القلم السياسي

 

من الآخر

توفيق الحاج



من الآخر..!!‏
‏ توفيق الحاج‏
في حرب الاسرى هذه..والتى تقترب من نهاية شهرها الاول ..‏ لن تنتصر اسرائيل..ولن تهزم المقاومة الفلسطينية..ولن يفكك حزب الله..‏ المنتصر الوحيد ..سيكون المفاوضات مباشرة كانت أم غير مباشرة..!!‏ اسرائيل رغم ما تفعله في لبنان ستقضم قليلا من عنجهيتها وتنزل رويدا رويدا عن ‏شجرة شروطها العالية تحت ضغط النزف الاقتصادي وعدم تحمل شمالها وجنوبها ‏البقاء في الملاجىء هربا من أمطار الكاتيوشا والقسام ولقناعتها كذلك بعدم جدوى ‏فزاعتها العسكرية برغم ما تخلفه من مذابح ودمار فلا هي حطمت بطائراتها ‏الجهنمية حزب الله في أربعة أيام كما وعد جنرالاتها ولا هي استردت حتى بسطار اسير من أسراها في غزة أو لبنان .‏وما تتوقع حدوثه في الجنوب على طريقة "فتح لاند " لن يحدث مع "حزب الله لاند ‏‏"لأنالفارق كبير في القوة والاسناد والتجربة وهذا ما يدعو إلى احباط وارتباك ‏متزايد في قيادتيها السياسية والعسكرية معا وقد ظهر ذلك في التعتيم الاعلامي ‏واعتقال المراسلين وتهديد رئيس شبكة معا بالقتل إن لم يتوقف عن الترجمة الفورية ‏لردود الفعل في التلفزيون والصحافة العبرية..!!‏
حزب الله كذلك بغض النظرعن عواطفنا المتأججة معه وبرغم انه فعل ما لم يفعله ‏العرب مجتمعين منذ نشوء الصراع لن ينتصر كما فعل في عام 2000 بسبب تجييش ‏أمريكا العلني للعالم و الطابور اللبناني الخامس مع ثلاثة أرباع الحكام العرب وراء ‏اسرائيل..ومع كذلك لن تستطيع هذه القوى مجتمعة أو منفردة تفكيكه كما تحلم برغم ‏ال350ضحيةلبنانية حتى الآن والتدميرالهمجي الواسع ..!!‏
لقد باتت اسرائيل للاسف الشديد تستنجد بتصريحات مسمومة لبعض الساسة ‏اللبنانيين والعرب المعروفين بولآتهم المريبة إلى درجة إن سفيرها في الامم المتحدة ‏يستشهد علنا بأقوال بعضهم ..!!
وكذلك فإن معظم الحكام العرب باتوا في حرج شديد ‏مما يفعله حزب الله وأصبحوا يتمنون سحقه بل إن بعضهم تجاوز الامنيات إلى دائرة ‏التواطؤ .‏
إن المتأمل جيدا لما يدور الان يرى إن الامر أشبه بلعبة ورق بين لاعبين كبيرين ‏وكل منهما يملك جواكرا هامة في حسم اللعبة ومما يؤسف له أن العرب جميعا مجرد ‏جزء من أوراق اللعب هذه رغم أن اللعبة تجري على صدورهم ومؤخراتهم..!!‏
من مفارقات هذه الحرب إن اسرائيل تتباهى بوقوف دول العالم المؤمرك معها وهي ‏التى لم تعر اهتماما لذلك طوال تاريخها وتطالب بتنفيذ قرار مجلس الامن 1559 ‏بخصوص لبنان وهي التى بالت على كل قرارات الامم المتحدة السابقة ولم تنفذ منها ‏إلا قرار اعلانها كدولة ..!‏‏ ‏ومن المفارقات كذلك إن دولا عربية وقفت وتقف أمام مايجري في فلسطين ولبنان ‏بحجة العقلانية موقفا مخزيا هو أقرب مايكون إلى موقف كوستاريكا وجاميكا والله ‏يخلف على فنزويلا شافيزالتي بدت أكثر اسلاما وعروبة ونخوة..!!‏
