القلم العلمي

 

فلنكن علماء..

رحيم العراقي



جورج شارباك، حائز على جازة نوبل للفيزياء، سبق له وقدم العديد من الكتب من بينها كتاب «كونوا سحرة، كونوا علماء» الذي عالج فيه الأستاذ الكبير «علمياً» ألاعيب السحرة وغيرهم من المحتالين. . ورولان أومنيس هو أيضاً فيزيائي كبير ويعمل أستاذاً في جامعة أورسي بالقرب من باريس.
 
وهي أحد أشهر جامعات العالم في ميدان الفيزياء والرياضيات. إن هذين الفيزيائيين الكبيرين، الحائزين على شهرة عالمية، قررا أن يستكملا في هذا الكتاب، ما كان قد بدآه في الكتاب السابق. «كونوا علماء» هو أولاً كتاب في محاولة تبسيط العلم كي يكون مفهوماً من قبل غير الاختصاصيين، مع محاولة الإجابة عن بعض التساؤلات العلمية التي يواجهها الباحثون في الميدان العلمي بالمعنى الأكثر شمولاً للكلمة.
 
لكن ليس المقصود أبداً هو تقديم تاريخ للعلوم وليس أيضاً شرح المعادلات الفيزيائية الحالية أو السابقة لكنه يتوجه بالأحرى إلى المبتدئين الذين يريدون التعرف على المشهد العلمي الحديث دون التوقف طويلاً مع ذلك الأمر الذي لا يمنع أن بعض النقاط قد جرى شرحها بقدر من التعمق، وبهذا المعنى يقدم المؤلفان عملهما بمثابة دليل للقراء بغية محاولة شرح القوانين الفيزيائية الكونية.
 
إن المؤلفين، وهما صديقان منذ سنوات طويلة، يقدمان أولاً لوحة للمعلومات العامة التي لا خلاف عليها، كي يضعا ذلك في منظور أكثر اتساعاً وشمولاً بحيث يبحثان في تمفصل العلاقة بين الفيزياء من جهة والفلسفة والعقائد الدينية من جهة أخرى. إنهما يؤكدان بأشكال مختلفة على أن وصف الفيزياء، لا سيما الفيزياء المعاصرة، لا يقدم بالقطع أي مساس حاسم بالقطبين الآخرين المؤسسين للبشرية، كذلك يدخل التاريخ على «حلبة» التفسير كي يعطي للدراسة بعداً إنسانياً وللعلم لوناً لا يملكه بالضرورة.
 
إن القوانين والقواعد الفيزيائية ليست وظيفتها هي تسيير أمور البشر أو الحضارات أو المجتمعات؟ هذا ما يتفق عليه الجميع. لذلك يرى المؤلفان بأنه لا بد من استخدام معارف أخرى وأشكال وعي أخرى من أجل إضفاء «بعد إنساني» عليها، لكن بالمقابل يمكن الاستفادة من هذه القوانين والقواعد في مجال التربية وتأكيد منهج فكري منظم وبناء بحيث يتم إبراز التداخل بين العلوم الدقيقة والعلوم الإنسانية.
 
يتم توزيع مواد هذا الكتاب بين ثلاثة أقسام في القسم الأول يتم على مدى فصول سبعة شرح القوانين الفيزيائية في تطورها التاريخي منذ فترة ما قبل التاريخ حتى الفترة المعاصرة، وتبحث الفصول الأربعة التي تشكل القسم الثاني في العلم والفلسفة والدين وتداخلاتها في دائرة الفكر، أما القسم الثالث والأخير فإنه مكرس لمسألة «التربية في القرن الحادي والعشرين» ورهاناتها الإيجابية والسلبية في المجتمعات وآثارها على أبنائها.
 

ما هو علم الفيزياء؟
 
سؤال بسيط يطرحه المؤلفان ويجيبان عنه بأن هذا العلم يقوم على مجموعة من القوانين التي اكتشفها الإنسان والتي يستخدمها من أجل اكتشاف غيرها الأكثر تقدماً منها. هكذا سعت الحضارات كلها عبر البلدان والقارات إلى فهمها من أجل الوصول إلى إمكانيات تطبيقها وبالتالي إمكانية إعادة التفكير بالعالم وتغيير أنماط الحياة اليومية.
 
