القلم النقدي

 

كتاب الأصولية..

رحيم العراقي



مؤلفة هذا الكتاب أو بالأحرى المشرفة عليه هي الباحثة الانكليزية بريندا ي. براشير المختصة بالعلوم الدينية والحركات الأصولية المعاصرة. وهي هنا تقدم موسوعة كاملة عن هذه الحركات التي ازدهرت مؤخرا في مختلف مناطق العالم: من الولايات المتحدة، إلى أوروبا، إلى العالم العربي والإسلامي، إلى العالم الهندوسي، الخ.
وهي تركز على عدة موضوعات منها: الموقف السلبي جدا للأصوليين من المرأة، معاداة الأصوليين المتزمتين للعالم الحديث وقيمه العقلانية الليبرالية المتسامحة، ميلهم إلى العنف لفرض أفكارهم على الناس بالقوة لا بالحجة والإقناع، إشعالهم للحروب الأهلية وكذلك حرب الحضارات بين الشرق والغرب، الخ.
وهي تقول منذ البداية ما معناه: كلمة أصولية انتشرت في الولايات المتحدة منذ أواخر القرن التاسع عشر للدلالة على ذلك التيار المتزمت الذي يرفض التطور ويريد أن يعود بالمجتمع إلى الوراء.
وهم ـ أي الأصوليون ـ يطبقون التفسير الحرفي على التوارة والإنجيل. فكل ما ورد فيهما عن خلق العالم والظواهر الطبيعية والمضامين الجغرافية والتاريخية يأخذونه على حرفيته ويرفضون التفسير المجازي له، أي يرفضون أن يأخذوه على سبيل التصوير الرمزي والمجاز.
وبالتالي فحتى لو تعارضت المعلومات الواردة في الكتاب المقدس مع حقائق علم الفيزياء والرياضيات والأحياء الحديث فإنهم يفضلون اتباع الكتاب المقدس وليس العلم وبراهينه اليقينية. أما التيار الليبرالي في المسيحية فيأخذ هذه المعلومات على سبيل الرمز والمجاز ويتحاشى بذلك صدامها مع اكتشافات العلم الحديث.
ثم تردف المؤلفة قائلة:
يضاف إلى ذلك أن الأصوليين الأميركان يرفضون نظرية التطور لداروين ويحاولون منع تدريسها في المدارس وبخاصة في الولايات الجنوبية لأميركا حيث تبلغ شعبيتهم ذروتها. فهذه النظرية التي اكتشفها داروين في القرن التاسع عشر تتعارض مع ما ورد في التوراة عن خلق الإنسان والعالم الطبيعي بشكل عام وبالتالي فهي خاطئة كليا وينبغي تحريمها بحسب وجهة نظرهم.
وقد حصلت مصادمات بين الدولة وهؤلاء الأصوليين بسبب هذه المسألة. ولا تزال المشكلة مطروحة حتى الآن وتلهب العواطف وتقسم الناس إلى قسمين متصارعين.
يضاف إلى ذلك أن الأصولي يحمد الله يوميا على أنه لم يخلقه امرأة! وهو بذلك يحمل صورة سلبية عن المرأة بصفتها كائنا أدنى مرتبة من الرجل. ولذلك فإن الأصوليين يراقبون المرأة كثيرا ويشتبهون بها ويحاولون منعها من ممارسة بعض الوظائف والأعمال. كما ويتصدون لها فيما يخص مسألة الإجهاض.
وكثيرا ما يهجمون على العيادات الطبية التي تمارس عمليات الإجهاض لكي يحطموها أو يدمروها تدميرا. وبشكل عام فإن الأصوليين الأميركان يريدون العودة بالمرأة الأميركية إلى الوراء، أي إلى الحياة التقليدية التي كانت سائدة في الولايات المتحدة قبل الستينات من القرن العشرين. ومعلوم أنه حصلت ثورة جنسية تحررية في أميركا عندئذ، وعمت هذه الثورة بلدان أوروبا أيضا.
وأصبحت العلاقات بين الجنسين مختلفة كليا عما كانت عليه في السابق. وظهرت حركات تحرر المرأة التي قضت على هيمنة الرجل عليها. والأصوليون يكفّرون خصومهم السياسيين عادة ويعتبرونهم رجسا من عمل الشيطان. وأحيانا يصدرون فتوى شرعية باغتيالهم. وبالتالي فهم ميالون إلى العنف والضرب.
وهم يعتقدون بأنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة وكل الآخرين في الخطأ والضلال. وبالتالي فهم لا يناقشونك لأن النقاش ممنوع عندهم عادة.وهم رجعيون من الناحية السياسية. وكثيرا ما يتحالفون مع اليمين المتطرف من أجل المحافظة على القيم التقليدية «الخالدة» للأمة الأميركية أو الفرنسية أو الإسبانية، الخ.
وهم يفسرون كل شيء على ضوء عقائدهم الغيبية وأحيانا الخرافية. فمثلا عندما حصلت ضربة 11 سبتمبر عام 2001 قالوا بأن الله أرادها كعقاب لأميركا التي ابتعدت عن الدين. هذا ما صرحت به ابنة المبشر البروتستانتي الأميركي الشهير: بيلي غراهام. وهو أحد كبار القادة الأصوليين في الولايات المتحدة. فعندما سألتها إحدى الصحفيات عن رأيها بهذا الحادث الذي هزّ أميركا أجابت قائلة:
