القلم النقدي

 

قراءة فى فلم " باحب السيما " الجزء الثانى

محمود الأزهرى



قراءة فى فلم " باحب السيما " الجزء الثانى

محمود الأزهرى
مصر
------------

قضية التزمت والتعصب الدينى والتمسك الحرفى بالشرائع هى أمر موجود عند المسلمين كما هى موجودة عند المسيحين وبنفس الكيفية التى عرضها الفيلم وبنفس آليات التفكير فبطل الفيلم - محمود حميده - يتمنى في قرارة نفسه فعل السيئات ولكنه لا يفعلها خوفاً من النار وخوفاً من الموت فهو لو ضمن مغفرة الله له لفعل السيئات وكذلك لو عرف ميعاد موته لفعل السيئات كذلك ، لأنه سيفعلها وقبل أن يأتى موعد موته يتوب إلى الله ويعترف بخطاياه ويندم عليها وبالتالى فانه يكون قد حقق لنفسه السعادة في الدنيا بفعل كل ما تشتهيه نفسه والسعادة في الآخرة بالنجاة من النار ومن ثم دخوله الجنة؛! ومن الطبيعى ان يكون شخص كهذا ناقماً على أشخاص يفعلون
الخطايا ثم يتوبون في آخر حياتهم، وهذه الفكرة مناقشة وموجودة في الفكر الاسلامى ونصوصه فهناك حديث للرسول صلى الله عليه وسلم يقول فيه (( إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا مقدار ذراع فيعمل بعمل أهل النار فيموت فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا مقدار ذراع فيعمل بعمل أهل الجنة فيموت فيدخلها" وتجلت هذه الفكرة في الأثر الموجز (( العاقبة بالخواتيم )) بل ويكثر خطباء المساجد من ترديد الحكمة التالية وهى: ان هناك من يؤمن و يعبد الله خوفاً من النار فهذا ايمان العبيد وهناك من يؤمن بالله طمعا في الجنة فهذا إيمان التجار وهناك من يؤمن بالله لأنه المستحق للعبودية دون نظر لجنة او نار ودون ان يكون هؤلاء طامعين في الجنة أو خائفين من النار فهذا إيمان الأحرار بل إن بعض الكتب تنسب هذه الحكمة إلى السيد المسيح عليه السلام وبالتالى فإن ما عرضه الفيلم بالنسبة لهذه القضية ليس غريباً عن فكرنا الدينى ولا عن ممارستنا الحياتية فيما يخص مسألة التدين … ، وكنت وأنا أتابع الفيلم كأنى أشاهد امامى اشخاصاً مسلمين وأفكارا إسلامية رأيتها بل وعشت بعضها …، وأما مسألة الخروج عن المألوف
والشتائم التى تبادلتها الاسرتان في الفرح في الكنيسة او ما حدث في الكنيسة عند وفاة " ابو نعيم" فليس معنى كون الشىء ضد الدين أنه لا يمكن وقوعه اذن فهذه الاشياء يمكن حدوثها ووقوعها في الحياة ، وليس معنى الواقعية هو ما وقع وحدث بالفعل - بالنسبة لى ودون نظر لمفهوم المصطلح تاريخيا - بل إن معنى الواقعية هو ما يمكن حدوثه و وقوعه في الحياة بنفس مفرداتها ولغتها المتعارف عليها ثم إن وظيفة الفن ليست هى ان يصور آليا ماتراه العين بل أن يبرز الخافى والمضمر والباطن في هذه الحياة ليكون هو والظاهر سواء ………. وتصور لو ان الناس كانوا في الكنيسة بكامل احترامهم وتقديرهم للمكان المقدس ولكنهم كانوا يفكرون في هذه الشتائم ويرددونها داخلهم وتشتمل عليها قلوبهم فهل يدل هذا على الايمان الزائد على الحد لدى هؤلاء ثم ان الخروج عن التقاليد المرعية والاداب والسلوكيات الدينية المتعارف عليها اجتماعياً هى امر مشاهد على جدران
وأبواب المساجد والمعاهد والمراكز الإسلامية وعلى حوائط الكنائس والأديرة-  وأنا نفسى شاهدت على حائط
إحدى الكنائس من الداخل كتابات وسهاماً وقلوباً متحررة - وعكفت على قراءة الجدران الأمر الذى لفت انتباه القمص الذى توجه لى قائلاً : انهم شباب ونحن نقوم بتوجيههم ثم رجع ليشرح لنا مسألة وجود المذبح في الكنيسة ومكان التراتيل والعلاقة بينه وبين المنبر في المسجد .