ما يؤكده العالمان الفيزيائيان هو أن لا شيء يمكن أن يكون بمنجاة كاملة من قوانين العلم، إذ انها موجودة بيننا ابتداء من المنزل الذي نسكنه إلى المجرات الأكثر بعداً عنا، ويقول المؤلفان لقرائهما: «في اللحظة نفسها التي أنتم تحت تأثير هذه القوانين وتحت غيرها»، ثم إن أفواجاً كاملة من العلماء في مختلف أصقاع العالم أمضوا حياتهم وهم يبحثون عن الكشف عنها،
 
لكن بمقدار ما يتقدم الزمن تبدو هذه القوانين أكثر تعقيداً وإدهاشاً، وليس هناك أي قانون منها يطمح إلى أن يكون غاية بذاته، وإنما مجرد «ممر» باتجاه قانون آخر، هكذا كان اسحق نيوتن مكتشف قانون الجاذبية قد قال بأنه إذا كان قد نجح في الرؤية بعيداً فذلك لأنه قد صعد على أكتاف من سبقوه.
 
والأمر نفسه بالنسبة للجميع، وهكذا استطاع الفيزيائيون بـ «صعودهم على أكتاف» البرت اينشتاين استطاعوا في الحقبة المعاصرة أن يكتشفوا الفيزياء الكوانتية. إن المؤلفين يتحدثان عما يسمى بـ «الجذب الكوني» والذي يعني بأن كل ما له كتلة له قوة جذب تتناسب مع هذه الكتلة وبحيث إن الكتل تتجاذب فيما بينها وانه بمقدار ما تكون الكتلة أكبر تكبر أيضاً قوة الجذب.
 
هكذا إذن للبشر كتلة، وأنتم ـ القراء مثلاً ـ لكم كتلة تجذبها الأرض لأن كتلتها أكبر، إذ لو لم يكن الأمر «كنا سنطير في الفضاء»، كما يقول الفيزيائيان المؤلفان، وبهذا الصدد، إن من رأى صور رائد الفضاء الأميركي نيل أرمسترونغ الذي حط على سطح القمر عام 1969، فإنه قد لاحظ من دون شك بأنه كان يبتعد عالياً عن أرض القمر عند كل خطوة من خطواته، وكأنه كان يقفز، وهذا يعود إلى أن كتلة القمر هي أدنى بكثير من كتلة الأرض وبالتالي لها قوة جذب أقل، لذلك أعطى أرمسترونغ الانطباع بأنه يسبح فوق القمر.
 
هكذا يؤكد المؤلفان بأن القوانين الفيزيائية على صعيد البشر إنما هي ذات طبيعية محددة لأنها تخضع لمنطق ثابت. فمثلاً إذا أخذتم هذه الصحيفة التي بين أيديكم الآن وتركتموها على مستوى الرأس، فماذا يحصل؟ إن المؤلفين «يتحديان» أي زعم آخر غير أنها ستسقط على الأرض، ومن يقول غير هذا فإنهما يوجهان له «النصيحة» بأن يذهب بسرعة من أجل استشارة طبيب،
 
ذلك أن قوة جذب الأرض هي أقوى من قوة جذب الصحيفة أو أية كتلة صغيرة أخرى وبالتالي مآل هذه كلها بالضرورة والقسر وبلا شك وآلياً هو السقوط على الأرض، وهذا ما صاغه اسحق نيوتن بالقول إن العالم الذي نعيش فيه نحن البشر، إنما هو عالم محكوم بقوانين فيزيائية محددة ومبينة.
 
وهذه الأجساد والكتل كلها مؤلفة من ذرات، أي من «حبيبات» غاية في الصغر التي لا تقبل أية تجزئة وهي صغيرة إلى درجة لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة، وإنما نستطيع فقط أن نعي نتائج تفاعلها فيما بينها، وذلك بواسطة حس مشترك اكتسبه الدماغ الإنساني على مر القرون عبر الاحتكاك مع الظواهر المنتظمة للطبيعة.
 
ومع مرور القرون أيضاً استلهمت الفلسفة من المبادئ التي اكتشفتها العلوم التي أسست للمعرفة. لكن العلاقة مع العلم طرحت سؤالاً فلسفياً لا يزال موضع نقاش حتى الآن وهو: هل الإنسان حر أو هل محكوم تماماً بآليات معينة؟
 
وفي إطار البحث بين العلم والفلسفة يرى مؤلفا هذا الكتاب بأن غاليلي غاليليو الذي عاش في نهاية القرن السادس عشر وبداية السابع عشر هو مؤسس الحداثة. وان نيوتن هو مكتشف القوانين الكونية الأولى.
 
ثم جاء دافيد هيوم ليؤكد بأن كل فكر يسوق نحو الوقائع العيانية. ويذكر المؤلفان في هذا السياق الفيلسوف ايمانويل كانط الذي اعتبر بأن العقل لا يمكنه أن يدرك سوى الظواهر التي هي نفسها ليست سوى تجليات خارجية. كذلك يعتبران بأن نيتشة هو الفيلسوف الوحيد خلال القرنين المنصرمين الذي أدرك تبدّل الحداثة وحاول أن يفهم رهاناتها.
 
