلال العقود الثلاثة الأخيرة في انحياز واضح للتاريخ وما يحيل عليه من دلالات. وحسب حسن ناظم فإن الإبداع العراقي، في عقوده الثلاثة الأخيرة، قد عاش اغتراباً ثقافياً حاداً إذ إنه ظل حبيس أنظمة مُغلقة وضعت الإنسان خارج حدودها وراحت تُدافع عن نموذجين فاسدين ،
 

نموذج الطاغية المُتجسد في تمجيد الحزب والقائد، ونموذج الشكلانية المتمثل في النصوص الرمزية التي أعلت من شأن الغموض والانزياح بحثاً عن الفرادة والجدة. إن هذه الحالة كانت سمة غالبة على عموم المشهد العراقي، مما يعني أن المبدع العراقي كان متورطاً بشكل أو آخر في تشكيل حالتي الخراب والاغتراب اللتين صاغتا الإبداع العراقي.
 

ولم يقتصر تمجيدُ الحزب والقائد على الشعراء الذين أسهموا في صياغة خراب المفاهيم بإنتاجهم شعراً يكيلُ مديحاً بائساً لصدام وإنما شمل النقاد الذين أخذوا يروِّجون لأدب الحرب والقيادة العصماء ويسوِّغون النصوص التي تمجِّدها.
 

كما أن النصوصَ الإبداعية التي نحتْ منحيً مُختلفاً في مُحاولة عدم السقوط في النموذج الأول إنما انهمكت بتفاصيل إبداعية لا علاقة لها بالواقع وقضاياه وبالإنسان وحساسياته. وإذا كان أدباء النموذج الأول «نموذج الطاغية» الذين رافقوا خطاب الدولة الرسمي قد ارتكبوا مواقفهم مدفوعين بقناعة جوهرية أو أوهام مُزيفة أو امتيازات وحضور متواصل فإن أدباء النموذج الثاني «نموذج الشكلانية» كانوا يصدرون عن مواقف وتحفظات مرتبكة مُتذرِّعين بضرورة اتِّقاء البطش، الذي يقع عليهم لعدم انخراطهم في نموذج تمجيد الطاغية، بالانهماك بكتابة نصوص مُغرقة في الرمزية ونقد مُتعال على الواقع فكانت النتيجة التهاء بالمناهج الحديثة ومصطلحاتها دون توظيفها توظيفاً نافعاً.
 

ويتضمن طرح حسن ناظم، في مقدمة الكتاب، جرأة ومكاشفة كبيرتين؛ إذ إنه يرصد أبرز المظاهر التي شكَّلت مدونة الكتابة العراقية لتفسير أسباب السقوط والخراب. إنه عمل آركيولوجي، بمفهوم ميشيل فوكو، يسعى إلى مُلاحقة تناقضات المشهد للقبض على جوهر الأزمة، فمقاربةُ حسن ناظم ليست بريئة إنها تُضمر ولا تُخبر بل إنها تدفعُ القارئ لإكمال الدلالات واستنتاج المقالات. فهو عندما يستخرج هذين النموذجين المتناقضين فإنما يسعى إلى بلورة موقف نقدي منهما وذلك بالربط بينهما وبين إفرازاتها الثقافية الراهنة المتمظهرة في قيم الإهانة والتعذيب والقمع وثقافة القتل والقتل على الهوية والتغييب والتصفية.
 

لقد ظلت مفاهيم الأنسنة وقيم التسامح والتآخي غائبة في النصوص العراقية والخطاب الثقافي العام الأمر الذي يدفع للبحث على إجابات شافيات توضحُ أسباب غياب مفاهيم الأنسنة وحضور مفاهيم الاغتراب لاكتشاف عوامل فساد الروح العراقية وخرابها. لذلك كان اختيار تجربة المبدع العراقي فوزي كريم الذي ينتمي تاريخياً لجيل الستينات رغم عدم تطابق مشروعه الشعري مع أطروحات جيل الستينات التي حكمتها الإيديولوجيا سلباً مما أدى إلى تأطير الإبداع وتقييده.
 

