القلم النقدي

 

الكتابة : متعة المعاناة في البوح والإمتاع !!

بشير خلف



                  الكتابة : متعة المعاناة في البوح والإمتاع !!
                                                                          بشير خلف
               الكتابة رسالة حضارية نبيلة .أنْ تبدعَ فأنت فنانٌ ..أن تكتبَ فأنت تؤدي رسالة سامية وتمارس وجودك بوعي ، وتتجاوز ذاتك لتلتحم بالآخر أفقيا وعموديا وزمكانيا .الكتابة فعل إنساني قيْمي يمارسه المثقف ،الكاتب الحر، الناقد لمسيرة مجتمعه ،نقْدٌ صادقٌ بنّاء غايته التغيير إلى ما هو أصلح ..الكتابة الحرّة تنقد الخطأ باعتباره سلوكا مُضرّا بالذات والغير كيفما كان الخطأ ومهما كانت قيمة ومرتبة فاعله ..الكتابة الحرة تبشر بالخير وتزرع الفرح والمحبة ، وتفضح الظلم والتحيّز والقهر والعدوان .
الكتابة وفق ما سبق تتجلّى أهميتها في ضبط وتنسيق الإنتاج الفكري ، ليكون سندا ودعامة في التنوير ورفع مستوى الوعي والفكري للإنسان ، والسموّ بالتذوق الجمالي والإحساس به في كل الكائنات ، والإحساس بالمسؤولية ، وتحريك إمكانات الفرد والجماعة لممارسة المسؤولية التي كلف بها الله سبحانه وتعالى الإنسان واستخلفه في الأرض من أجْل أدائها .إن الإنسان يحي داخل المجتمع وبواسطته بما يوفره له من شعور بالوجود ، إذ الإنسان مدني بطبعه حسب مقولة العلاّمة ابن خلدون ؛ وبما يتيحه له من ممارسة حياته وتوظيف إمكاناته وطاقاته ،وبما يوفره له من أسباب العيش.
                               الكتابة فعل إنساني واعٍ              
الكتابة فعْل واعٍ ..فاعل وفعّال من وعن حالات المجتمع ، وترجمة لأفراحه وآلامه، وكشْفٌ لانتصاراته وهزائمه،وإضاءة لمستقبله وتوثيق فكري للآتين .
وكلما كانت الكتابة واقعية ، لا بمعنى التسليم للواقع أو التقاطه صورة طبق الأصل ، بل بالمعالجة الواقعية ، ومحاولة إعطاء شحنة مقوية لإعادة الإنسان إلى وعيه المتوازن ، بأسلوب فني راقٍ كلما ازداد شفافية ، كان أدْخلَ إلى القلب وأفْعلَ في النفس .
  إن الكتابة هي قضية الإنسان الواعي الذي يعايش قضايا عصره لا كمتفرج ولكن كفاعل ، لأن الكتابة سلطة تمارس وظيفتها في التنوير وفي التوجيه آنيا وتستشفّ الآتي فتنير له الدرب ، يقول أحد الكتّاب 1:
(( الكتابة وعْيٌ بالمستقبل بوصْفه قضية إنسانية ؛ لأن المستقبل هو جزْء من كينونة الإنسان التي تتحرّك دوما بين قطبيْن : الماضي وما به من خِبْرات توجّه الأنا ، وتشكل ملامحها الأساسية ، والمستقبل وهو الأفق الذي تتجه إليه اللحظة الراهنة )) .
                            متعة الكاتب في معاناته
والكتابة ليست بالأمر السهل ، بل هي نشاط فكري مُضْنٍ يتطلّب الكثير من الجهد والتوتر العصبي والأرق والبحث الدؤوب المتواصل ، من أجل العثور على الفكرة وتنظيم العبارة وتكوين النصّ كيفما كان جنسه ، وصبّ ذلك في قالب أخّاذ يستهوي المتلقّي ويمتعه ويبعث في نفسه الراحة والأمل .ولا يتصوّرنّ أحدٌ أن الكتابة مطواعةٌ تنصاع في كل لحظة ، وبالإمكان الإمساك بها كلما رغبنا ،  وتنقاد لأيّ مخربش بيسْرٍ .وقد قال الجاحظ قديما :
(( ...المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والبدويّ والقرويّ و.....)) لكن مَنْ يلتقطها ويقدمها لنا ثمرة ناضجة يانعة ؟
يقول في هذا الشأن أحد الكتاب المبدعين2:
" الكتابة مغامرة مُلْتَبسَةٌ بطبيعتها وأبعدُ ما تكون عن المهنة ( المضمونة ) التي يمكن أن تكون مجالا للاختيار الإرادي المحض ، عبْر دروبٍ متعرّجة ومتشابكة ، نصل إلى الاقتناع بضرورة ( اللجوء ) إلى الكتابة عندما نتبيّن أننا لا نستطيع أن نغيّر العالم ، كما كان يقول جان جونيه " .
                               الكتابة الصادقة سلطة
لمّا نقول إن الكتابة سلطةٌ تفرض نفوذها وتأثيرها على الأمم والأفراد ، فإننا لا نبالغ في ذلك ؛ هاهو شيخ الأدباء والكُتّاب في عصره الجاحظ يقول :
(( ... ولولا الكتب المُدوّنة والأخبار المُخلّدة والحكم المخطوطة لبطُل اكثرُ العلم ولغلب سلطان النسيان ، ولما كان للناس مَفْزعٌ إلى موضع استذكار ..ولوْ تمّ ذلك لحُرمْنا أكثر النفع "
ويقول الجاحظ في موضع آخر :
(( ... ولولا الخطوط لبطُلت العهود والشروط والسجلاّت والصكاك ، وكل اقطاع ، وكل إنفاق ، وكل أمان ، وكل عهد ، وكل جوار وحلف .ولتعظيم ذلك والثقة به والاستناد إليه كانوا يدعون في الجاهلية مَنْ يكتب لهم ذكْر الحلف والهدنة ، تعظيما للأمْر وتبْعيدا عن النسيان .
وليس في الأرض أمة لها طرقٌ ومسْــكةٌ ...ولا جِـيلَ لهم قبْضٌ وبسْطٌ إلاّ ولهم خــــطٌّ ...فأمّا أصحاب المُلْك والسلطان والجِباية والديانة والعبادة ، فهناك الكِــــتابُ المُتْقن والحساب المُحْكم . ))
ولمّا كانت الكتابة تحتل هذه المكانة قديما وازدادت حديثا وصارت هي قِوامُ الحضارة المعاصرة ، ثم هي وسيلة التدوين والتواصل الزمكاني وملْء الكتب والدفاتر والوثائق بالعلوم والمعارف وشتى مناحي الفكر والبحوث ، وهي وسيلة حفْظ الوثائق والأسرار وسجلات العمل في التجارة والمعاملات والوظائف وسيْر الإدارات وطلب العلم في المدارس والمعاهد والجامعات ..فإن حياتنا لا تستقيم ولا تتيسّر أمورها بدون هذه الوسيلة الحضارية .فقد جاء في القرآن الكريم على سبيل التكريم والتقدير ، حيث نسب الله سبحانه وتعالى الكتابة إلى ملائكته المُكرّمين إذْ قال : ( وَإِنُّ عَلَيْكُمْ لَحَـــافِظِينَ.كِرَامـًا كَاتِـــبِينَ .1(
                                    الكتابة الصحيحة موقف
لا يمكن للمرء الذي يدرك ماهية الثقافة ووظيفتها ، تصوّر ثقافة مكتوبة إلاّ منحازة لموقف ما ومدافعة عنه وتحمل لواءه حتى النهاية ، كيفما كان هذا الموقف .فالكتابة كسلطة في هذا الفعل الثقافي شكْلٌ من أشْكال الجَهْر وتصوّرٌ للوجود الإنساني ، وأداةٌ للتغيير دوما نحْو الأفْضل ..هي أداة الذات وإثباتها ..هي أداة تواصل راقية ونبيلة ماضيا وآنيا ومسْتقبليا.
       الكتابة تعبير عن الذات في السعي نحو تحقّقها الكينوني في العالم .الكتابة محاولة جادّة وواعية للفهم من أجْل تفسير ما يحيط بنا وما يتداخل معنا من ثقافات وهويات وعوالم مختلفة ..والكاتب هو الواسطة الذكية بين هذه العوالم وتلكم الهويات والثقافات .تقول الأديبة والكاتبة الجزائرية زهور ونيسي :
(( ظروف الكتابة لا يمكن فصلها عن وضْع الثقافة في الوطن ، بل وعن الوضع العام في الوطن ، إذْ كلّ شيء يتأثّر بغيره من المواضيع أو المجالات المختلفة .))
      إن اكتمال ثقافة الكاتب ومستوى وعْيه لِمَا يجري حوله اجتماعيا وسياسيا وثقافيا  ، لا كطرف حيادي راصد فقط لما يجري إنما كعنصر فعّال وفاعل ، ومدى اقترابه من الفهم الصحيح للعلاقات والصراعات والمشاكل المعاصرة له محليا وإقليميا ودوليا ، وتأثيرات العولمة التي تغلغلت في شتى مجالات حياتنا ..ومدى استفادته - أي الكاتب - من التراكم المعرفي الذي استعصى على أي مثقف اليوم ملاحقة ما يُبثّ وما يُذاع وما يُنشر ..هي كلها عوامل من الأهمية بمكان تدفع المثقف الكاتب ، بجعل كتابته ذات قيمة وذات تأثير ، إذْ كيف أكتب عن مجتمع دون الغوص في أعماقه ومعايشة انشغالاته ، ودون تفهّم لمشاكله.