أعتقد أن الله حزين جدا مثلنا كلنا لأن هذه الضربة حصلت.
ولكن منذ سنوات عديدة ونحن نحارب الله والدين. ومنذ سنوات طويلة ونحن نطرد الدين من مدارسنا، وحكومتنا، ومؤسساتنا، وحياتنا. لقد أصبحنا ماديين بشكل محض. لقد تخلينا عن الله فتخلى الله عنا. ثم تهاجم السيدة غراهام العلمانيين الأميركان وتقول: لقد طالبوا بمنع الصلاة المسيحية في المدارس واستجابت الحكومة بمطالبهم. ثم طالبوا بمنع قراءة الكتاب المقدس في المدارس أيضا، ونفذت الدولة مطالبهم.
ثم طالبوا بإعطاء بناتنا حق الإجهاض إذا كن لا يردن الاحتفاظ بالجنين واستجابت الحكومة لمطالبهم. ثم طالبوا بالحرية الجنسية بين الشباب والبنات ونالوا ما يطلبون. وهكذا خرجوا على شرع الله فعاقبنا الله بضربة 11 سبتمبر التي نستحقها لأننا تخلينا عن ديننا وإيماننا.
وهذا التفسير ل11 سبتمبر يشبه التفسير الذي قدمه الأصوليون الإسلاميون لهزيمة خمسة حزيران. فقد قالوا نفس الشيء تقريبا: لقد تخلينا عن الله فتخلى الله عنا وجعل إسرائيل تنتصر علينا. لقد أصبحنا قوميين، ماركسيين، شيوعيين، إلحاديين فعاقبنا الله بهذه الهزيمة الساحقة الماحقة. بل ووصل الأمر بالشيخ الشعراوي إلى حد شكر الله على هذه الهزيمة الذي أدت إلى تضعضع معسكر الكفر في مصر والعالم العربي. فهزيمة عبد الناصر بالنسبة له كانت تعني خيرا وبركة.
ثم تردف المؤلف قائلة ما معناه: وعلى الرغم من اختلاف الأصوليين فيما بينهم وعلى الرغم من كرههم لبعضهم البعض إلا أنهم جميعا يتوحدون ضد العالم الحديث وحرياته وقيمه الإنسانية والديمقراطية. ويكفي أن تقرأ تصريحات الأصوليين اليهود، أو المسيحيين، أو المسلمين لكي نتأكد من ذلك.ففي رأيهم أن العلمانية كفر، والديمقراطية كفر، والليبرالية كفر، الخ. وهم جميعا ضد تحديد النسل عن طريق الإجهاض أو أي طريقة أخرى. كما أنهم ضد المساواة بين الرجل والمرأة، ويفضلون أن تبقى المرأة في البيت على أن تشتغل خارج البيت.
وجميع الأصوليين يطالبون بزيادة المواد الدينية في المدارس. وبما أن العلمانية سائدة في أوروبا وأميركا، فإن تعليم الدين ممنوع أو مقلّص جدا. وهذا يزعج كثيرا الأصوليين البروتستانتيين الذين يطالبون علنا بإعادة تدريس الدين المسيحي في المدارس الأميركية.
كما ويطالبون بإعادة الصلاة أيضا وعدم الاختلاط بين الجنسين. بل ويطالبون بإعادة العمل بالقوانين العنصرية التي تفرق بين الأسود والأبيض. فهم يفضلون عدم اختلاط البيض «النظيفين» بالسود «القذرين» في المدارس، والجامعات، والباصات، والمطاعم، والمقاهي، الخ. وهذا أكبر دليل على مدى رجعيتهم وكرههم للحياة الأميركية الحديثة التي أصبحت لا تفرق بين السود والبيض كما كان يحصل سابقا.
وبالتالي فالأصوليون الأميركان يريدون العودة إلى الوراء، إلى أيام التمييز العنصري واحتقار البيض للسود. إنهم يريدون التراجع عن كل مكتسبات السنوات الأخيرة في هذا المجال. ومعلوم أن حركة النضال من أجل نيل الحقوق المدنية من قبل السود ابتدأت منذ الخمسينات أو الستينات في القرن الماضي. وكان من كبار قادتها مارتن لوثر كنغ الذي اغتيل في نهاية المطاف.
لقد دفع حياته ثمنا لأفكاره ومبادئه الإنسانية الرفيعة. ثم انتصرت هذه الأفكار في نهاية المطاف وأصبحت حقيقة واقعة. والآن يريد الأصوليون التراجع عنها! وهذا يعني أنهم رجعيون بالمعنى الحرفي للكلمة. إنهم رجعيون سياسيا، ودينيا، واجتماعيا، وكل شيء.
ثم تختتم المؤلفة كلامها قائلة: ولكن المشكلة هي أن ضربة 11 سبتمبر أعطتهم دفعا أو زخماً جديداً ما كانوا يحلمون به سابقا. وهكذا أصبحت لهم تلفزيوناتهم وإذاعاتهم التي تجذب ملايين البشر. وأصبح دعاتهم يملأون الشاشات والفضائيات بكلامهم المعسول الذي يدعو أميركا للعودة إلى طريق الرشاد، أي إلى القيم الأصولية المسيحية التي تخلت عنها بعد ثورة الستينات وأدارت ظهرها لها.

 




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home