ويسوِّغ حسن ناظم اختياره تجربة فوزي كريم بأنه يُعد «الأبرز من بين ثُلة من الشعراء الذين نافحوا عن مقتربهم الفني الإنساني حتى الآن... ومن جهة أخرى، يوفر العالمُ الشعري الذي تبنيه أشعار فوزي كريم ممهدات مهمة لأسئلة تخص رسالة الشعر والشاعر في الحياة، كما أنها تضع معالجات ناضجة لمعضلات علاقة الشعر بالحياة».
 

إن تجربة فوزي كريم، حسب حسن ناظم، تمثل مدخلا ملائماً لاكتشاف المواقف الإنسانية في الشعر. وهنا يستخدم المؤلف مصطلحاً مهما هو «الكفارة النقدية» في إشارة واضحة إلى مفهوم الخطيئة التي تدفع مُقترفَها إلى التعجيل بالتوبة. مما يعني أن حسن ناظم في هذه الدراسة يعلن موقفاً نقدياً واضحا هو البراءة من النموذجين اللذين سادا خاصة إذا علمنا أنه قد كتب أطروحتين تنتميان إلى النموذج الثاني هما: مفاهيم الشعرية، والبنى الأسلوبية في شعر السياب.
 

فالدافع الذاتي يشكل حافزاً إضافياً لولوج هذه المساحة التي أغرتْ حسن ناظم باقتحام نصوص بكر لرصد أبعاد إضافية وتكفير عن أوهام الحداثة النمطية التي شكلت الوعي ذات كتابة رعناء زينت للكتاب فضيلة الاغتراب، وآية ذلك تشديده على حاجة الكتابة العراقية إلى شعراء ونقاد توابين. إن هذه الدراسة طموحٌ إلى تدشين مقترب جديد في الدراسات الأدبية العراقية بغية استخراج مفاهيم النصوص ودلالاتها الأكثر عمقاً ورسوخا من أجل العثور على مكامن توتر الروح العراقية وأوجاعها وانتكاساتها.
 

ينطلق حسن ناظم، في فرضيته، من مدخل فوزي كريم النقدي المتمثل في كتابه «ثياب الإمبراطور: الشعر ومرايا الحداثة الخادعة، دار المدى، 2000» حيث يبدأ حسن ناظم بتحليل الاستعارة الماثلة في عنوان كتاب فوزي كريم. فالشعر العربي المعاصر، حسب فوزي كريم، كان يتخذ لنفسه أحد مسارين: مسار التجربة الروحية، أو مسار التجربة اللغوية.
 

وقد أدى تفوق مشروع الحداثة الشعرية إلى دفع مسار التجربة اللغوية إلى واجهة المشهد الشعري فكان أنْ راج الاتجاه الشعري الذي يعد أدونيس أحد أقطابه. وفي المقابل تم وصم مسار التجربة الروحية بالتقليدية والرجعية نتيجة هيمنة النقد الحداثي الذي لا يتورع حسن ناظم عن نعته بالأبوي.
 

ويستأنف حسن ناظم ملاحقته تصورات فوزي كريم النقدية التي تقوم على تأسيس مُفاده: أن الشعر يقوم على هيمنة التجربة الروحية الفردية على كتابة الشعر. فالتجربة الروحية هي مقياس الشعرية. ويرد حسن ناظم على دفاع فوزي كريم عن تجربة السياب الشعرية التي عدها فوزي كريم استثناء في مشروع الحداثة الشعرية ، لأنها تمثل مجايلة واعية للحداثة الغربية. فالسياب، حسب فوزي كريم قد راجع الحداثة الغربية مراجعة العارف الواثق وأنه تمثلها تمثلاً سليماً.
 

لكن حسن ناظم يرمي رأي فوزي كريم بالعجلة؛ لأنه يفترض إرادة فردية خارقة وهو أمر يُفقدُ النظر الفاحص الكلي مصداقيته. ثم إننا، والكلام لحسن ناظم، سوف نصطدم بأدونيس الذي اشتق لنفسه فهماً مغايراً لمجايلة الحداثة. أم مقاربة فوزي كريم الظاهرة الأدونيسية فيرى حسن ناظم أنها رغم تبصرها وأهميتها إلا أنها غير كافية؛ نظراً لأنها جاءت متأخرة بعد أن أصبحت الظاهرة مستفحلة.
 

