دراسات هامة

 

.بنية التناص و تناص البنى في رواية سوق النساء

المصباحي عبدالرزاق - المغرب



قـراءة  :                                                                    

 
 

    سـوق النساء أو ص.ب: 26 :هي آخر إصدارات القاص ’ الروائي , و الأكاديمي جمال بوطيب .و بإصدارها  يكون الكاتب الاستثنائي قد استنفد الكتابة في بنى خطاب أجناس متعددة : القصة , الشعر , ثم الرواية .

  و بنية الخطاب التي نعمل هنا تتحدد بوصفها :  بنية عامة و مجردة لها من القيمة المعيارية ما يجعلها رقيبا على الإنجاز .1 بعبارة أكثر تبسيطا :فإن بنية الخطاب مفهوم مؤشر على ثنائية الجنس و سلطته التوجيهية و الإسقاطية , و الإنجاز الذي هو في سياق الحال مفهوم النص . و هذه الرقابة هي من شواغل النقد عموما . و الذوق الجمالي في أحايين كثيرة . و هذا كان حال الإنجاز الكلاسي *.

     و هذه الورقة تسعى –ما استطاعت إلى ذلك –إلى تمثل مؤشر محوري من مؤشرات التجريب في رواية  سوق النساء هو ما نسميه : بنية التناص و تناص البنى  . و التناص هنا باعتباره علامة أساس من علامات البعد الحداثي في الرواية .إذ نعتقد أن جوهر عمل الروائي جمال بوطيب تحدد بالأساس في إعادة النظر في علاقة  بنية النص و بنية الخطاب , فعوض العلاقة الرأسية و الإسقاطية  التي نلفاها متجسدة بشكل سافر في الأعمال الروائية الكلاسية , ينسج المؤلف علاقات مغايرة بين الإنجاز الفعلي و فرضيات الجنس  نحدها في علاقتين :

-  علاقة التماثل بين بنية الإنجاز ) النص(   و بنية الخطاب :  و هو ما يسميه barthes  تناصا , إذ كل نص – في نظره  : »إنما هو تداخل بين النصوص , ففيه تحضر نصوص أخرى من مستويات متعددة :نصوص الثقافة السابقة و نصوص الثقافة  المحيطة « 2 . و هذا التداخل يتم على مستويين :

     - مستوى الدلالة : تستحضر فيه نصوص غائبة تخدم دلالة النص الحاضر و تؤكد حمولاته .

     -  مستوى البناء : يتم فيه الالتقاء على مستويات التعجيم و الصيغ .... و تمثل آليات إنتاج نصوص أخرى , و هذا المستوى ندرجه ضمن العلاقة الثانية .

- علاقة تجاوز بنيتي خطاب في نص واحد : هو في هذا السياق نص الرواية , و هي ثلاث بنى : بنية خطاب الشعر , بنية خطاب الرواية , و بنية خطاب  النقد . .

1- علاقة التماثل بين بنية النص و بنية الخطاب  : التناص .

    يدفعنا الانطلاق من عنوان الرواية باعتباره عتبة كبرى و مؤشرة إلى التساؤل عن الوظيفة التي يتلبسها في علاقته بالمتن  من حافة , و عن النصوص الغائبة التي تخترقه التي يمثل بالنسبة إليها حضورا لغياب محتمل بالمعنى الديريدي  ) نسبة إلى ديريدا ( من حافة ثانية . فهو إذا كان في بعده النمطي مخلصا لوظيفته المرجعية حيث المتن تفصيل لدلالاته و إحالة أمينة لمحتواه ’ فإنه هنا يفقد الكثير من سلطته على التدليل لصلح الوظيفة الشعرية التي هي من صميم حبكة النص و تنسيجه الجمالي , و هو أمر نتلقفه من خلال بحثنا في التأويلات الممكنة لدال  سوق النساء في علاقته بالنص في سياقه الخارجي من حيث تناصه مع قول عبد الرحمان المجذوب : 

سوق النسا سوق مطيار .

يا داخلو رد بالك

يوروك من الربح قنطار

و يرزوك في راسمالك  . 