وأما مسألة العلاقة الزجية بين ليلى علوى ومحمود حميدة او مناقشة قضية الفن او ظاهرة البخل لدى عايدة عبد العزيز - أو مشاكل التعليم أو اجتراءات الحب واختراقاته فهى كلها مسائل اجتماعية وتمت مناقشتها وعرضها في الفيلم انطلاقا من هذا المنظور وفى الغالب فإن موقف الدين الاسلامى والدين المسيحى واحد بالنسبة لكل او مجمل تلك القضايا.! ولقد أجاد أبطال الفيلم ونجومه أداء أدوارهم - واكرر حتى الثانوية والهامشية منها - لقد كان النجم محمود حميدة مدهشاً بصفاته الجسمانية و بارعاً بأدائه الفنى العالى ومتميزاً لادائه شخصية جديدة بالنسبة له تضاف إلى رصيدة الفنى، ولقد كانت بارعة في ادائها كذلك النجمة ليلى علوى وان كانت الشخصية ليست جديدة عليها وكونها زوجة مسيحية لا يمثل جدة في حد ذاته - إنها زوجة تعانى متناقضات في ذاتها بين عشقها للحرية باطناً - والتزامها الظاهرى المفروض عليها في البيت من قبل الزوج وفى المدرسة من قبل النظام التربوى والتعليمى الذى يجب ان تحافظ عليه بحكم انها ناظرة المدرسة وكذلك فإن الفيلم نجح في اكتشاف موهبة جميلة لها حضور جذاب و ابتسامة ساحرة ، وقبول لدى الناس - كما لاحظت - هو الطفل يوسف عثمان … لقد ادهشنى وهو يقول لأمه التى أمرته بعدم فعل شىء حتى لا يغضب الله :- "انه - الرب - هو كده كده زعلان !! وكذلك وهو يعقد اتفاقاً بينه وبين الله عز وجل بمقتضى هذا الاتفاق يسمح له الله بمشاهدة فيلم ثم يتوب ويمتنع نعيم بعدها عن مشاهدة السينما هذه الصفقة التى تمتد في ذهن نعيم لتنص على ان يسمح الله له بمشاهدة فيلمين ثم تتصاعد الاتفاقية لتكون خاصة بثلاثة افلام ثم اداء نعيم وهو محموم يهلوس ورغبته في مشاهدة افلام : الملتقى ونصف دستة اشرار وفيلم اخر لعله: شباب امرأه " او رصيف نمرة خمسة او القاهرة 30 !! دعك من المشاهد المشهورة في الكنيسة او في السينما او في عيادة الطبيب او مع امه في الحمام .

لقد ذكرت في البداية ان فيلم (( يحب السينما )) جيد ولكن هذه الجودة صحيحة بالنسبة إلى الافلام المصرية المعروضة في السنوات الاخيرة …… وتبقى لى ملاحظات حول الفيلم منها :
 1- ان هناك تماساً وتناصاً بين دور محمود حميدة في بحب السيما وبين الراهب أو القسيس في "أ حدب
نوتردام " فتقريباً الفيلم يعرض نفس الفكرة : خلاص الجسد وتطهير النفس الا انها في احدب نوتردام وقد شاهدته منذ سنوات وارجو ان يكون حكمى صائباً ولم تخنى الذاكرة - خاصة براهب وقسيس اما في بحب السيما فهى خاصة بزوج متحرك في الحياه ليست له صفة دينية رسمية وان كان متلبسا بها بحكم ان الشخصية المصرية متدينة بشكل غريب ، وكذلك فإن هناك تماساً وتقاطعاً بين دور الطفل نعيم في بحب السيما وفيلم ( Home Alon ) "وحدى في المنزل" فكلاهما حريص على ان يجعل من هذا الطفل نجم الفيلم والنقطة المركزية للحياه ، نجح الفيلم الاجنبى في هذا ولكن " بحب السيما خرجت المركزية من الطفل نعيم " ورغم براعة أدائه لتتحول إلى افكار وصراعات مجردة حيناً وحيناً تتحول المركزية إلى حميدة وليلى علوى بسبب تاريخهما الفنى الصارخ وتعلق الجمهور نفسياً بهما … واهتمام الجمهور بالمسائل الاجتماعية الحادة لدى الكبار ….. واستمرار الاتجاه في مجتماعتنا لتهميش دور الصغار حتى في تلقى اعمالهم .
 2- بدأ الفيلم بنعيم الذى يحكى الاحداث التى مرت به منذ اربعين او خمسين سنة ولم نر نعيم وهو كبير وهذه التقنية العودة للخلف ليس لها ما يبررها فنياً وليس لها اى دور موظف فنياً داخل الفيلم اللهم الا الدور السياسى والذى تلعبه خارج الفيلم حين يتهم الفيلم بأنه يسىء للمسيحيين فيرد عليهم بأن هذا كان في سنوات ماضية وأما الآن فكل شىء تمام
 3- تحية لهذا الفيلم ولابطاله ولمؤلفه ولمخرجه وللجمهور الذى لم يدهشنى حين سمعت في قاعة العرض بعض الجمهور يحفظ خطاب التنحى لجمال عبد الناصر فيردد كلمات الخطاب قبل ان ينطق بها الرئيس .


 




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home