لقد رأى فوزي كريم أن تجربة أدونيس الشعرية تمتاز بكونها تعاني من الانطفاء الروحي، إضافة إلى وصفه حداثته بالرجعية؛ ذلك أنّها قامت على التلاعبات اللفظية والصور الذهنية. فأدونيس، في نهاية الأمر، شاعر اللفظية الذي تستحوذ عليه اللغة الذهنية والبلاغة المتعالية والأشكال الباهرة.
 

ويرى حسن ناظم أنّ أطروحة فوزي كريم بصدد الحداثة الغربية ينقصها فهم مكونات التأثر والتأثير التي تمتلكها الحداثة الغربية تلك التي تملك قوة هائلة في طرح وفرض برامجها، وأنّ الثقافات الأخرى لا تملك فرص مجابهة هذا المشروع الجذري الذي عصف بالثقافة الغربية المحافظة. لكنّ حسن ناظم يُبدي تضامناً مع فوزي كريم فيما يتعلق بتلقِّي المناهج النقدية في الثقافة العربية المعاصرة، إذ يرى ناظم أنّ الناظر في المنجز النقدي العربي المعاصر يقف على كمٍّ هائل من العاهات القرائية المتعلقة بالترجمة، والمصطلحات، والتلفيقات، والإجراءات التطبيقية.
 

ويبحث حسن ناظم في مكامن الافتراق والتطابق بين مشروع فوزي كريم في «ثياب الإمبراطور» ومشروع عبد الله الغذامي في «النقد الثقافي» ويرى أنّ المشروعين يتوجهان من الظاهر اللفظي إلى الباطن الدلالي، فالغذامي يراهن على مفهوم النسقية الثقافية التي ينبغي تفكيكها وصولاً إلى كشف بنى الاستبداد والشمولية الكائنة في الشخصية العربية، في حين يطمح فوزي كريم إلى استدراج النقد والفكر لمعالجة البنى المستحكمة في الثقافة العربية والمترسبة لا شعورياً في وعينا.
 

ويعالج الناقد حسن ناظم في الفصل الثالث «الذات ينبوعاً للتجربة الشعرية» في إشارة واضحة إلى ذاكرة الشاعر ودورها في صوغ العوالم الشعرية، ويستعين بمقاطع شعرية من قصائد الشاعر فوزي كريم تُثبتُ حضور التجربة الروحية بتفاصيل ومكونات هائلة يعالجها حسن ناظم بحسٍّ تأويليٍّ كثيف. وفي الفصل الرابع يبحث حسن ناظم عن صورة الشاعر فوزي كريم التي يبدو فيها شاحباً حيناً، وقدّيساً حيناً، وساحراً حيناً، وشاعراً بالذنب والمرارة حيناً آخر.
 

ولعلَّ حسن ناظم حاول الكشف عن صورة فوزي كريم من خلال مقاربة سيرته الذاتية الموسومة ب«العودة إلى كاردينيا» وسيرة نصوصه الشعرية. ويستعرض حسن ناظم في الفصل الأخير مفهوم الشعر عند فوزي كريم من خلال عنوان «الشعر الواصف». فالشعر عند فوزي كريم نتاج المزاوجة الواعية بين التجربة الفعلية المتشكلة في أزمنة وأمكنة مختلفتين وبين التجربة الروحية التي تعيدُ تشكيل المكونات المختلفة شعرياً.
 
إنَّ هذا الكتاب لا ينتمي إلى حقل النقد الأدبي بشكل مباشر وإنما هو سليل الكتابة التي تجعل من الخطابات المختلفة مجالاً حيوياً للنقد والقراءة والتحليل.
 
هيثم سرحان
 
* الكتاب: أنسنة الشعر مدخل إلى حداثة أخرى

* الناشر: المركز الثقافي العربي - بيروت 2006 
 




  أرشيف كتاب العدد

اطبع الموضوع  

Home