    فمن خلال النص يتأكد المحمول الدلالي السلبي الذي يصم دال العنوان ’ و دلالة الوصم تتحدد في فقدان رأسمال  بما هو تأشير على خسارة محتملة  .أما من حافة علاقته بسياقه الداخلي ’ فإن العنوان يدفعنا إلى أسئلة مفخخة : هل يتعلق الأمر فعلا بسوق للنساء أم هل يتعلق بامرأة واحدة تختصر كل ما يمكن أن تجده في امرأة ؟

  أنا نساء قي امرأة .... أنا مرهونة ..... «  )ص26( . إجابة تواجهنا من لدن أحد شخوص الرواية  لبانة الربيعي . محور الحكي و ثيمته الأساس في علاقتها بعبدالرحيم دباشي الذي يدين بدلالات العنوان الحافة و يتنزلها في فصول كثر حيث يتجسد متصوره بشكل لافت :   عاق أنت يا قلبي مثلك مثل قلب سيدي عبدالرحمان المجذوب :

 ياقلبي نكويك بالنار و لا بريت نزيدك

  يا قلبي خلفت لي العار

 و تريد من لا يريدك .  ص12

  منافذة نصية تكرس دلالات الفقد و المكابدة , و تؤشر على فرضية قرائية تجعل من عبدالرحيم دباشي و لبانة الربيعي طرفي صراع من نوع خاص .

  إيذان بالصرم هي مدلولات العنوان , و انفراط لقد تواصل مغيب غياب التصور الذهني و الامتداد لعنوان فرعي استند تخيره لوكد تخييب أفق التلقي أكثر من من محموله اللغوي و دلالات المواضعة .فحرف العطف   أو   الذي يفيد التخيير أو التعيين  قد يوهمنا بوجود عنوان رئيس في موازاة عنوان رئيس اخر داخل المناص نفسه paratext  , بيد أنه يفقد بعده الإحالي و التدليلي كذالك , بالقياس إلى البعد الغرافي graphique  الذي نميز من خلال عناصره الإيقونية بين : عنوان رئيس يشكل عنصرا مهيمنا و فرعي داله : ص.ب : 26 بما هو علامة على تواصل منفرط  نراه معادلا رمزيا للمنفلت من شخوص الرواية .

و الاشتغال على العنصر المهيمن –في نظرنا -  مقوم أساس من مقومات التحديث  , يتخذ مظهرين في النص :

   -  تقويض سلطة المرجعي بالقياس إلى الشعري الإشهاري .  

    - تفعيل البعد العلامي غير اللغوي الموزع بفتنة على السند فتنة خطاب الشعر  و تداخلاته في نص الرواية , و هو خطاب أدى وظيفة مزدوجة : تأتيث فضاء الرواية , و تلبس ذوات قائليه و تصوراتهم في لحظات سنم االعشق و عمق انحداره أيضا :   من اين لي بقناعة عاشق ولادة لأقول : و إني لأتجلد و أرى الشامتين أني لريب الدهر لا أتضعضع  ص12 .  جلد يقتات عبدالرحيم منه و هو المفضوح بحب لبانة  : أنا المفضوح بحبك بعد أن نظر الأعمى إلى عيوني فكشف حبك الجبار و الطاغية و سم الأصم هوس لساني  . ص13 .

  دوال منثورة تحيل إلى  إلى شوارد المتنبي :  

    أنا الذي نظر إلى أدبي           و أسمعت كلماتي من به صمم . 

   هما في سياقين قوليين مختلفين طبعا , لكنهما معا يقصدان إلى ضرب من السجال و يعنيان أسرار الفن أو ليس الحب فنا ص13. 

    و تناصات الشعر تكثفت بشكل لافت في استبطانات عبدالرحيم  دباشي   و بوحه بمكنونات الشعور , و هو أمر لا نلفاه في الفصلين الخاصين بلبانة , و لا غرو ما دام كاتبا :صرت أبحث عن أي بياض أفتقه بأية تفاهة قد تتبادر إلى ذهني فأسجلها أو أشطبها , متلذذا بوهم الإحساس أني كاتب . ص7 . و الكتابة هنا بمفهومها البارطي  barthes   , بما هي  جنس مفتوح قد يخترق أجناسا أخرى , و يستحضر  - عن وعي  - بناها و يتنسجها في نص الرواية . 