ومن المفارقات أيضا..أن نقرأ ونسمع لنخبة المستعقلين والمستغربين جدا من المثقفين العرب الذين يفتون في عضدنا ويبثون عن عمد روحا انهزامية محبطة يهش لها ‏الاسرائيليون..!! وتنز من تحليلاتهم وتحللاتهم ولاءات لامتناهية لوحدانية أمريكا ‏ونبوة اسرائيل وتلمس بين كلماتهم الوقحة شماتة وحقدا متحجرا على الرموز ‏‏.. والتاريخ .. والهوية دون أدنى ذرة خجل..ولايعدمون حججا تافهةوملقنة عن خطر ‏النفوذ الايراني على المنطقة وكأننا كنا دائما في ظل طوائفهم المتهالكة ننعم بحرية ‏ورخاء منقطعي النظير وهم يعلمون أنهم و سادتهم لم يكونوا في أفضل الاحوال إلا ‏نعاجا مترهلة في حظائر تكساس..!!‏
ربما كنت سأصدق مقولات هؤلاء لو استطاعوا بعقلانيتهم الفذة تحرير ولو عشرة ‏أسرى من سجون الاحتلال أما تحرير الصورة بعيون اسرائيكية بداعي الحرص ‏على الامة والخوف على الارض والعرض فهذا شأن الاتباع دائما.‏ ومما يؤسف له إن ينظر علينا تافه مسترخ في سريره وهو يدخن المالبورو ويعلمنا ‏حكمة الهروب في الوقت الذي يسقط فيه الرجال والنساء والاطفال دفاعا عن شرف ‏أمه .‏
لقد كان هناك دائما في كل عصرانهزمت فيه الامة العربية والاسلامية أشباها من ‏هؤلاء ففي زمن انهيار الخلافة العباسية أمام جحافل المغول والتتارمثلا لجأ البعض ‏إلى طلب الاستسلام انقاذا لرقابهم فلم يعطهم سيف هولاكو ما تمنوا وقضوا ‏كالخراف أو أقل..‏
إن مروجي ظاهرة الاستغراب أو التغريب من الكتبة والمرتزقين يقومون بما يشبه ‏عملية غسل الادمغة وتدجين المفاهيم والقيم بما يتفق وامبراطورية العولمة التى ‏تسعى اليها أمريكا بكل قوتها وترسيخ مقولة أن لاجدوى من المقاومة..!!‏ وهذا لايعنى البتة اننا مع الانغلاق وعبادة الافراد والشعارات بل العكس فنحن كنا ولازلنا دائما مع الانفتاح على العالم فكرا وحبا وانسانية ولكن بما يحفظ لنا هويتنا ‏وأصالتنا.‏وقد يظن ساذج أو مغرور أننا لانتحمل الاختلاف في وجهات النظر ونتأثر فيما ‏نقول بسيطرة بنظرية المؤامرة على عقولنا ولكن الأمرليس اختلافا في الرأي بقدر ‏ماهو ابتسار للحقائق وتسطيح كاذب للاحداث بحيث بات الدس واضحا لكل ذي ‏عينين فاللعب على المكشوف وأصبح التلبس أقرب من الاشتباه..!!‏ إن هدف أمريكا واسرائيل وعرب الانظمة هو القضاء على مفهوم المقاومة وثقافتها ‏بأي وسيلة وتأهيل الذهن العربي والإسلامي لقبول ما يفرض من عل وكل ما ‏يدوربيننا وحولنا يصب في هذا الاتجاه .‏
ونعود ثانية إلى ما نحن فيه.. لنقول بكل الهدوء والموضوعية إن كل السيناريوهات المفروضة على الشعبين الفلسطيني واللبناني لن يكتب لها النجاح ففي فلسطين لم ‏يستطع الاسرائيليون حتى الان إن يحرروا اسيرهم رغم مرور شهر تقريبا على ‏اجتياحاتهم الدموية لغزة واستخدامهم أشد الاسلحة فتكا وبترا وهي المحرمة دوليا ‏بهدف تحويل الفلسطينيين اما إلى المقابر أو كراسي الاعاقة..كما ظهر جليا في ‏مذبحة المغازي التي توجت في حرب الاسرى هذه اكثرمن 140 شهيدا نصفهم من ‏الاطفال!!‏