لكن التبدلات الناتجة عن الاكتشاف العلمي للقوانين الفيزيائية لا يمكن أن يكون أي إنسان حيادياً حيالها، فالجميع معنيّون بها وبموقعها في الإجابات عن التساؤلات الجوهرية الخاصة بأمل العالم.
 
ويطرح المؤلفان في هذا السياق فكرة وجود عدة مكونات لكل معتقد ديني متمثل في «مجموعة من المبادئ المتسامية التي تجتمع حولها مجموعة بشرية على قاعدة الإيمان بها والاتفاق حول منظومة أخلاقية وممارسة طقوس وامتلاك بعد روحاني».
 
ويرى المؤلفان بأن مسألة العلاقة بين العلم والمعتقد الديني جرى طرحها بقوة أولاً على المسيحية في الغرب حيث كان العلم الحديث يتقدم في طريق الاكتشافات، أي في أوروبا، المعروفة اليوم بـ «القارة القديمة».. وفي إطار مثل هذه العلاقة يبقى السؤال الكبير المطروح هو كيفية التوفيق بين ما يؤمن به الإنسان وما يعرفه؟
 
وكانت مسألة التوفيق» هذه قد بدأت بألمانيا في مطلع القرن التاسع عشر لتؤدي إلى ما يسمى بـ «البروتستانتية الليبرالية» لكن الكنيسة الكاثوليكية تطورت ببطء أكبر.
 
ويرى المؤلف بأنه يكفي من اجل إدراك هذه المقارنة بين ما كانت عليه قبل 150 سنة وما هي عليه الآن.. ففي عام 1854 اتخذ البابا «بيا التاسع» مواقف شديدة الانغلاق حيال أي تجديد بينما أعاد يوحنا بولس الثاني قبل سنوات فقط النظر بالنتائج التي تم التوصل إليها في محاكمة غاليلي غاليليو وطلب من اليهود «الغفران» لما لاقوه من اضطهاد خلال قرون من الزمن.
 
لكن هذا لا يمنع واقع انه لا يزال هناك عدد كبير من الأصوليين المسيحيين ـ وخاصة في بعض التيارات البروتستانتية والكاثوليكية التي يرفض المنضوون في إطارها قبول قوانين السلم.
 
وتحت عنوان «العلم والعالم الإسلامي» يؤكد المؤلفان على أنه ما بين القرن الثامن والقرن الحادي عشر، وبعد ذلك بكثير في بعض الأماكن، كانت حضارة الإسلام تسطع بينما كانت أوروبا المسيحية أسيرة عقائد جامدة، وكان علماء الرياضيات والفلك والفيزياء والطب والطبيعة والفلسفة العرب والفرس يقومون بإحياء رماد الحقب اليونانية القديمة كي يبعثوا الحياة فيها.
 
كما يؤكد المؤلفان هنا بأنه لا صحة للمزاعم التي يقول بها البعض ومفادها أن العلماء العرب لم يفعلوا سوى نقل العلم اليوناني وتحسينه في بعض النقاط.

المقال الذي يقدمه لإثبات ذلك هو ابن الهيثم الذي كتب دراسة في البصريات تمّت ترجمتها إلى اللغة اللاتينية في القرن الثالث عشر واستلهم منها بعد ذلك كوبر وديكارت. وابن الهيثم هو أيضاً مخترع «الحجرة السوداء» التي اثبت بواسطتها أن الضوء ينتشر بخطوط مستقيمة نافياً بذلك أطروحة كان قد قال بها أرسطو والتي استمرت 13 قرناً دون أن يحتج عليها أحد.

كذلك ينقل المؤلفان عن أحمد زويل، الحائز على جائزة نوبل للكيمياء عام 1999 قوله بأنه لا يعتقد بأن الدين هو المسؤول عن حالة جمود العلوم في العالم الإسلامي، والماضي كفيل بإثبات ذلك. الكلمات الأخيرة في هذا الكتاب والتي أراد المؤلفان جعلها بمثابة رسالة هي لرئيس وزراء الهند الأسبق الراحل جواهر لال نهرو، وجاء فيها: «العلم وحده يمكن أن يحل المشكلات التي يطرحها الجوع والفقر والأمية والخرافة والعادات والتقاليد الباعثة للشلل وهدر الثروات وموت البشر جوعاً في بلاد غنية، إن المستقبل هو للعلم ولأولئك الذين يريدون أن يكونوا أصدقاء».
 

 

 
 




  أرشيف القلم العلمي

اطبع الموضوع  

Home