   2 – علاقة تجاوز بنيتي خطاب في نص الرواية :

 يعد هذا النوع من التجاوز علامة هامة على نصية النص و فرادة خطابه و تنسيجه ’ إذ أن حضور الإواليات الخاصة بأجناس أخرى قد يفضي بالنص إلى فقدانه لقيمتين محورتين يتسم بهما : السبك و الحبك      coherence / cohesion     و يفقده ترابطه السنتجميمي . ما دام يعرف بوصفه  : ترابطا مستمرا للاستبدالات السنتجميمية التي تظهر الترابط النحوي في النص. 3

  مثبطات  لم تمنع جمال بوطيب  من ولوج هذه المغامرة , من خلال اشتغال خاص على اللغة الشعرية فيها من ماء الخطاب ما أهل الرواية لتنساب في ذوات القراء و تنتج تناصا توالديا هو من صميم اللغة الواصفة التي يتلبسها نص الرواية . و الرواية إنجاز يتضمن آثار تنضيد بعض بنياتها : شخوصا , و زمنا , و تعددا للموضوع خلاف القصة , و أمكنة رئيسة و أخرى ثانوية و سردا و وصفا , و ساردا ينوب عن الكاتب في سرد الأحداث ..... .  و لكن بمتصور جديد و خروج عن تلك البنيات بوساطة استغلال بعدها التوجيهي لا القسري من خلال : بعثرة فصول الرواية و ترتيب صفحاتها , غياب الصفحة الوهمية و الخطاب المقدماتي , غياب الفصل الرابع و السادس , و تضليل الفهرس , و تضخم الأنا . 

      مؤشرات تدفعنا إلى تأكيد انتماء النص إلى رواية التجريب و الحداثة , رغم استعصاء تأطير النص تماما كما خطاب الشعر ’ الذي تتأثل بنيته في نسيج النص :

  أما   )

 وجل أنا من بعدك .....سيدتي  .

إذ فجر غشت  غشني

و بانطفائك رشني

ألثم وجنة باردة

و يدا سكنت

من بعدما سكنت غلالات القلوب .ص31   

 

تبئير على اللغة ذاتها و الرسالة نفسها :  مجاز , و جناس تام و ناقص , و قافية مرسلة و متتابعة و إيقاع داخلي منساب .... قد يوهمك بتناص مع قصيدة تفعيلة أو نثر .

  شعر هي دوال النص الجملية و مكثف  أساس لمعاني البوح . و الشعر كتابة داخل كتابة , كتابة بالشعر تتجسد قي بناه المؤتلفة في نظام النص ’ و كتابة عن الشعر يصبح فيها موضوعة للغة واصفة هي أس بنية خطاب النقد : نقد الشعر و نقد لواقع الشعر , واقع المشرفون على مهرجانات الشعر فيه منظمو حفلات , واقع يفخخك بأسئلته : ماذا لو قام شعراؤنا القدامى ماذا سيزن كثير من زناتنا أمامهم ؟  هو استلزام حواري يفتك بالقوة الإنجازية الحرفية كما يفتك نص الرواية ببنى خطابه المطية .

 

             الهوامش :

 

  1-  قريرة , توفيق : التعامل بين بنية الخطاب و بنية النص في النص الأدبي , عالم الفكر , العدد 2  المجلد 32  أكتوبر –ديسمبر 2003 .ص: 185.

*- نمثل لذلك في الثقافة العربية بعمود الشعر الذي شكل بنية خطاب الشعر .

2-   نفســه  ص : 191.  

3- حسين , جميل عبدالمجيد , علم النص : أسسه المعرفية و تجلياته النقدية ,  عالم الفكر , العدد 2 المجلد 32  أكتوبر –ديسمبر 2003 .ص: 145.

 




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home