أما في لبنان فلن تستطيع القوات دولية أو اللبنانية في مشروع الشرق الاوسط الجديد
الذي تزمع أمريكا تدشينه بمعزل عن سوريا وايران منع انطلاق الكاتيوشا إلى ‏الشمال الاسرائيلي مثلما لم ولن تنجح اسرائيل في ذلك مهما أوتيت من قوة وهذا ‏يؤدي قطعا إلى تآكل متزايد في هيبتها العسكرية وقدرتها مستقبلا على المبادرة ‏وحسم الامور لصالحها كما كانت تفعل منذ تأسيسها.‏
إن المشكلة برمتها لن تحل إلا بمفاوضات مباشرة أوغير مباشرة بين لاعبين كبير ‏فقد يكون هناك تنازل امريكي لمصلحة ايران فيما يتعلق بالملف النووي يقابله تنازل ‏ايراني في العراق أو لبنان والعكس صحيح. وستتم الصفقات لامحالة بينما العرب ‏ينظرون إلى اللعبة فاغري الافواه كعادتهم ..الا اني أعتقد إن حزب الله اليوم ليس ‏كحزب الله بالامس فهو بما ابداه ويبديه من صلابة وبما قدمه ويقدمه من مفاجآ ت ‏سيكون أكبر بكثير من ورقة رابحة في هذه اليد أو تلك بل ربما يكون لاعبا آخر في المنطقة يحسب له كل الحساب وذلك يعتمد فقط على ما يحققه من ثبات وصمود.‏فكلا الفريقين اسرائيل وحزب الله يراهن في لعبة عض الاصابع على انهيار الجبهة
الداخلية للاخر ويبدو إن كلتا الجبهتين تعانيان ضغطا متزايدا بمرور الوقت.‏ لذا فاني اتوقع إن تستمر الحرب اسبوعا أو اسبوعين آخرين ريثما تفرض الوقائع والمساعي بعده احد السيناريوهين التاليين
‏- في حالة صمود حزب الله في ربع الساعة الاخير ‏‏*وقف اطلاق نارغير مشروط..‏‏*الدخول السريع في مفاوضات بوساطة المانية لعقد صفقة تبادل اسرى.‏‏*ضمان الهدوء على الحدود اللبنانية بترتيبات دولية تشارك فيها ايران وسوريا.‏‏- في حالة انهيار مقاومة حزب الله لا سمح الله‏‏*أقامة شرق أوسط جديد تحت سيطرة كاملة لامريكا واسرائيل ‏‏*قوات لبنانية أودولية مؤقتة قي الجنوب ‏*الابقاء على حزب الله كواجهة لبنانية سياسية مهمشة و ذليله.‏‏*زيادة عزلة لسوريا وايران والبدء في تصفية شاملة للمقاومة الفلسطينية.‏‏*اعطاء الادوار الشكلية البراقة وقص الاشرطة للزعامات العربية المتعاونة والامم ‏المتحدة.‏‏* توطين دائم للفلسطينيين في لبنان.‏‏*تشكيل حكومة فلسطينية موالية وموازية للحكومة اللبنانية الحالية توقع على حل ‏سياسي أسوأ بكثير من اتفاق اوسلو

إلا اني ومع دراستي المتأنية لتاريخ الصراعات بين القوى العظمى والشعوب ‏المقاومة لم أعثر على مثال واحد نجحت فيه القوة الباغية في تحقيق أجندتها كاملة ‏وكما تتمنى ولننظر من هنا إلى العراق وافغانستان ومن هناك إلى كوبا وفنزويلا ولا زلت أعتقد انه لن ينتصر أحد..‏ إلا العقل الذي يدير لعبة المفاوضات . .!!‏

 

 




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home