     إن الكاتب الحق والغير المزيف دوما مستشْعرٌ روح المسؤولية فيما يكتب لأنه لا يكتب لنفسه فقط ، ممّا يستوجب منه أن يكون على قدْرٍ كبير من الأخلاق السامية والسلوك الإنساني الراقي والذوق الرفيع والحس النبيل حتى تكون كتابته ذات مصداقية وأفكاره ذات وقٌعٍ في القارئ المتلقّي ، بل وحتى السامع منتوج الكاتب الحق محكومة بمسلّمات المنطق والعقل والفكر السليم المتداول في المجتمع ، وفي معالجة الإشكاليات التي يعالجها الكاتب لا تطغى الأساليب الجمالية والأنماط الجديدة كي يدوس كما أسلفنا أعلاه على القيم الأخلاقية السائدة .
        فالكتابة الناجحة المؤثرة هي تلك النابعة من القلب والوجدان ن وهي التي تصمد أمام الزمن وعواديه ومنعرجاته ..وهي التي تخلد وتنهل منها كل الأجيال وترتوي عبر الحِقب التاريخية المتتالية ، ويظل أثرها منسابا في النفوس والقلوب كنهر رقراق يبعث الحياة دوْما :(( ... فالمعيار الثابت الذي يزيد كتابة الكاتب جمالا وقوة هو الصدق ، والأمانة في النقل والتصوير ، واحترام أذواق ومشاعر الناس ، عن طريق الوفاء لقضاياهم وعيْش همومهم ومشكلاتهم ن والمعالجة الموضوعية النزيهة لتلك الهموم والمشكلات 1)).
          وفي ذلك يقول الكاتب الأديب أنيس منصور :((... فالكاتب يتعذب ويكتوي ويتلوّى ويتأوّه ن ولكن إذا واجه الناس عليه أن يقول ما يُريح الناس ويفيدهم في حياتهم ويهديهم إلى ما هو أفضل ..فالذي يقدم طعاما للناس لا يعرض عليهم أدوات المطبخ ولا يأتي بالفرْن بينهم ..فليس هذا من شأنهم ، إنهم يريدون أن يأكلوا ..ولكن الكاتب يريد أحيانا أن يعرض على الناس صُورا من عذابه ، ومن براعته في التخلص من العذاب لعلهم يفعلون مثله ...))
          رسالة الكاتب بقدر ما هي عذاب واكتواء وحرقة ، فإنها رسالة ممتعة وشيقة ..ولا يتأتّى للكاتب أداؤها إلاّ إذا كان عاشقا للمعرفة ومستزيدا منها وناهلا من مصادرها المختلفة ، ومشرئبا باستمرار لمعرفة الأفكار والتصوّرات الجديدة والمتجدّدة في شتى حقول الفكر والثقافة والعلوم ، والسعي نحو تطوير تقنيات الكتابة ومواصفاتها الفنية ..بعيدا عن الغموض والإبهام المُخِلّيْن بالفكرة والعائقيْن أمام المتلقّي للتفاعل مع النص والتمتع به.
                                 عندما يتجاوز الكاتب نقطة البداية
         الكاتب الذي يراوح مكانه ولا يتجاوز نقطة انطلاقه معرفيا ووعيا بما يحيط به وغير قادر على تشخيص الحالات والإشكالات المجتمعية ، وغير مستفيد من أساليب العصرنة في المسك باللغة وتطويعها وتوظيفها في أسلوبٍ فني راقٍ ، ليصدق فيه قوْل الكاتب الأديب : مارك توين :(( ...إذا كنتَ تُؤدي عملكَ بنفس الأسلوب أو بنفس الطريقة التي بدأْتَ منها منذ عشر سنوات ، فاعلمْ أنكَ لم تَعُدْ تصلح لهذا العمل ، وابحثْ لنفْسكَ عن عملٍ آخر ... ))
        إذن الكتابة هي هبةٌ من الله ميّز الله بها الإنسانَ عن سائر المخلوقات ، وهي عملية دقيقة تخضع لموازين تجعل منها همّا إنسانيا ، ترتفع بالإنسان كاتبا وقارئا ودارسا وتضيف تجارب أخرى إلى تجاربه .


1  - الدكتور رمضان بسطاويسي  .

2  - الدكتور المغربي  محمد برادة .
1  - سورة الانفطار . الآيتان : 10 ، 11
1  - ابراهيم نويري .صحيفة النور الجديد .العدد 12 الخميس : 26 أفريل 2001




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home